البدعه

البدعة، هي التصرّف في الدين عقيدة وتشريعاً

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله آل الله من الان الى يوم لقاء الله

وبعد: إنّ أوضح التعاريف للبدعة ما قاله العلمين الآشتياني والسيد الاَمين، فإنّهما ـ قدّس سرّهما ـ أتيا باللبّ، وحذفا القشر فمقوّم البدعة، هو التصرّف في الدين عقيدة وتشريعاً بإدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه؛ فضلاً عمّـا علم أنّه ليس منه قطعاً، والذي يوَخذ على تعريفهما أنّه لا يشمل البدعة بصورة النقص كحذف شيء من أجزاء الفرائض؛ فإطار البدعة المحرّمة، هو الاِحداث في الدين، ويوَيده قوله سبحانه في نسبة الابتداع إلى النصارى بإحداثهم الرهبانية وإدخالهم إياها في الديانة المسيحية، قال سبحانه:  (وَرَهَبانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ما كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّهِ فَما رَعَوْهَا حَقَّ رِعايَتِها)الحديد:27 فقوله سبحانه:ما كتبناها عليهم يعني ما فرضناها عليهم ولكنّهم نسبوها إلينا عن كذب.

الفرق بین التطوير والبدعة

التطوير في ميادين الحياة وشوَونها إن كان بدعة لغة فليس بدعة شرعاً؛ بل التطوير في الحياة يتبع الحكم الشرعي جوازاً ومنعاً فإنّ حرّمه الشرع؛ ولو تحت عنوان عام فهو محرّم، وإلاّ فهو حلال لحاكمية أصل البراءة في العادات؛ ما لم يرد دليل على الحرمة.

الابتداع في تفسير البدعة

أنّ أُناساً قد جاءوا في تحديدها ببدعة لا دليل لها في الكتاب والسنّة،وهي أنّ المقياس هنا هو القرون الثلاثة الاُولى بعد رحيل الرسول فما حدث فيها فهو سنّة وما حدث بعدها فهو بدعة،ونصه في الهدية السنية،الرسالة الثانية:51)ان هذه النظرية الشاذّة عن الكتاب والسنّة،مستنتجة ممّا رواه عن الشيخان في باب فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وإليك نصّهما روى البخاري عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله:خير أُمّتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛وروى أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال:خير الناس قَرني ثم الذين يلُونهم ثم يجيىَ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه،ويمنيه شهادته.(فتح الباري: 7|6 باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله،النووي:شرح صحيح مسلم: 8|84 ـ 85)

الاحتجاج ب:(خير الناس قَرني)

إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة،هو أنّ كل ما حدث في القرون الثلاثة الاُولى فليس ببدعة، وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة،باطل بوجوه منها:أنّ قرنه ما بقيت عين رأته،ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه،ثم كذلك إلى ثالث أنّ قرنه الصحابة،والثاني التابعون والثالث تابعوه.(النووي:شرح صحيح مسلم: 16|85)

وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون، لانّه آخر من مات من الصحابة هو أبو الطفيل اذا ثبت أنّه توفّي سنة 120 هـ وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام 170هـ أو 180 هـ و آخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله، من توفي حدود 220هـ، فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة وهذا كثيرجداً،ولاَجل عدم انطباقه على ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني: وفي هذا الوقـت (220هـ)ظهـرت البدع فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة روَوسها،وأمتُحِن أهل العلم ليقولوا بخَلْق القرآن،وتغيّرت الاَحوال تغيّراً شديداً ولم يزل الاَمر في نقص إلى الآن.(فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7|4)

هذه الملاكات مخالفة للكتاب والسنة

فالقرآن والسنّة والتاريخ القطعي لا يدعمه بل يكذبه،وإليك البيان:فإن كان الملاك،العقائد الصحيحة والباطلة وأنّ المسلمين كانوا متمسّكين جملة واحدة،بمعتقد واحد صحيح في القرون الثلاثة الاُولى ثم ظهرت روَوس الشياطين ودبّت فيهم المناهج الكلامية الفاسدة ـ فإن كان الملاك هذا ـ فتاريخ الملل والنحل لا يصدّق ذلك بل ويكذّبه، فإنّ الخوارج ظهروا بين الثلاثين والاَربعين من القرن الاَوّل وكانت لهم ادّعاءات وشبهات وعقائد سخيفة خضّبوا في طريقها وجه الاَرض، وغیرها فلا ندري هل نصدق هذا الحديث أم نوَمن بما حدّث القرآن الكريم،حيث يعرّف قوماً أفضل وأعرف بمواقع الاِسلام ممّن كان في حضرة النبيّ من الصحابة الكرام،يقول سبحانه:(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُوَمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ يُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُوَتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. )المائدة:54 اذن من هوَلاء الذين يعتزّ اللّه بهم سبحانه ويفضّلهم على أصحاب النبيّ؟فلاحظ التفاسير.(الرازي: مفاتيح الغيب: 3| 427 وتفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: 6|165).

من انواع البدع:القبض(التكتف في الصلاة)

قالت الحنفية:إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، وقالت الشافعية:يسنُّ للرجل والمرأة،وقالت الحنابلة:إنّه سنّة،وشذّت عنهم المالكية فقالوا:يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض،وأمّا الشيعة الإمامية،فالمشهور أنّه حرام ومبطل،ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الأربعة قد تصوبوا وتصعّدوا في المسألة،لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة،فضلاً عن كونه مندوباً،بل يمكن أن يقال:إنّ الدليل على خلافهم،والروايات البيانية عن الفريقين التي تُبيّـن صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الأكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها.

الخاتمة

ارتحل النبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الاَعلى بعد أن أكمل الشريعة وبيّن جليلها ودقيقها وما تحتاج إليه الاُمّة إلى يوم القيامة،قال سبحانه:(اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً)المائدة:4 وحفاظاً على دينه وصيانته من التحريف والتبديل،أمر بالتمسّك بالثقلين ولم يرضَ للاُمّة غيرهما لئلاّ يكون الدين أُلعوبة بأيدي المغرضين والطامعين، والمقياس في تميّز البدعة عن السنّة هو الرجوع إلى الثقلين سواء أفُسِّرَ بالكتاب والعترة كما هو المتضافر،أم بالكتاب والسنّة كما رواه الاِمام مالك في الموطأ بسند مرسل(الموطأ: 648 برقم 1619)، والحديثان متقاربا المضمون،لاَنّ العترة لا تنشد إلاّ السنّة النبويّة،أخذها كابرعن كابر إلى أن تصل إلى النبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله،فما وافقهما فهو سنّة وما خالفهما فهو بين معصية وبدعة،مع الفرق الواضح بينهما فلو أُذيعت الفكرة أوالعمل بين الناس فتصير بدعة،وإن اكتفى بها من دون دعوة وإشاعة فهي معصية.

عصمنا الله واياكم من الزلل والأهواء وثبتنا الله وایاکم بالقول الثابت فی الحیاة الدنیا والاخرة

الکاتب: حسین عبدعلي شهید