الاُنس بالله

المقدّمة (۱) :

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد وآله الطاهرين . اللّهم أنطقني بالهدى وألهمني التقوى . قال مولانا وإمامنا العسكري (عليه السلام) : ( من استأنس بالله استوحش من الناس ) . في رحاب ميلاد مولانا الإمام العسكري (عليه السلام) اُقدّم أحرّ التهاني وأزكى التبريكات إلى مولانا وإمامنا الثاني عشر صاحب الزمان الحجّة بن الحسن (عليه السلام) وأرواحنا فداه وعجّل الله فرجه الشريف وإلى الاُمّة الإسلامية ، والإخوة الحضور العلماء وأهل العلم الكرام بمناسبة ميلاد العسكري الأغر ، ونستلهم في هذه الليلة المباركة من روحه الزكية ونفسه القدسية بيان ما جاء في كلمته القصيرة ، الموجزة في الألفاظ ، العظيمة في المغزى والمحتوى والمعنى ، فإنّها وإن كانت مختصرة الحروف إلاّ أ نّها تحمل المعاني السامية والمفاهيم القيّمة ، فإنّ كلام الإمام إمام الكلام ، دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق . وكلام الأئمة الأطهار نور ، له بواطن ووجوه كما للقرآن الكريم ، كما ورد هذا المعنى في الأخبار الشريفة . وأقصد من شرح الرواية التي تلوتها في مطلع الحديث ، فتح آفاق جديدة أمام طلبة العلوم ، ليفكّروا من بعد ويتعمّقوا وينظروا بكل دقّة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) فكلّ كلمة منهم تحمل كتاباً قطوراً ، فإنّها كالبحر المتلاطم الأمواج بالعلم والمعرفة ، فيها الدرر الثمينة واللآلئ القيّمة ، يقف عليها من غاص في بحارها ، وأسبر في أعماقها .

بيان الحديث :

أمّا شرح الرواية الشريفة فعلينا أن نبيّن أوّلا كلماتها ومداليلها ، ثمّ ما تحمل الكلمات من المعاني التي يمكن أن تكون مقصودة ومرادة . فقوله (عليه السلام) : من أنس : ( من ) اسم موصول ويفيد العموم الشمولي وتكون القضية على نحو الموجبة والكلّيّة ، فمن استأنس أي كلّ واحد من الناس سواء كان مسلماً أو غير مسلم من الموحّدين المؤمنين إذا استأنس بالله ، كما أنّ الجملة ، جملة شرطية مرتّبة من فعل الشرط ( من أنس بالله ) وجزاءه ( استوحش من الناس ) . ومفهوم الشرط المخالف : أنّه من لم يستأنس بالله لم يستوحش من الناس ، وعكسه : من أنس بالناس استوحش من الله ، ويجعلون أصابعهم في آذانهم ، لكي لا يسمعوا ذكر الله وكتاب الله جلّ جلاله ، ويقولون هذا سحرٌ مبين ، فيأنسون بالملاهي ومجالس البطّالين ، ويستوحشون من المساجد ومجالس العلماء ومجالس التوّابين والمؤمنين ، ويتّهمونهم بالرجعيّة والتخلّف والانحطاط ، وأنّه أراذل القوم اتّبعوا الأنبياء . وأمّا هم فمن الأثرياء ، يحملون الشهادات العليا ، ومن المثقّفين المتحضّرين ، فأنسوا بالناس واستوحشوا من الله ، وأين المفرّ من حكومة الله وسطوته وقدرته وسمعه وبصره ، وهو العليم الخبير . واستأنس : مشتق من الأنس والاُنس غريزة من غرائز الإنسان ، والغرائز حالات روحية ، لها جذور ثابتة في نفس الإنسان وباطنه ، تظهر في ضميره اللاشعوري ، على نحو الحاجة وتطالب إشباعها ، وهي التي تدفع الإنسان نحو حياة أفضل ، ولا تفتقر في تعليمها إلى معلّم ، إنّما هي إدراكات باطنية تختلف ضعفاً وقوّة طيلة مراحل حياة الإنسان ، وتبقى أصالتها مغروزة في وجود الإنسان ، ولا تختصّ بشعب دون شعب ، وبقوم دون قوم ، وبجغرافية وعصر خاص ، إنّما هي مع الإنسان منذ نعومة أظفاره في كلّ عصر ومصر ، تدرك أهدافها التي هي أهداف الحياة ، ولكن لا ندري كيف ترضي حاجتها وتشبع رغبتها ، ولا تدري ما هي مصاديقها إنّما البيئة والمحيط لما فيه من الجاذبيات ، يهديها ويرشدها إلى الخير أو الشرّ ، مثلا غريزة الجوع ، فالإنسان بهذه الغريزة يفهم ويدرك أنّ عليه أن يتغذّى ويأكل ويسدّ جوعه ويقوّي بدنه ، ولكن لا يدري من أيّ غذاء يأكل وكيف يأكل وكم مرّة يأكل ؟ فالمحيط يقدّم له الأكل ويعلّمه كيف يأكل وكم مرّة ، فالإنسان قبل حاجته إلى معلّم يعلّمه العلوم والفنون ويشبع فكره ، فإنّه يحتاج إلى مربٍّ ومعلّم يهدي غرائزه ، فإنّ الغرائز جذور حركة الإنسان من أجل حياة أفضل . وغريزة الاُنس هي من الغرائز ، وهي جذر الحياة الاجتماعية ، ويقال : الإنسان اشتقّ من الاُنس ، إذ يألف بالآخرين ويأنس بمحيطه ، ويبحث عن مجتمع يحكمه الاُنس الجماعي ، فيطالب بحكومة العدل والعلم والفلاح والصلاح ، يطالب من يحترم شخصيّته ، ولا يقيسه بالقرد والفأرة كما في المذهب الرأسمالي ، ولا بآلة ماكنة كما في المذهب الاشتراكي . ويقابل الاُنس التوحّش والفرار ، مقابلة الملكة وعدمها ، فمن يأنس بشيء يفرّ من ضدّه ، والضدّان لا يجتمعان . ( من استأنس بالله ) : الله : اسم علم وضع للذات ، واجب الوجود لذاته ، مستجمع جميع الصفات الكمالية ، من الجمال والجلال ، فهو المطلق في العلم والقدرة والحياة وجميع صفات الكمال ، كما ينزّه عن الجسم والحلول والإمكان وجميع القبائح والنقص ، فهو الواحد الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد ، له الأسماء الحسنى والصفات العليا . ( استوحش ) : تعرف الأشياء بأضدادها فإذا عرفنا معنى الاُنس عرفنا ضدّه ، وهو الوحشة ، فمن يستأنس بشيء يستوحش من غيره ، كما يستوحش من فقده ، فالوحشة عبارة عن الاضطراب الباطني . ( من الناس ) : من بيانية ، والناس جمع محلّى بألف واللام يفيد العموم فمن يستأنس بالله ، فإنّ لازمه الطبيعي أن يستوحش من الناس ، هذا ما قاله الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ، وأمّا برهانه وأدلّته ولوازمه . فهذا ما سنذكره .

لوازم الاُنس الإلهي :

للاُنس بالله عزّ وجلّ ، لوازم تكون بمنزلة البرهان والدليل على ما جاء في الخبر الشريف ، أهمّها على نحو الاجمال : ۱ ـ المعرفة . ۲ ـ الحبّ . ۳ ـ الحضور . ۴ ـ المشاهدة . ۵ ـ صنع الجميل . ۶ ـ الأهليّة . ۷ ـ التكامل . ۸ ـ التقرّب والوصال . ۹ ـ علوّ المقام . ۱۰ ـ الولاية . ۱۱ ـ التشابه . ۱۲ ـ العصمة من الذنوب . ۱۳ ـ الذكر . ۱۴ ـ مقام الإخلاص . وأمّا تفصيل ذلك :

۱ـ المعرفة :

لا يخفى على ذوي النُهى أنّ الاُنس يستلزمه المعرفة ، إذ السعي وراء أمر مجهول قبيح ، بل مقدّمة الاُنس ولازمه ولاحقه المعرفة ، فلولاها لما كان الاُنس ، كما أنّ الاُنس بما هو معدوم ولا يعرف عنه شيء لا معنى له ، فالإنسان إنّما يأنس بشيء بعد أن عرفه وأدركه ، فمن يأنس بالله لا بدّ أن يكون من العرفاء أوّلا حتى يصل إلى مقام الاُنس ، وهو إحدى المقامات التي تذكر في السير والسلوك إلى الله سبحانه ، وأوجب الواجبات كما في الروايات هي المعرفة . ومن يعرف الله يأنس به وينشرح قلبه ، كما في مناجاة العارفين لمولانا زين العابدين (عليه السلام) ( وانتفت مخالجة الشكّ عن قلوبهم وسرائرهم وانشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم ) . ومن عرف دلّته معرفته على العمل ، ومن عمل عرف ، فالعمل والاُنس إنّما هما محاطان بالمعرفة ، إلاّ أنّه المعرفة الاُولى معرفة إجماليّة ، والثانية معرفة تفصيليّة ، فلا يلزم الدور حينئذ .

۲ـ الحبّ :

الاُنس القلبي منشأه الحبّ ، وإنّما يستأنس بشيء من كان محبّاً له ، وهذا أمر بديهي ومن القضايا التي قياساتها معها ، ومن أحبّ الله ( والذين آمنوا أشدّ حُبّاً لله )(۲) لا شكّ يأنس بالله سبحانه ويذكره ، ويظهر آثار الحبّ على جوارحه وجوانحه ، كثمار الشجرة بعد انفلاقها من الحبّة ، والحُبّ ـ بضمّ الحاء المهملة ـ والحبّ ـ بفتحها ـ من مصدر واحد ، وينبئ عن حقيقة واحدة ، فالحبّةُ حينما تزرع بين التراب وفي باطن الأرض ، وتجود الشمس بأشعّتها عليها ، ويُسقيها الفلاّح الماء العذب ، ويُباريها ويراعيها ويراقبها ، فإنّ الحَبّةُ ستنفلق وتشقّ الأرض وتفلحها ـ ولهذا سُمّي الفلاّح فلاّحاً ـ فتخرج السنبلة التي تحمل سبعمائة حبّة ، والله سبحانه يضاعف لمن يشاء ، وتصبح الحبّةُ يوماً شجرة ذات أغصان بهيّة ، وأوراق طريّة ، وأثمار شهيّة ، فكذلك الحُبّ ـ سواء المجازي أو الحقيقي ـ فإنّه لو زرع في القلب وباطن الإنسان ، ونمت واشتدّت وربت بعناية الله ورعاية الإنسان نفسه ، ويصبح الحبّ يوماً أشجار الشوق في بساتين الصدور كما جاء ذلك في مناجاة العارفين : ( إلهي اجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم وأخذت لوعة محبّتك بمجامع قلوبهم )(۳) . ومن يصل إلى هذا المقام الشامخ مقام الحبّ والاُنس بالله فإنّه ينال آثاره ، كما يقوله زين العابدين (عليه السلام) : ( فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ، ومن حياض المحبّة بكأس الملاطفة ـ أي ربّنا حينما يسقيهم من الشراب الطهور من حياض المحبّة يلاطفهم وبكأس الملاطفة ـ يكرعون (يشربون) وشرايع المصافات يردون ، فشريعتهم شريعة المحبّة والصفاء والمودّة ـ وقد كشف الغطاء عن أبصارهم وانجلت ظلمة الريب عن عقائدهم وضمائرهم .. وطاب في مجلس الاُنس سرّهم . ومن أحبّ شيئاً لهج بذكره ، ودليل الحبّ إيثار المحبوب على من سواه . ولا يمحص رجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحبّ إليه من نفسه وأبيه واُمّه وولده وأهله وماله ومن الناس كلّهم ) . وفي الدعاء : إلهي أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك .. ماذا وجد من فقدك ؟ وما الذي فقد من وجدك ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا . ومن لم يحبّ الله ابتلاه الله بحبّ غيره ، كما سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن العشق ـ كحبّ قيس ليلى ـ فقال (عليه السلام) : قلوب خلت عن ذكر الله فأذاقها الله حبّ غيره . فيما اُوحي إلى داود (عليه السلام) : يا داود ! ذكري للذاكرين وجنّتي للمطيعين وحُبّي للمشتاقين ، وأنا خاصّة للمحبّين . أحبّوا الله من كلّ قلوبكم . ومن آثر محبّته على محبّة نفسه ، كفاه الله مؤونة الناس ، القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله . اللّهم إنّي أسألك أن تملأ قلبي حبّاً لك ، وخشيةً منك ، وتصديقاً بك ، وإيماناً بك ، وفرقاً منك ، وشوقاً إليك . وهل الدين إلاّ الحبّ ؟ الدين هو الحبّ والحبّ هو الدين ، طلبت حبّ الله عزّ وجلّ فوجدته في بغض أهل المعاصي ، وإذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حبّ الله ، وكان عند أهل الدنيا كأنّه قد خولط ، وإنّما خالط القوم حلاوة حبّ الله ، فلم يشتغلوا بغيره . إنّما يحبّ الله المحسنين التوّابين المتطهّرين المتّقين الصابرين المتوكّلين المقسطين ، الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأ نّهم بنيان مرصوص . ثلاثة يحبّهم الله عزّ وجلّ : رجل قام من الليل يتلو كتاب الله ، ورجل تصدّق بيمينه يخفيها عن شماله ، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فأستقبل العدوّ . وإنّ الله لا يحبّ المعتدين الظالمين المفسدين المسرفين الخائنين المستكبرين الفرحين الكافرين ، ومن كان مختالا فخوراً ، وخوّاناً أثيماً ، وكلّ كفّار أثيم . وأحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ رجل صدوق في حديثه ، محافظ على صلواته ، وما افترض الله عليه مع أدائه الأمانة . الخلق عيال الله ، فأحبّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله ، وأدخل على أهل بيت سروراً . أحبّ المؤمنين إلى الله من نصب نفسه في طاعة الله ، ونصح لاُمّة نبيّه ، وتفكّر في عيوبه ، وأبصر وعقل وعمل . ممّـا في صحيفة إدريس : طوبى لقوم عبدوني حبّاً ، واتخذوني إلهاً وربّاً ، وسهروا الليل ، ودأبوا النهار طلباً لوجهي ، من غير رهبة ولا رغبة ، ولا لنار ولا جنّة ، بل للمحبّة الصحيحة ، والإرادة الصريحة والانقطاع عن الكلّ إليّ … فيما أوحى الله تعالى إلى داود : يا داود ! أبلغ أهل أرضي أ نّي حبيب من أحبّني ، وجليس من جالسني ، ومؤنس لمن آنس بذكري ، وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمن أطاعني ، وما أحبّني أحدٌ أعلم ذلك يقيناً من قلبه ، إلاّ قبلته لنفسي ، وأحببته حبّاً لا يتقدّمه أحدٌ من خلقي ، من طلبني بالحقّ وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني . فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلمّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي ، وآنسوني أؤنسكم ، واُسارع إلى محبّتكم . إذا أحبّ الله عبداً ألهمه الطاعة ، وألزمه القناعة ، وفقّهه في الدين ، وقوّاه باليقين ، فاكتفى بالكفاف ، واكتسى بالعفاف ، وإذا أبغض الله عبداً ، حبّب إليه المال وبسطه له ، وألهمه دنياه ، ووكّله إلى هواه . عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : يا ربّ ، وددت أن أعلم مَنْ تُحبّ من عبادك فاُحبّه ؟ فقال : إذا رأيت عبدي يكثر ذكري ، فأنا أذنت له في ذلك وأنا أحبّه ، وإذا رأيت عبدي لا يذكرني فأنا حجبتُه ، وأنا أبغضته . فمن يتوفّق إلى الأعمال الصالحة متقرّباً بذلك إلى الله ، فإنّ هذا من علامة التوفيق الإلهي وحبّ الله لعبده . فيما أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) : كذب من زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي ، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه ؟ ! ها أنا ذا يا ابن عمران مطّلع على أحبّائي ، إذا جنّهم الليل حُوّلت أبصارهم من قلوبهم ، ومُثلت عقربتي بين أعينهم ، يخاطبوني عن المشاهدة ، ويكلّموني عن الحضور . حبّ الله إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كلّ شاغل وكلّ ذكر سوى الله ( عند ) ظلمة ، والمحبّ أخلص الناس سرّاً لله ، وأصدقهم قولا ، وأوفاهم عهداً … حبّ الله نار لا يمرّ على شيء إلاّ احترق ، ونور الله لا يطلع على شيء إلاّ أضاء . علامة حُبّ الله تعالى حُبّ ذكر الله ، وعلامة بغض الله تعالى بغض ذكر الله عزّ وجلّ . والحبّ من المقول التشكيكي ، له مراتب طولية وعرضية . سأل أعرابي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن درجات المحبّين ما هي ؟ قال : أدنى درجاتهم من استصغر طاعته واستعظم ذنبه ، وهو يظنّ أن ليس في الدارين مأخوذ غيره ، فغشي على الأعرابي ، فلمّـا أفاق قال : هل درجة أعلى منها ؟ قال (عليه السلام) : نعم سبعون درجة . إنّ اُولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتّى ورثوا منه حبّ الله … فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه ، فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى ، فعاين ربّه في قلبه ، وورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء ، وورث العلم بغير ما ورثه العلماء ، وورث الصدق بغير ما ورثه الصدّيقون ، وإنّ الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت ، وإنّ العلماء ورثوا العلم بالطلب ، وإنّ الصدّيقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة . في الأدعية : وأضئ وجهي بنورك وأحبّني بمحبّتك .. معرفتي يا مولاي دليلي عليك وحبّي لك شفيعي إليك .. عليك يا واجدي عكفت همّتي ، وفيما عندك انبسطت رغبتي ، ولك خالص رجائي وخوفي ، وبك أنست محبتي .. عميت عين لا تراك عليها رقيباً ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً … هذا وقد اشتهر على الألسن أنّ الطريق إلى الله سبحانه بعدد أنفاس الخلائق ، ولكن أهمّها عبارة عن طريقين : طريق لعامّة الناس ، وهو : امتثال أوامر الله والاجتناب عن نواهيه ، وطريق للخواصّ ، وهو : إتيان النوافل والمستحبّات وترك المكروهات ، فإنّ المستحبّ اشتقّ من الحبّ ، وطريق الحبّ ، وطريق الحبّ طريق الشوق والعشق والفناء في الله سبحانه . ومن تقرّب إلى الله بالنوافل ، فإنّه يصل إلى مقام ينظر بعين الله سبحانه ، ويسمع بسمعه ، كما جاء في الخبر الشريف : قال الله : ما تحبّبَ إليّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ ممّـا افترضته عليه ، وإنّه ليتحبّبُ إليّ بالنوافل حتّى اُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، إذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته(۴) . اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ كلّ عمل يوصلني إلى قربك .

۳ـ الحضور :

لازم الاُنس أن يكون المستأنس حاضراً في محضر من استأنس به ، فالذي يستأنس بالله يرى نفسه حاضراً بين يدي ربّه وأنيسه ، وكما يرى ويحسّ أنّه بمنظر الله ومسمعه وأنّه حاضراً عند ربه ، كذلك يدرك بأنّ الله حاضراً عنده ، وأنّه أقرب إليه من حبل الوريد ، وأينما يولّي وجهه ، فثَمّ وجه الله ، فهو معه أينما كان ، ومتى ما كان ، يخاطبون الله عن المشاهدة ويكلّمونه عن الحضور . وإنّ العالم هو محضر الله فلا يعصي الربّ من كان في حضرته ، ولازم الحضور هو الشهود القلبي .

۴ـ المشاهدة :

من عرف الله وأحبّه ووجد نفسه حاضراً بين يدي الله ، وأنّ العالم محضر الله ، فلا شكّ يصل إلى مقام الشهود ، فلا غيب بعدئذ ، ويأنس بالله عن مشاهدة ، ويعبد ربّه عن رؤية . ولكن لا تراه الأبصار ، إنّما تراه العيون والقلوب التي في الصدور ، وكيف يعبد ربّاً لم يره ، بل لا يرى شيئاً إلاّ ويرى الله معه وقبله وبعده . قال الله تعالى : ( ولا تعملون من عمل إلاّ كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه … )(۵) . عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اعبد الله كأنّك تراه ، فإن كنت لا تراه فإنّه يراك . في قوله تعالى : ( ولا تعملون من عمل إلاّ كنّا عليكم شهوداً ) ، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا قرأ هذه الآية يبكي بكاءً شديداً .

۵ـ صنع الجميل :

من أنس بالله وعرف ربّه بأنّه العالم القادر الحيّ الكريم الرحيم الشفيق الرفيق الودود ، له الأسماء الحسنى ، وعلم أنّه حبيب من أحبّه ، والحبيب لا يخطر على باله أن يؤذي حبيبه ، ولا ينوي ذلك . فمن وصل إلى هذا المقام ، فإنّه يرتاح في أعماق وجوده ، ويحسّ بالاطمينان ، ومن ثمّ بذكر الله يطمئن قلبه ، ويرى صنع الله في حقّه جميلا ، فإنّه الجمال ويحبّ الجمال ولا يفعل إلاّ الجميل . زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) العارفة بالله والمشتاقة إليه ، وقد وصلت إلى مقام الاُنس بالله ، تدخل في مجلس ابن زياد اللعين بعد شهادة إخوتها الكرام وشهادة سيّد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام) وشهادة أصحابه الأبرار ، وسبي أهل بيته الأطهار ، وابن زياد القذر الحقير يبغي أن يجرح عواطفها أكثر فأكثر ، ويكلّ قلبها ، كما يبرز موقفه المخزي بأنّ الذي حدث يوم عاشوراء إنّما هو صنع الله ، وليقول بالجبر ، فخاطبها قائلا : كيف وجدت صنع الله ؟ فتقول بكل بسالة وبطولة ومعرفة وعشق : ( ما رأيت إلاّ جميلا ) ، إذ رأت جمال الله فعشقته ، وعشّاق يوسف يقطّعنّ أيديهن ، فكيف بعشّاق الله وكيف بزينب الكبرى ؟ ترى قرابين آل محمّد مضرّجين بدمائهم الزكيّة ، وتحمل جسد أخيها الحسين تنادي ربها : ( اللّهم تقبّل هذا القربان من آل محمّد ) فلا ترى ذلك إلاّ جميلا ، فإنّ ربّها ومعبودها جميل ، ولا يفعل إلاّ الجميل ، ولا يصدر منه القبيح ، فإنّه منزّه عن القبائح والنقائص والاحتياج والإمكان ، فهو واجب الوجود لذاته ، مستجمعاً لجميع صفات الجمال والجلال . ثمّ بعد ذلك تقول زينب إنّ أخاها الحسين وأصحابه قوم كرام برزوا إلى مضاجعهم للشهادة ، إلاّ أنّ يزيد السفّاك وأعوانه الظلمة قتلوهم ، وستكون المحاكمة يوم القيامة ويكون الحكم هو الله سبحانه ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون . أجل : من أنس بالله فإنّه وصل إلى مقام الرضا ومقام التسليم ، وهما من أعلى المقامات في العرفان والسير والسلوك . إنّ الله جميل ويحبّ الجمال ، ويحبّ معالي الأخلاق ، ويكره سفسافها .

۶ـ الأهلية :

المستأنس بالله يكون من أهل الله ومن حزب الله ، فإنّ لازم الاُنس الأهليّة ويقابلها التوحّش ، كما يقال : حيوان أهلي وحيوان وحشي . فمن أنس بالله وكان من أهل الله ، إنّما يستأنس كلّ ما عليه اسم الله ، إذ حينما يأنس بالله في سرّه وباطنه ، ويتجلّى هذا الاُنس الباطني على سلوكه وأفعاله وحركاته وسكناته ، فإنّه يأنس بمجالس الله ، ويأنس بمحبّي الله وعشّاقه ، يأنس بالمؤمنين ، ويستوحش في باطنه من الناس ، كما يفرّ من معاشيقهم ، فإنّهم إذا أحبّوا الدنيا والمال والبنون ، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم ، فغفلوا عن ذكر الله ، والمستأنس بالله يخاف على نفسه أن يغفل بغفلتهم ، فيفرّ ويستوحش منهم ، يستوحش من مجالس البطّالين ، وإذا زال قدمه في سيره إلى الله ، واذا اُحيل بينه وبين خدمته لله يعاتب نفسه ، ويذكر نقاط الضعف في حياته ، ويناجي ربّه في ظلم الليل ودياجي الأسحار والدموع تسيل على وجنتيه ، رافعاً يده وناصباً وجهه إلى الله ، صارخاً ناحباً : ما لي كلّما أقول قد صلحت سريرتي وقرب من مجالس التوّابين مجلسي ، عرضت لي بلية أزالت قدمي وحالت بيني وبين خدمتك ؟ سيدي لعلّك عن بابك طردتني ، وعن خدمتك نحّيتني ، أو لعلّك رأيتني مستخفّاً بحقّك فأقصيتني ـ أي أبعدتني عنك ـ أو لعلّك رأيتني معرضاً عنك فقليتني ـ أي أنكرتني ورفضتني ـ أو لعلّك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني ، أو لعلّك رأيتني غير شاكر لنعمائك فحرمتني ، أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني ـ فمن لم يحضر مجالس العلم ليتعلّم وليعمل بعلمه ، فإنّه يصاب بخذلان الله ، وكيف للمخذول أن يسير إلى الله وأن يخدم ربّه ؟ ـ أو لعلّك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني ، أو لعلّك رأيتني آلف مجالس البطّالين ـ فإنّ الإنسان لما يحمل من النفس الأمّارة وعدم تهذيبها وتزكيتها فإنّه يألف ويأنس بمجالس البطّالين أي الباطل العاطل ، ومن ثمّ يستوحش من مجالس العلم والذكر ومجالس المؤمنين المتّقين ، فلعلّك يا إلهي وجدتني ورأيتني آلف مجالس البطّالين ـ فبيني وبينهم خلّيتني ـ وجعلت بيني وبينهم الصداقة والخلّة والاُنس بهم ـ وأمثالها توجب عروض البلايا والمصائب التي تحول بين الإنسان وبين ربّه ، وتزيل القدم عن السير والسلوك ، ويطرد عن باب الله ، وينحّى عن الخدمة الإلهية . فكيف لمن أنس بالله لم يستوحش من الناس ؟ المؤمن بالله يأنس ويألف بكل ما فيه اسم الله سبحانه ، وذكر عليه اسم الله ، وتصبّغ بصبغة الله ، وتقوّل بقول الله ، إذ من أصدق من الله قيلا ، ومن أحسن من الله صبغةً ، فيأنس بمجالس العلماء والمحبّين وعشّاق الله ، يأنس بكتاب الله وتلاوته ، يأنس بسنن وآداب أنبياء الله وأوصيائهم ، ويستوحش ممّـا في أيدي الناس ، فإنّ من أنس بالله ، استوحش من الناس ، كما قالها الإمام العسكري (عليه السلام) .

۷ـ التكامل :

الإنسان منذ نعومة أظفاره يسعى وراء كماله ، وكما يتكامل في طبيعته من عالم النطفة إلى العلقة وإلى المضغة ، وحتّى الولادة ثمّ الصبا ثمّ المراهقة والشباب والكهولة ، كذلك يتكامل في روحه ونفسه الناطقة وعقله ومعنوياته ، والعالم كلّه في السير التكاملي ، وفي حركة العشق الجوهري والحبّ إلى المبدأ الأوّل ، والإنسان الذي انطوى فيه العالم الأكبر ، في حركته الجوهرية يتكامل حتّى يصل إلى قاب قوسين أو أدنى ، وإلى الله المنتهى ، وإلى ربّك يومئذ المساق . فمن أنس بالله فإنّه يتكامل في جميع أبعاد حياته ، إذ ربّه وأنيسه هو الكمال المطلق ، وهو مطلق الكمال ، ولا يعلم ما هو إلاّ هو جلّ جلاله ، والمستأنس والمحبّ يحاول أن يتشبّه بمحبوبه في صفاته وأسمائه ، ومن ثمّ يكون مرآة تتجلّى فيه صفات المحبوب والمعشوق ، ويكون الإنسان مظهراً لأسماء الله وصفاته الحسنى ، فيصل إلى غاية خلقته من طريق العبادة والإخلاص ، فما خلق الله الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ، أي ليعرفون ، فيحبّون ويأنسون بالله ، وما عليه اسم الله ـ فإنّ ما عليه اسم الله يكون فيه الحياة ويوجب الحياة ، وما لم يذكر عليه اسم الله يكون ميّتاً ويوجب الموت كما في الذبائح ـ ويستوحشون من الكفر ويكرهون المعاصي ويفرّون ممّـا في أيدي الناس من معاشيق الجهل ومصاديق الظلم ومعنويات الفسق . وفلسفة الحياة وسرّ الخلقة هو التكامل من طريق العبادة المتبلورة بالمعرفة والعلم والرحمة ، وإنّما يكون تكامل الإنسان في حركات ثلاثة : التفقّه في الدين ( الحركة العلمية ) والصبر على النائبة ( الحركة الأخلاقية ) والتقدير في المعيشة ( الحركة الاقتصادية ) كما ورد ذلك في كثير من الروايات الشريفة(۶) . فالمستأنس بالله تراه في نهاره وليله يطلب كماله ، وهو في حركات دؤوبة ومتواصلة ، فيستوحش عن السكون حتّى لا يكون كالماء الراكد ، فإنّه وإن كان عذباً وحلواً في بدايته ، ولكن بعد ركوده يسنّ وينتن ويتبدّل إلى ماء عفن ، فلا بدّ من الجريان حتّى الوصول إلى البحر الموّاج . فالمؤمن المستأنس بحبّ الله في شغل مستمرّ بذكر الله وتكميل أبعاده الإنسانية ، والوصول إلى ما هو المقصود من خلقته ، ومثل هذا كيف لا يستوحش ممّن انهمك في الملاذّ والشهوات ، وغرّته الحياة الدنيا ، ونسي الله فنسي نفسه ، ولا يدري لماذا خلق ؟ وما المقصود من خلقته ؟ وهو كحمار الطاحونة معصّب العين ، ومن الصباح إلى الليل يدور حول نفسه ، وما أن يفتح عينيه حتّى يرى نفسه ، لا زال في موقفه الأوّل ، فيقع كالخشبة الهامدة يغطّ في نومه حتّى اليوم الثاني ، وهكذا تنقضي أيامه ولا زال حماراً لا يعقل . وكثير من الناس كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا في عبادتهم الأصنام والحيوانات والأهواء والدنيا وانغمارهم في مظاهرها الدنيّة ، والتكالب على جيفتها القذرة ، فكيف المستأنس بالله الكمال المطلق ، لا يستوحش من الناس مظاهر النقص والانحطاط والابتذال والاضمحلال الخلقي والإنساني ؟ ! ! ثمّ رددناهم في أسفل السافلين ، لهم قلوبٌ كالحجارة أو أشدّ قسوة فلا يعقلون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، خسروا الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين .

۸ـ التقرّب والوصال :

من أنس بالله فإنّه يحسّ في كلّ وجوده إنّه يتقرّب إلى خالقه وأنيسه ، ويدرك لذّة الوصال في حياته وبعد مماته ، ويخاف على نفسه أن ينقطع منه حبل الوصال ، فيستوحش من اُولئك الذين يحجبونه عن مؤنسه ، فيعاشر من يذكّره الله رؤيته ، ويزيد في علمه منطقه ، ويرغّب في الآخرة عمله ، ويقطع مع الجاهل ومع من لم يحمل هذه الصفات ، إذ قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل ، كما ورد في الخبر الشريف ، فمن أنس بالله تعالى استوحش عن مثل هؤلاء الناس الغافلين الساهين الناسين . إنّ موسى بن عمران (عليه السلام) لمّـا ناجى ربّه عزّ وجلّ ، قال : يا ربّ أبعيد أنت منّي فأُناديك ، أم قريب فاُناجيك ؟ فأوحى الله جلّ جلاله : أنا جليس من ذكرني . قال موسى : يا ربّ أقريب أنت فاُناجيك ؟ أم بعيد فاُناديك فإنّي اُحسّ صوتك ولا أراك ، فأين أنت ؟ فقال الله : أنا خلفك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك ، يا موسى أنا جليس عبدي حين يذكرني ، وأنا معه إذا دعاني ، ذاكر الله مجالسه . فالمستأنس همّه أن يتقرّب إلى ربّه ويصل إلى معبوده ، فلا تراه إلاّ مشتغلا بذكره وعبادته ، حتّى ينبهر بجماله ، وينصهر في كماله ، ويفنى في أسمائه ، ويذوب في صفاته ، وينزعج ويتألّم من كلّ ما يشغله عن ذكره واُنسه بالله ، فكيف لا يستوحش من الناس . دخل تلميذ على شيخه العارف بالله فقال له : أراك وحيداً ؟ فقال العارف : بدخولك أصبحت وحيداً ، إذ كنت اُناجي ربّي فقطعت مناجاتي …

۹ـ علوّ المقام :

ربّنا الله سبحانه وتعالى عالي الشأن عظيم المقام ، تعالى عمّـا يصفون ، فهو اللطيف بعباده ، وهو القادر على كلّ شيء ، وهو الجميل ويحبّ الجمال والعمل الجميل ، فمن عشقه وأحبّه وأنس به ، فإنّه يرفع مقامه ويعلّي شأنه ، وعليّ اشتقّ من العليّ ، ومحمّد من محامده ، ويصل إلى مقام تصافحه الملائكة والأنبياء ، ويتكلّم مع الشهداء ، ويستغفر له كلّ شيء حتّى الحوت في البحر ، ويكون مظهر أسمائه وصفاته ، ويجدّ في خشوعه وعبادته ، والعبادة جوهرة كنهها الربوبيّة ، فمثل هؤلاء الأولياء المقرّبون ، الذين يطيعون الله ورسوله ، قد وعدهم الله في علوّ الدرجات ، قاب قوسين أو أدنى : قال تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فاُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً )(۷) . ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اُوتوا العلم درجات )(۸) . و( فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً )(۹) . فكيف المستأنس بالله المطيع لله ولرسوله المتّقي المؤمن العالم المجاهد لا يستوحش من الناس الجهلاء الفسقة الذين لا همّ لهم سوى بطونهم ، وقيمتهم ما يخرج من بطونهم .

۱۰ـ الولاية :

المستأنس بالله إنّما الله سبحانه يتولّى أمره ، ويدبّر حياته ومعيشته ، فإن ( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا )(۱۰) ، يتولاّهم في الدنيا والآخرة ، ولكنّ الذين كفروا من الناس فإنّ أوليائهم ومدبّر اُمورهم الطواغيت ، وعبّاد الشيطان وأوليائه ، الذين يوحي إليهم الشيطان المكر والخديعة والظلم والجور والفسق والفجور . فمن أنس بالله عزّ وجلّ ، فإن الله يتولّى أمره ، كما أنّه هو كذلك يوالي ربّه ويحبّه ، ويعادي عدوّه ، ولو كان من أقربائه ، فيتبرّأ من الناس الذين يعادون الله في أفكارهم وعقائدهم وسلوكهم وأعمالهم ، فمن أنس بالله ووصل إلى مقام الولاية ، كيف لا يستوحش من الناس ؟ قال الله تعالى : ( إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )(۱۱) . ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم )(۱۲) . ( ألا إنّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتّقون )(۱۳) . ( إنْ أولياؤه إلاّ المتّقون )(۱۴) . قال الحواريون : يا عيسى مَن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟ قال عيسى (عليه السلام) : الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها ، وأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم ، وتركوا ما علموا أنّه سيتركهم ، فصار استكثارهم منها استقلالا ، وذكرهم إيّاها فواتاً ، وفرحهم بما أصابوا منها حزناً .. يحبّون الله تعالى ويستضيئون بنوره ، ويضيئون به ، لهم خبر عجيب ، وعندهم الخبر العجيب ، بهم تمام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا ، وبهم علم الكتاب وبه علموا ، ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ، ولا أماني دون ما يرجون ، ولا خوفاً دون ما يحذرون . سئل النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن قول الله تعالى : ( ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )(۱۵) ، قال : الذين يتحابّون في الله . سُئِلَ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن الآية الشريفة فقال : هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته ، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، فعرفوا آجلها حين غرّ الناس سواهم بعاجلها ، فتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم ، وأماتوا منها ما علموا أنّه سيميتهم . إنّ أوليـاء الله تعالى كلّ مستقرب أجله ، مكذّب أمله ، كثير عمله ، قليل زلله . إنّ أولياء الله لأكثر الناس ذكراً وأدومهم له شكراً ، وأعظمهم على بلائه صبراً . إنّ أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم (عليه السلام) . إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً ، ونظروا فكان نظرهم عبرة ، ونطقوا فكان نطقهم حكمة ، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة ، لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب ، وشوقاً إلى الثواب . إنّ الله تعالى أخفى وليّه في عباده ، فلا تستصغرّن عبداً من عبيد الله ، فربّما يكون وليّه وأنت لا تعلم . إذا استحقّت ولاية الله والسعادة جاء الأجل بين العينين ، وذهب الأمل وراء الظهر ، وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الأمل بين العينين ، وذهب الأجل وراء الظهر . إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة ، فتحه الله لخاصّة أوليائه . والدنيا مهبط وحي الله ، ومتجر أولياء الله ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنّة . ثلاث خصال من صفة أولياء الله : الثقة بالله في كلّ شيء ، والغناء به عن كلّ شيء ، والافتقار إليه في كلّ شيء . في الدعاء : اللّهم إنّك آنس الآنسين لأوليائك ، وأحضرهم بالكفاية للمتوكلّين عليك ، تشاهدهم في سرائرهم ، وتطّلع عليهم في ضمائرهم ، وتعلم مبلغ بصائرهم ، فأسرارهم لك مكشوفة ، وقلوبهم إليك ملهوفة ، إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ، وإن صبّت عليهم المصائب لجأوا إلى الاستجارة بك ، علماً بأنّ أزمّة الاُمور بيدك ، ومصادرها عن قضائك … فيا ترى مَن كان هذا حاله أما يستوحش من الناس ؟ أما يعتزل الناس روحاً ويبقى معهم جسداً لهدايتهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، ولاحتياج بعض الناس إلى بعض في معاشهم وحياتهم اليوميّة .

۱۱ـ التشابه :

ورد في الخبر الشريف : عبدي أطعني أجعلك مَثلي ـ بفتح الميم ـ أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون . فمن وصل إلى مقام الاُنس بالله بالطاعة والعبادة والإخلاص ، وحاز شرف الحضور والمشاهدة ولذّة المناجاة . كيف لا تتجلّى فيه أسماء الله وصفاته ، ويكون مظهراً لقدرة الله وعلمه وكمالاته ، وينصبغ بصبغة الله سبحانه وتعالى ، فيكون سبحانه سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، اتّقِ من فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله .

۱۲ـ العصمة :

حريّ بمحبّ الله أن يعتصم من الذنوب ، إذ كيف من يدّعي حبّ الله والاُنس به يعصيه سبحانه ، فعجباً لمن ينتحل حبّ الله كيف يعصي الله ، بل من وصل إلى مقام الاُنس بالله ، فإنّه يعصم نفسه عن الذنوب ويصل إلى مقام العصمة الأفعالية ، إذ العصمة الذاتية الكلّية مختصّة بالأنبياء والأوصياء الأئمة الأطهار (عليهم السلام) . عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قال الله سبحانه : إذا علمت أنّ الغالب على عبدي الاشتغال بي نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي ، فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حلتُ بينه وبين أن يسهو ـ وهذا معنى العصمة ـ اُولئك أوليائي حقّاً ، اُولئك الأبطال حقّاً . يقول الله عزّ وجلّ : إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي جعلت بغيته ولذّته في ذكري ، فإذا جعلت بغيته ولذّته في ذكري عشقني وعشقته ، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، وصيّرت ذلك تغالباً عليه ، لا يسهو إذا سها الناس ، اُولئك كلامهم كلام الأنبياء ، اُولئك الأبطال حقّاً . عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : من اُلهم العصمة أمِنَ الزلل ، كيف يصبر عن الشهوة من لم تعنه العصمة ، الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم الله . فالمستأنس بالله كيف لا يستوحش من هؤلاء الناس ؟ ( ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم )(۱۶) . ومن هدي إلى الصراط المستقيم ، فقد أنعم الله عليه ، ومن أنعم عليه فهو مع النبيّين والصالحين والشهداء في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وحسن اُولئك رفيقاً . أمّا موجبات العصمة كما في الروايات فمنها : الاعتبار والتصبّر على المكروه ، وعن علي (عليه السلام) : إنّ التقوى عصمة لك في حياتك وزلفى لك بعد مماتك ، وبالتقوى قرنت العصمة ، والحكمة عصمة ، والعصمة نعمة . فعصم السعداء بالإيمان ، وخذل الأشقياء بالعصيان ، من بعد اتّجاه الحجّة عليهم بالبيان . وعن الإمام الباقر (عليه السلام) : إذا علم الله تعالى حُسن نيّة من أحد اكتنفه بالعصمة . قال نوف البكالي : رأيت أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) مُوليّاً مبادراً فقلت : أين تريد يا مولاي ؟ فقال : دعني يا نوف إنّ آمالي تقدّمني في المحبوب . فقلت : يا مولاي وما آمالك ؟ قال : قد علمها المأمول واستغنيت عن تبيينها لغيره ، وكفى بالعبد أدباً ، أن لا يشرك في نعمه وأربه غير ربّه . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّي خائف على نفسي من الشره ، والتطلّع إلى طمع من أطماع الدنيا ، فقال لي : وأين أنت عن عصمة الخائفين ، وكهف العارفين ؟ فقلت : دُلّني عليه ، قال : الله العليّ العظيم ، تصل أملك بحسن تفضّله ، وتقبل عليه بهمّك ، واعرض عن النازلة في قلبك ، فإن أجّلك بها فأنا الضامن من موردها ، وانقطع إلى الله سبحانه فإنّه يقول : وعزّتي وجلالي لأقطعنَّ أمل كلّ من يؤمّل غيري باليأس ، ولأكسونّه ثوب المذلّة في الناس ، ولاُبعدنّه من قربي ، ولأقطعنّه عن وصلي … في المناجاة : إلهي في هذه الدنيا هموم وأحزان وغموم وبلاء ، وفي الآخرة حساب وعقاب ، فأين الراحة والفرج ؟ إلهي خلقتني بغير أمري ، وتميتني بغير اُذني ، ووكلت فيّ عدوّاً لي له عليَّ سلطان ، يسلك بي البلايا مغروراً ، وقلت لي استمسك ، فكيف أستمسك إن لم تمسكني . إلهي لا حول لي ولا قوّة إلاّ بقدرتك ، ولا نجاة لي من مكاره الدنيا إلاّ بعصمتك ، فأسألك ببلاغة حكمتك ونفاذ مشيئتك أن لا تجعلني لغير جودك متعرّضاً . في مناجاة المعتصمين : إلهي أسكنتنا داراً حفرت لنا حُفر مكرها ، بك نعتصم من الاغترار بزخارف زينتها … إلهي فزهدنا فيها وسلّمنا منها بتوفيقك وعصمتك … وطهّرني بالتوبة وأيّدني بالعصمة ، واستصلحني بالعافية . قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : بالتقوى قرنت العصمة . وهذا يعني أنّ العصمة لازمها التقوى أو بالعكس ، فالمتّقي يكون معصوماً ، والمستأنس بالله كيف لا يكون متّقياً متورّعاً عن كلّ ما فيه غير الله ، وكيف لا يتّقي الناس ويستوحش منهم ، وإنّما يطلب الأتقياء في أطراف الأرض ـ كما ورد في الخبر الشريف ـ وهو مع الناس جسداً ، ومع الله روحاً وقلباً ، ناجاه الله في سرّه وعقله ، فإنّه أقرب إليه من حبل الوريد ، فيشاهده بقلبه وبصيرته ، ويستأنس بذكره وجماله . وجماع التقوى في قوله تعالى : ( إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان )(۱۷) .

۱۳ـ الذكر (۱۸) :

مقام الذاكرين لله مقام شامخ عظيم ، وإنّ من يأنس بربّه يأنس بذكره ، فإن اشتاق إلى كلامه تلى القرآن الكريم ، وإن اشتاق أن يتكلّم معه ربّه ، قام في المحراب مصلّياً ، ويسأل الله أن يجعل قلبه بحبّه متيّماً ، ولسانه بذكره لهجاً ، ويستوحش من الغفلة عن ذكر الله ، ويستوحش ممّن يغفله من الناس من ذكر الله ، إذ أنس بالله تعالى ، استوحش فاستوحش من الناس . عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : عليك بمجالس الذكر . ارتعوا في رياض الجنّة . قالوا : يا رسول الله ، وما رياض الجنّة ؟ قال : مجالس الذكر . ما قعد عدّة من أهل الأرض يذكرون الله إلاّ قعد معهم من الملائكة . في وصيّة لقمان : اختر المجالس على عينك ، فإن رأيت قوماً يذكرون الله عزّ وجلّ فاجلس معهم ، فإنّك إن تكُ عالماً ينفعك علمك ويزيدونك علماً ، وإن كنت جاهلا علّموك ، ولعلّ الله يظلّهم برحمة فتعمّك معهم . عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ما اجتمع قوم في مجالس لم يذكروا الله ولم يذكرونا إلاّ كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة . وفي الدعاء : واجعلنا من الذين اشتغلوا بالذكر عن الشهوات … حتّى جالت في مجالس الذكر رطوبة ألسنة الذاكرين . ( الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر اللّه ألا بذكر اللّه تطمئنّ القلوب )(۱۹) . ( يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاُولئك هم الخاسرون )(۲۰) . في الروايات : الذكر لذّة المحبّين ( في الدعاء ) وأستغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك ، ومن كلّ راحة بغير اُنسك ، ومن كلّ سرور بغير قربك ، ومن كلّ شغل بغير طاعتك . إلهي ما ألذّ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب ، وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب . اللّهم افتح مسامع قلبي لذكرك ، وارزقني طاعتك وطاعة رسولك وعملا بكتابك . الذكر مجالسة المحبوب وهو أفضل الغنيمتين ، وشيمة المتّقين ، وسجية كلّ محسن ، ولذّة كلّ موقن ، وأحبّ الأعمال إلى الله : ( اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبّحوه بكرةً وأصيلا )(۲۱) . عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ألا اُخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من الدينار والدرهم ، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوّكم فتقتلونهم ويقتلونكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ذكر الله عزّ وجلّ كثيراً . قال رجل للنبيّ : اُحبّ أن أكون أخصّ الناس إلى الله تعالى ، قال (صلى الله عليه وآله) : أكثر ذكر الله تكن أخصّ العباد إلى الله تعالى . عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ما من شيء إلاّ وله حدّ ينتهي إليه إلاّ الذكر فليس له حدّ ينتهي إليه ، فرض الله عزّ وجلّ الفرائض فمن أدّاهن فهو حدّهن … إلاّ الذكر فإنّ الله عزّ وجلّ لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدّاً ينتهي إليه ، ثمّ تلا هذه الآية : ( يا أيّها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً )(۲۲) . ومن ذكر الله في السرّ فقد ذكر الله كثيراً ، فمداومة الذكر خلصان الأولياء ، ومن اشتغل بذكر الله طيّب الله ذكره . ومن دعاء علّمه أمير المؤمنين (عليه السلام) لنوف البكالي : إلهي من لم يشغله الولوع بذكرك ، ولم يزوِه السفر بقربك كانت حياته عليه ميتة ، وميتته عليه حسرة . إلهي وألهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك ، وهمّتي إلى روح نجاح أسمائك ومحلّ قدسك . أسألك بحقّك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة وأعمالي عندك مقبولة ، حتّى تكون أعمالي وأورادي كلّها ورداً واحداً وحالي في خدمتك سرمداً . عن الإمام الباقر (عليه السلام) : لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله قائماً كان ، أو جالساً ، أو مضطجعاً ، إن الله تعالى يقول : ( الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار … )(۲۳) . الذكر مفتاح الصلاح ومن عمر قلبه بدوام الذكر حسنت أفعاله في السرّ والجهر ، ومداومة الذكر قوّة الأرواح ومفتاح الصلاح وحياة القلوب ونور العقول وجلاء الصدور تستنجح به الاُمور ، ويُستنار به اللبّ . في الحديث القدسي : أ يّما عبد اطّلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسّك بذكري ، تولّيت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه . ذكر الله ينير البصائر ويؤنس الضمائر فهو مفتاح الاُنس ، وذاكر الله مؤانسه ، وإذا رأيت الله يؤنسك بذكره فقد أحبَّك ، وإذا رأيت الله يؤنسك بخلقه ويوحشك من ذكره فقد أبغضك ، فالذكر مطردة الشيطان ودعامة الإيمان وأمان من النفاق ، يثمر المحبّة والعصمة . في الدعاء : وقلت وقولك الحق : ( فاذكروني أذكركم )(۲۴) ، فأمرتنا بذكرك ووعدتنا عليه أن تذكرنا تشريفاً لنا وتفخيماً وإعظاماً وها نحن ذاكروك كما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا يا ذاكر الذاكرين .

۱۴ـ الإخلاص :

يقابله الرياء والعمل لغير الله ، ومن أنس بالله كان مع الصادقين المخلصين ، وأدرك أنّ العمل الطيّب المخلص يصعد إلى ربّه ، فإنّ الله خير الشريكين ، فمن أشرك في ذكر ربّه وعبادته ، فإنّ الله يدع تلك العبادة لغيره ، إذ لا يقبل إلاّ من المخلصين الذين لا يتسلّط عليهم الشيطان في غوايتهم وإضلالهم وانحرافهم ، فهم أحبّاء الله ، أنيسهم وحبيبهم الله سبحانه ، عملوا لله بإخلاص وذكروا الله بإخلاص وأحبّوا الله بإخلاص وشاهدوا الله بإخلاص فمبدأهم الإخلاص ومنتهاهم الإخلاص وحياتهم ومماتهم الإخلاص ، ( إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين )(۲۵) ، اتّقوا الله حقّ تقاته وحازوا رتبة الإخلاص ، فأخلصوا فخلصوا . في القرآن الكريم في قصّة الشيطان ورجمه : ( قال فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين * إلاّ عبادك منهم الُمخلصين )(۲۶) . عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : قال الله تعالى : الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي . الإخلاص سرّ من سرّي اُودّعه في قلب من أحببتهُ . وبالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين . واعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلّها . عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ولا بدّ للعبد من خالص النيّة في كلّ حركة وسكون لأنّه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلا ، والغافلون قد وصفهم الله تعالى فقال : ( اُولئك كالأنعام بل هم أضلّ )(۲۷) . وقال : ( اُولئك هم الغافلون )(۲۸) . ما أنعم الله عزّ وجلّ على عبد أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره . وعن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : الإخلاص أشرف نهاية ، غاية الدين ، عبادة المقرّبين ، ملاك العبادة ، أعلى الإيمان ، شيمة أفاضل الناس ، وفي الإخلاص يكون الخلاص ، طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اُذناه ، ولم يحزن صدره بما أعطى غيره . وتصفية العمل خير من العمل ، والإبقاء على العمل حتّى يخلص أشدّ من العمل . أخلص قلبك يكفيك القليل من العمل . العمل كلّه هباء إلاّ ما اُخلص فيه . ضاع من كان له مقصد غير الله . فيما ناجى الله تعالى موسى : يا موسى ! ما اُريد به وجهي فكثير قليله ، وما اُريد به غيري قليل كثيره . طوبى للمخلصين ، اُولئك مصابيح الهدى ، تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء . أين الذين أخلصوا أعمالهم لله ، وطهّروا قلوبهم لمواضع نظر الله ؟ الناس كلّهم هلكى إلاّ العاملون ، والعاملون كلّهم هلكى إلاّ المخلصون ، والمخلصون على خطر . عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) : إذا عملت عملا فاعمل لله خالصاً ; لأنّه لا يقبل من عباده الأعمال إلاّ ما كان خالصاً . ليست الصلاة قيامك وقعودك ، إنّما الصلاة إخلاصك وأن تريد بها وجه الله . ( قل إنّي اُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين * واُمرت لأن أكون أوّل المسلمين )(۲۹) . وتمام الإخلاص تجنّب المعاصي والمحارم ، وإنّ لكل حقّ حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يحمد على شيء من عمل لله ، فالعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلاّ الله عزّ وجلّ . أمّا علامة المخلص فأربعة : يسلم قلبه ، وتسلم جوارحه ، وبذل خيره ، ويكفّ شرّه ، ولا يكون العابد عابداً لله حقّ عبادته ، حتّى ينقطع عن الخلق كلّه إليه فحينئذ يقول هذا خالص لي فيتقبّله بكرمه . والزهد سجيّة المخلصين . قال أحد العلماء في بيان حقيقة الإخلاص ـ بعد ذكر أقاويل المشايخ ـ : الأقاويل في هذا كثيرة ، ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة ، وإنّما البيان الشافي بيان سيّد الأوّلين والآخرين ، إذ سُئِلَ عن الإخلاص فقال : ( هو أن تقول ربّي الله ثمّ تستقيم كما اُمرت ) ، أي : لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلاّ ربّك وتستقيم في عبادته كما أمرك ، وهذه إشارة إلى قطع كلّ ما سوى الله عزّ وجلّ من مجرى النظر وهو الإخلاص حقّاً . الإخلاص ثمرة العبادة واليقين والعلم ، وأوّله اليأس ممّـا في أيدي الناس ، ومن رغب فيما عند الله أخلص عمله ، وكيف يستطيع الإخلاص من يغلبه هواه ، وما أخلص عبد لله عزّ وجلّ أربعين صباحاً إلاّ جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . في الحديث القدسي : قال الله عزّ وجلّ : لا أ طّلع على قلب عبد فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي ، وابتغاء مرضاتي إلاّ تولّيت تقويمه وسياسته . إنّ المؤمن ليخشع له كلّ شيء ويهابه كلّ شيء ، ثمّ إذا كان مخلصاً لله أخاف الله منه كلّ شيء حتّى هوام الأرض وسباعها وطير السماء . والمخلص حريّ بالإجابة ، وبالإخلاص ترفع الأعمال ، وفي إخلاص النيّات نجاح الاُمور ، ومن أخلص بلغ الآمال . وفي الدعاء : اللّهم صلِّ على محمّد وآل محمّد واجعلنا ممّن جاسوا خلال ديار الظالمين ، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين ، وسمو إلى العلوّ بنور الإخلاص …

خلاصة الكلام :

من أنس بالله تعالى استوحش من الناس ، ومن أنس بالواحد استوحش من الكثرة وما في أيدي الناس ، ومن أنس بعلم الله استوحش من جهل الناس ، فهم مع الناس لا معهم ، أجسادهم مع الناس وأرواحهم تعلّقت بالملأ الأعلى ، كبر الخالق في أعينهم ، وصغر ما دونه في أنفسهم ، عرفوا الله فأحبّوه ، وحضروا حضيرة قدسه ، وشاهدوا جمال جميله ، في الكون وفي صنعه ، فهم أهل الله وحزبه ، وتسهّلت لهم سُبل تكاملهم ، فتقرّبوا إلى ربّهم الكريم ، وفازوا بلذّة الوصال ، وعلوّ المقام ، وتولّى الله أمرهم بخير وعافية ، ومنحهم القدرة لمّـا حملوا التشابه ، فاعتصموا من الذنوب والمعاصي والآثام وما لا يرضى الربّ جلّ جلاله ، فذكروا الله ، وأخلصوا في أعمالهم ونواياهم وحبّب إليهم الإيمان ، وكرّه إليهم الكفر والطغيان . هذا ولا تنحصر لوازم الاُنس بالله بأربعة عشر مقاماً ، بل هناك لوازم اُخرى كما لكلّ مقام يمكن أن يتصوّر له لوازم ومقامات عديدة . فمقام المعرفة يستلزمها الإطاعة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ، ولمن كان في خط الأنبياء من الأولياء والعلماء ، ولازم الإطاعة العلم والعمل بالأركان ، وبجميع ما جاء في الشرع المقدّس من إتيان الواجبات وترك المحرّمات . كما أنّ مقام الحبّ يستلزم إتيان المستحبّات وترك المكروهات ، بل ترك الحلال فضلا عن الشبهات والمكروهات . ومقام الرضا وصنع الجميل يستلزم الصبر على البلايا . كما أنّ مقام التكامل يستلزم ذلك كما يستلزم الحركة العلمية والحركة الاقتصادية ، إذ كما ورد في الخبر الشريف : الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين والصبر على النائبة والتقدير في المعيشة . وكذلك باقي المقامات العرفانية في السير والسلوك ، يستلزمها مقامات اُخرى ، وحالات عامّة وخاصّة . والمقصود إقامة البرهان والدليل على قول مولانا الإمام العسكري (عليه السلام) كما تبيّن ذلك ، بأنّ من أنس بالله الصمد استوحش من الناس الهمج ، وأكثرهم لا يعقلون وإنّهم للحقّ كارهون ، فلا يفر من خلق الله ، ويعتزل المجتمع مطلقاً ، بل قد أمر الله بهداية نفسه وتهذيبها أوّلا ، ثمّ هداية الناس وإمامتهم ، كما أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وترويج الدين ، وإقامة حكومة العدل وإصلاح المجتمع . في الروايات الشريفة : لا يؤنسك إلاّ الحق ولا يوحشنّك إلاّ الباطل . اللّهم إنّك آنس الآنسين لأوليائك … إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ، وإن صبّت عليهم المصائب ، لجئوا إلى الاستجارة بك … قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ثمرة الاُنس بالله الاستيحاش من الناس ، كيف يأنس بالله من لا يستوحش من الخلق ، من انفرد عن الناس آنس بالله سبحانه ، علامة الاُنس بالله الوحشة من الناس . عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من خرج من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة ، آنسه الله عزّ وجلّ بغير أنيس ، وأعانه بغير مال . عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ما من مؤمن إلاّ وقد جعل الله له من إيمانه اُنساً يسكن إليه ، حتّى لو كان على قلّةِ جبل لم يستوحش . آه آه … ! ! على قلوب حُشيت نوراً ، وإنّما كانت الدنيا عندهم بمنزلة الشجاع الأرقم ، والعدوّ الأعجم ، أنسوا بالله واستوحشوا ممّـا به استأنس المترفون . فهل أنست بالله ؟ وهل وصلت إلى هذه المقامات ؟ اسعَ سعيك ، فأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى ، والله وليّ التوفيق ، وإنّه خير ناصر ومعين . فمنك الحركة ومن الله البركة . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

ـــــــــــ

([۱]) القيت مضمون هذه الرسالة كمحاضرة في مجمع من أهل العلم في منتدى اللبنانيين في مدينة قم المقدسة ، ليلة ذكرى ميلاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام ۱۴۱۲ هجرية ( ۸ ربيع الثاني ) . وأغلب مصادر الأحاديث عن موسوعة ( ميزان الحكمة ) وبعض الكلام إنّما هو مستلّ من الروايات الشريفة . (۲) البقرة : ۱۶۵ . (۳) مفاتيح الجنان ، والصحيفة السجّادية . (۴) ذكرت مصادر الروايات وحديثاً مفصّلا عن الحبّ الإلهي في رسالة ( حبّ الله نماذج وصور ) ، فراجع . (۵) يونس : ۶۱ . (۶) ذكرت تفصيل ذلك ومصدر الرواية في رسالة ( سرّ الخليقة وفلسفة الحياة ) ، فراجع . (۷) النساء : ۶۹ . (۸) المجادلة : ۱۱ . (۹) النساء : ۹۵ . (۰[۱]) البقرة : ۲۵۷ . (۱[۱]) المائدة : ۵۵ . (۲[۱]) النساء : ۵۹ . (۱۳) يونس : ۶۲ و ۶۳ . (۴[۱]) الأنفال : ۳۴ . (۱۵) يونس : ۶۲ . (۶[۱]) آل عمران : ۱۰۱ . (۷[۱]) النحل : ۹۰ . (۸[۱]) لقد تحدّثت عن الذكر وأقسامه مفصّلا في ( الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي ) ، و ( السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة ) ، فراجع . (۱۹) الرعد : ۲۸ . (۲۰) المنافقين : ۹ . ([۱]۲) الأحزاب : ۴۱ و ۴۲ . (۲۲) الأحزاب : ۴۱ . (۲۳) آل عمران : ۱۹۱ . (۲۴) البقرة : ۱۵۲ . (۲۵) الأنعام : ۱۶۲ . (۲۶) سورة ص : ۸۲ و ۸۳ . (۲۷) و (۲۸) الأعراف : ۱۷۹ . (۲۹) الزمر : ۱۱ ـ ۱۲ .