الانقطاع الاضطراري و الانقطاع الاختياري

يمكن للإنسان أن يدعو الله في حالتين

الأولى: حين تنقطع كل الأسباب، وتغلق كل دروب الخلاص بوجهه ويصبح مضطرًا للالتجاء لله.

الثانية: حين تتعالى وتسمو روحه، فسوف ينتزع نفسه، ويقطعها عن كل الأسباب والوسائل وبإرادته، لا أنه مضطر لذلك كالحالة الأولى. وفي الحالة الأولى: حالة الاضطرار وانقطاع الأسباب بنفسها، يندفع الإنسان لله، مقهورًا ولا يحتاج لدعوة خاصة، ومن الواضح أن هذه الحالة، لا تعد كمالاً للنفس الإنسانية، ولكن الحالة الثانية كمال للنفس، حيث يسمو الإنسان باختياره، ويقطعها بإرادته عن كل الأسباب.

شروط الدعاء ۱ ـ الرغبة والطلب الحدي

الشرط الأول: أن تتملك وجود الإنسان الرغبة والطلب الجدي، حيث تصبح كل شرائح وجوده وخلاياه معبرة عن طلبه، ويتحول ما يريده، ويرغب فيه، إلى حاجة حقيقية، كما لو تعرض موضع من البدن، للاحتياج فإن جميع أعضاء البدن وجوارحه. سوف تبدأ بالعمل، وربما تزيد بعض الأعضاء من فعاليتها، من أجل أن تشبع حاجة ذلك الموضع، فلو شعر الإنسان بالعطش، فإن ملامح عطشه ستبدو عليه، واضحة، وتهتف أعضاؤه كلها طالبة، الماء: الفم، والكبد، والمعدة، والشفة، واللسان، وحتى لو نام في تلك اللحظات فسوف يلوح الماء له في نومه، لأن البدن يحتاج ويطالب بالماء جديًا، وهذا تمامًا كالاحتياج الروحي والمعنوي في الإنسان، الذي هو جزء من عالم الخليقة والتكوين، الذي يشمل العالم كله، أن الروح الإنسانية جزء من عالم من الوجود، فلو افتقرت لشيء ما ، بصورة جدية وحقيقية ، فإن جهاز الكون الكبير، لا يهملها، ولا يدعها لشأنها. وهناك فرق كبير بين تلاوة الدعاء والدعاء الحقيقي، فإذا لم يواكب قلبه لسانه، ولم ينسجم معه، فلا يعد ما يدعو به، دعاء حقيقيًا وجديًا، فلا بد أن ينبثق الطلب والاحتياج، ويتدفق من أعماق الإنسان، بصورة جدية وحقيقية، لا بد أن يبدو الاحتياج الحقيقي في كيان الإنسان كله…..

(أن كل ما يظهر في الوجود، يبحث هنا وهناك حول ما يحتاجه، حتى يعثر على الطالب له: أن من يبحث عن شيء، سيعثر عليه في النهاية، وما يبذله الإنسان ويتحمله في هذا السبيل، وإن كان مجهدًا، ومضنيًا، ولكنه رحمة في الواقع). أن الجواب يتجه للمشكلات، والماء يتجه للموضع المنخفض. لا تبحث عن الماء، بل دع نفسك تظمأ، فحينئذ سيصل إليك الماء من كل جانب. (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)

۲_ الثقة بالاستجابة

وتعني الإيمان واليقين، الإيمان بالرحمة اللامتناهية لذات الباري، الإيمان بأنه تعالى لا يمنع من فيضه أبدا ولا يبخل به على أحد ، الايمان بأن باب الرحمة الإلهية لا تغلق على عبدًا أبدًا، وإن النقص والقصور _ إذا كان _ فهو من جانب العبد نفسه، وفي الحديث (إذا دعوت فظن حاجتك بالباب) والإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في الدعاء المعروف بأبي حمزة الثمالي، يخاطب الله تعالى: (اللهم إني أجد سبل المطالب إليك مشرعة، ومناهل الرجاء لديك مترعة، والاستعانة بفضلك لمن أملك مباحة، وأبواب الدعاء إليك للصارخين مفتوحة، وأعلم أنك للراجين بموضع إجابة، وللملهوفين بمرصد إغاثة وإن في اللهف إلى جودك والرضا بقضائك عوضا عن منع الباخلين، ومندوحة عما في أيدي المستأثرين، وان الراحل إليك قريب المسافة وأنك لا تحجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الآمال دونك).

يقول حافظ: الشاعر الفارسي

(إنما يمكنك النظر لسر الدنيا، حين يمكنك أن تصنع من تراب الحانة كحلاً لبصرك. إنما يكشف مرادك النقاب عن وجهه الوردي، حين يمكنك أن تخدمه كنسيم السحر. إن الاستجداء على أبواب الحانة، حفنة من الإكسير، إذا مارسته، سيمكنك أن تصنع من التراب ذهبًا). تقدم وامض إلى الأمام، في طريق العشق والحب، بكل عزيمة وثبات، فإنك ستجني الكثير من الفوائد، لو أمكنك هذا السفر. أنت…. الذي لا تخرج نفسك عن مدار الطبيعة، فكيف يمكنك أن تطوي مراحل الطريقة وتجتازها. ليس لجمال الحبيب نقاب، ولكن حاول إزالة الغبار عن الطريق ليمكنك النظر. تعال….. فلا سبيل لك، للذوق، والحضور ونظم الأمور، إلا إذا أمكنك الاستفادة من فيوضات أهل النظر. ولكن….. أنت الذي تحلم بشفاه الحبيب، وكأس الخمر، لا تطمع بعمل آخر، فإنه لا يمكنك ذلك ما دمت تحلم بهما. أيها القلب، لو تعرفت على نور الهداية، فستكون كالشمع، يضحك ولكنه يضحي برأسه).

۳_ أن لا يخالف السنن التكوينية والتشريعية

ويشترط في الدعاء أن لا يكون مخالفًا لنظام التكوين والتشريع، فالدعاء استمداد واستعانة، ليتوصل من خلاله الداعي إلى الأهداف التي قررها له التكوين والوجود، أو التشريع والقوانين السماوية والإلهية، المنسجمة في طبيعتها مع التكوين، فإذا كان الدعاء بهذه الصورة، فسوف يتخذ لنفسه طابع الحاجة الطبيعية وسوف يندفع الوجود لتقديم المعونة له، وإيصال الفيض والمدد لحاجته ومتطلباته، بحكم المحافظة على التوازن والتعادل الذي يتسم به نظام الوجود ، وأما لو كان الطلب والاحتياج مخالفًا لأهداف التكوين والتشريع، أمثال المطالبة بالخلود في الدنيا، أو بقطع الرحم، فإن مثل هذا الدعاء لا يقبل الاستجابة، أي أن هذه الأدعية لا تكون تطبيقات حقيقية للدعاء.

۴_ مجانسة شؤون الداعي كلها مع الدعاء

ويشترط أيضًا، أن تكون شؤون الداعي كلها، وشتى مجالات حياته، وإبعادها، متناغمة مع الدعاء ومواكبة له، فلا بد أن تكون جميعها متطابقة، بدورها أيضًا مع أهداف التكوين والتشريع فالقلب لا بد أن يكون نظيفًا وطاهرًا، ولم يسلك لمعيشته طرق الحرام، ولا يحمل على عاتقه وزرًا ومظلمة لأحد، وفي حديث عن الأمام الصادق (عليه السلام): (إذا أراد أحدكم أن يستجاب له فليطلب كسبه وليخرج من مظالم الناس أن الله لا يرفع إليه دعاء عبد وفي بطنه حرام أو عنده مظلمة لأحد من خلقه).

۵_ أن لا يكون مطلوبه من آثار الذنوب

الشرط الخامس: أن لا تكون حالته الراهنة التي يحلم بتغييرها إلى حياة أفضل، بالدعاء، قد حصلت نتيجة عصيانه، وتهاونه في ممارسة وظائفه وتكاليفه، فيجب أن لا تكون الحالة التي عليها الداعي، والتي يدعو من أجل تغيرها، عقوبة في حقه، ونتيجة منطقية لما اقترفه من ذنوب، واستهانة بوظائفه، فإن حالته حينئذٍ لا تتغير بالدعاء وحده، بل لا بد أن يتوب، ويستغفر، ويزيل كل أسباب الحالة الراهنة وعواملها. فمثلاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الواجبات الشرعية، وصلاح المجتمع، أو فساده، متوقف تمامًا، على تطبيق هذين الأصلين، وعدمه، والنتيجة المنطقية لعدم تطبيقهما هو توفير المناخ المساعد، لسيطرة الأشرار على مقدرات المجتمع، والعبث بما شاوؤا به، وإذا فرط المجتمع في ممارسة هذه المهمة المقدسة، فسوف يتعرض للعقوبة، وللنتيجة المنطقية الناجمة من تقصير هذا المجتمع وتفريطه بالوظائف الملقاة على عاتقه، وطريق الخلاص من الواقع التعيس الذي يعيشونه، يتحدد بالتوبة، وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمدى ما يملكونه، من إمكانات وقدرات وبذلك فحسب، سيتوصلون إلى الآمال التي يحملون بها (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهذه من السنن الإلهية، وفي رواية معتبرة (لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم ثم تدعون فلا يستجلب لكم) وفي الواقع أن مثل هذه الأدعية على خلاف السنن التكوينية والتشريعية. وهكذا الأمر بالنسبة لمن يستسلم للبطالة والكسل، فلا يعمل شيئًا، بل كل ما يفعله هو الدعاء، فإن هذه الحالة مخالفة للسنن التكوينية والتشريعية. يقول الأمام علي (عليه السلام): (الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر) فلا بد أن يضم العمل للدعاء، لأن كل واحد منهما يكمل الآخر.

۶ ـ يلزم أن لا يحل الدعاء محل العمل

الشرط السادس للدعاء: أن يكون الإنسان محتاجاً واقعاً، ويتحقق ذلك في المجال الذي لا يمتلك فيه الإنسان أي وسيلة وسبيل للوصول لمطلوبه، حيث يكون عاجزاً عن التوصل إليه، وأما لو وضع الله تعالى، في يده، مفتاح حاجته، ولكنه كفر بتلك النعمة الإلهية، وتجنب استخدام هذا المفتاح ثم يطلب من الله أن يفتح له تلك الباب التي يمتلك مفتاحها، حتى لا يتحمل عناء استخدام المفتاح، فمثل هذا الدعاء لا يقبل الاستجابة. ومثل هذه الأدعية، يلزم عدها من الأدعية المخالفة للسنن التكوينية، إن الإنسان يستهدف من الدعاء تحصيل القدرة، والدعاء في مثل هذه الحالة التي تتوافر فيها القدرة لدى الإنسان، من قبيل تحصيل الحاصل، وقد أشير لهذه الفكرة، في بعض الروايات التي وردت عن أئمة الدين (عليهم السلام).

فقد روى جعفر بن إبراهيم عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: أربعة لا يستجاب لهم دعوة: رجل جالس في بيته يقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك في الطلب؟ ورجل كانت له امرأة فاجرة، فدعا عليها، فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك؟ ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: اللهم ارزقني، فيقال له ألم آمرك بالإصلاح (بالاقتصاد) ثم قال: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا، ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) ورجل كان له مال فأدناه رجلاً ولم يشهد عليه فجحده، فيقال له: لم آمرك بالإشهاد. ومن الواضح أن عدم الاستجابة لا تختص بهذه الأربعة، فإنها قد ذكرت من باب المثال، فإذا تمكن الإنسان من التوصل لأهدافه بواسطة العمل التدبير، ولكنه قصر في ذلك، ويرغب في أن يحل الدعاء محل عمله، فإن ذلك لا يتحقق أبداً. أن الدعاء لم يشرع حتى يتخذ موقع العمل، بل الدعاء مكمل للعمل، ولا يحل محله.

الكاتب: الشهيد مرتضى مطهري