التبعية الثقافية

في ذات مرة قرأت قصة عن رجل يعيش في إحدى الدول الآسيوية في زمن انتشار الشيوعية كان يرتدي في فصل الصيف ملابس الشتاء وعندما قيل له لماذا تفعل ذلك؟ قال إن السماء في روسيا تسقط ثلجاً!!

التبعية الثقافية

أن من أخطر المشاكل التي يعاني منها الفرد والأمة هي مشكلة التبعية للآخر وهذه المشكلة لا تقف عند حد معين بل تشمل كل الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى تصل إلى مرحلة الذوبان الكلي وضياع هوية الفرد والأمة كما حدث لصاحبنا في القصة يرتدي ملابس الشتاء في الصيف! عزيزي القارئ إن الهوية او الشخصية لا تعني الجمود وعدم قبول قول الآخر أو عدم التعايش السلمي أو عدم الصداقة مع الآخرين لكنهم يطمحون إلى ما هو أكثر من الصداقة القائمة على أساس ما تؤمن به بل يريدون أن تكون جميع تصرفاتك وفق ثقافتهم حتى المظهر الخارجي وما صرخات الموضة وقصات الشعر إلا احدى تلك المحاولات الخفية التي تظهر من هؤلاء ولأضرب لك مثلاً الآن في أوربا حملات غير مبررة على الحجاب وعلى مواطنين عاشوا عقوداً من الزمن حتى أصبحوا من مواطني تلك الدول وهي تدّعي انّها ترعى الديمقراطية مثل فرنسا وغيرها ولكنها تأخذ موقف حاسم من ظاهرة لها علاقة بحرية المعتقد والدين وهذا ما كفله نفس القانون الفرنسي ولكنها الرغبة والطموح في تهشيم الكيانات الحضارية أو تهميش الثقافات التي لا تؤمن بها هذه الدول .

كيف تتعامل الحضارات معنا

توجد رغبة شديدة عند الحضارات والأفراد بسلب قناعات الناس وخصوصاً الحضارات التي تشعر أن لها تقدماً علمياً وإمكانيات عسكرية بسلب قناعات الناس وفرض رأيها وهذه ظاهرة تاريخية قديمة تحدّث عنها القرآن الكريم بأسم الفرعونية حيث يقول تعالى على لسان فرعون (ما أريكم إلا ما أرى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد ) فلا يوجد رأي صحيح غير رأيي وهذا الرأي هو الرأي الرشيد والسديد واليوم تسمى هذه الظاهرة بالديكتاتورية والتي تعني فرض رأي واحد وثقافة واحدة على الآخرين واستخدام القوى ومسخ حقوق الإنسان إذا لم يقتنعوا بهذه الآراء ومنشأ هذه الظاهرة هو الأنانية أو السعي لتحقيق المصالح السياسية أو المادية.
ونفس الكلام يقال حول الأفراد حيث ان ظاهرة التكبّر هي الثمرة الطبيعية للشعور بالاستعلاء على الآخرين وان فكره هو المصيب والناس لا وجود لهم بل لا يستحقون العيش ومن مظاهر هذا التفكير الصهيونية البغيضة حيث يدعون أنّهم شعب الله المختار ويقتلون أصحاب الديانات الأخرى الخ… وفي القرآن إشارات عديدة لهذا المعنى منها هذه الآية المباركة (حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا) فهم يبذلون كل ما في استطاعتهم حتى يردّوكم عن قيمكم وحضارتكم وبشتى الوسائل حتى يصلوا إلى هذا الهدف وهو فناء الحضارة أو الاستهزاء بها على الأقل وكنا على مرّ التاريخ ضحية لهذه الأمراض النفسية والأخلاقية المتجذرة في الحضارات الأخرى والتاريخ يشهد على ذلك.
ونستطيع القول ان ظاهرة التبعية تنشأ من عدم معرفة القيمة الحضارية والثقافية التي تمثلها هذه الهوية التي ننتمي إليها ولذلك ينظر لها البعض بعين الإزدراء فيحاول أن ينتمي إلى ثقافة أخرى او عن طريق فرض الرأي والاستبداد وهذا يدعونا إلى تعريف الهوية.

إذاً ما هي الهوية الثقافية وبتعبير أخرى ما هي الشخصية؟

إن الهوية تعني الثوابت الدينية والقيم الاجتماعية النبيلة والأخلاق السامية ومساحة أخرى فيها مرونة لقبول الثقافات المتنوعة والتفاعل معها ولكن وفق الضوابط والمؤشرات والثوابت التي تبناها الفرد أو تبنتها الأمة وقولنا بالثوابت ليس معيباً لأن الثبات على الفكر الصحيح لا يعني التحجّر وإنما التحجّر هو البقاء على الباطل مع ظهور الحق أما هذه الثوابت فبنيت على العقل والفطرة والأدلة والبراهين . فمثلا مفهوم الحرية كثر الحديث عنه وهل نؤمن بالحرية أم لا؟
الحقيقة أننا نؤمن بالحرية في مختلف ابعادها ولكن يجب ان نميّز بين الحرية المسؤولة في حدود القيم وبين الإنفلات الذي يترتب عليه آثار نفسية وأخلاقية واجتماعية ضارة فاليوم العالم يشهد كثير من الأمراض التي ظهرت فيه بسبب هذه الحرية المدعاة وعلى سبيل المثال مرض الإيدز الناشيء من الحرية بين الجنسين فنسأل أهذه الحرية التي يريدوننا أن نؤمن بها تقودنا إلى الموت والدمار؟ وإذا لم نؤمن بهكذا حرية نكون المتخلفين أو الرجعيين كما يحلو للبعض أن يصطلح علينا هذا من جهة ومن جهة أخرى ان الإنسان المسلم يحترم الإنجازات العلمية التي وصلت إليها الإنسانية ويتفاعل معها ويسعى لمعرفتها وتطويرها فكذلك التجارب التي عاشتها الشعوب وتعيشها وغيرها فهو ليس إنساناً مغلق بل على العكس انسان منفتح ينتقل أفضل ولكن بشرط ان لا يتنافى مع الثوابت التي تحدثنا عنها.

ما هي ثمرة الإحساس بالهوية أو الشخصية؟

الجواب : ۱ـ يعطي للإنسان مناعة عامة ضد الثقافات التخريبية والأهداف الفاسدة ولا تجعله كريشة في مهبّ الريح لا يستطيع ان يتخذ قراراً او يقرر الا وفق ما يفكر به الآخرون لقد ورد في الأثر الشريف أنا أربأ بالمؤمن ان تذله العادة باعتبار ان العادة تضيّق مساحة الخيار امامه فلا يكون حراً على خلافها هكذا سعت الثقافة الإسلامية لخلق جيل قوي (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف).
۲ـ يسمح له بالتفاعل مع الثقافات ولا تجعله منغلقاً ويستطيع من خلال شخصيته الثقافية ان يميّز بين التفاعل الثقافي والغزو الثقافي .
۳ـ تشجيع الأفراد على الحوار وإيجاد العلاقات الطيبة حتى مع الذين يختلفون معنا في العقائد أو مختلف الثقافات . وأخيراً نحن نمتلك حضارة وهوية قوية ومتينة تستطيع أن تستوعب الآخرين ولا تضطهدهم وتحترم الثقافات التي لا تتصادم مع التشريع فعلى القراء الكرام ان ينمّوا الإحساس بهذه الهوية المباركة وإبراز معالمها في مختلف مجالات الحياة الثقافية والاجتماعية والإعتزاز بها وعدم التأثر بالغزو الثقافي لأننا أصحاب فكر وحضارة راقية .

الکاتب: الشيخ أحمد الكرعاوي