التراث السياسي الإسلامي

تشكّل السياسة العامل الأهمّ الذي تحكَّم في نشأة وتطور الحياة الفكرية في التاريخ الإسلامي ، ولا يحتاج الباحث إلى جهد كبير ليكتشف أنّ علم الكلام مثلاً وُلد وتغذّى وترعرع في فضاء الجدل السياسي الذي ظهر باكراً في المجتمع الإسلامي ، وهكذا الحال في غير واحد من العلوم الإسلامية ، التي تلونت في نشأتها وتطورها بالمواقف السياسية للجماعات والفرق ، واكتست برؤاها العقائدية والمذهبية ، وتغلغلت في بُنية هذه العلوم عناصر من أزمات السياسة وإشكالياتها ، وظلّت تغذّيها وتحدّد وجهتها .
ويتجلّى ذلك في الفكر السياسي الإسلامي ، فإن هذا الفكر تبلور في إطار التجربة السياسية في الدول السلطانية ، واصطبغ بنمط العلاقات بين السلطان والرعية ، وما سادها من ظواهر ، تحوّلت بمرور الأيام إلى أمراض مزمنة أعاقت نمو الفكر السياسي وتكامله .
ما نريد الإشارة إليه من خلال الملاحظة السابقة ، هو أن تراثنا السياسي يُقرأ بنحوين من القراءة ، كلتاهما متحيّزة غير موضوعية ، لأنه تجري في الأولى قراءته من منظور الوعي السياسي الغربي ، ويُعاد تأويله عبر إسقاط أحكام جاهزة مستعارة من المفاهيم السياسية الأوروبية عليه، وهذا ما ألمحت إليه افتتاحية العدد الماضي ، بينما يُحاط في القراءة الثانيةبالكثير من المبالغات والأحكام المثالية ، حين يعمد البعض إلى تجاهل أزماته ومشكلاته الأولى ، وما نجم عنها من تشوّه وانحراف ، فيقرأه قراءة تنزيهية تبجيلية أو اعتذارية ، تنزّه السلطان من الطغيان ، وتعتذر لفتاوى فقيه السلطان بلزوم القاضية طاعة جور الحاكم وظلمه .
إن القراءة الثانية تتكتّم على السلوك السياسي لخلفاء الجور وولاتهم ، وتحاول عزل الفكر السياسي عن نسقه الحضاري والبيئة الخاصّة التي أفرزته ، بالرغم من أن أيّ فكر لا يمكن أن ينفصل عن البيئة التي تخلَّق فيها ، فكيف بالفكر السياسي الذي تحكّمت في نشأته ، ووجَّهت مساره ، ورسمت أبعاده ، وأوحت مفهوماته ، نزعة الاستبداد والعنف السياسي للحكام ، منذ معاوية إلى السلطان عبد الحميد .
إنّ شيوع الاستبداد وترسّخه في مؤسسة الحكم ، هو الذي قاد الكثير من المؤلفين لتسويغ جور الحاكم ، وشرعنة طاعة الطاغوت، وتبرير جرائمه وموبقاته مهما كانت ، إلى أن بلغ الحال بالبعض للقول بعدم جواز الخروج على الطاغية يزيد بن معاوية ، مع اعترافه بأنّه كان « إماماً فاسقاً » لأنّ « الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصحّ قولي العلماء ، بل لا يجوز الخروج عليه، لما في ذلك من إثارة الفتنة ، ووقوع الهرج ، وسفك الدماء الحرام ، ونهب الأموال ، و . . »[۱] حسب زعمه .
ويمكن القول انّ الاستبداد ظلّ على الدوام أشدّ العوامل تأثيراً في تفكير المسلمين السياسي ، فما أنجزه هذا التفكير من أحكام وأفكار ، كانت تصاغ في آفاق رؤية المستبد ، وتتخذ من آراء المستبد وقناعاته مرجعية لها .
على هذا الضوء نستطيع أن نكتشف جذور الانقطاع ، والتوقف ، والانشطار ، والتشوه ، الذي اكتنف مسار الفكر السياسي الإسلامي . فإن هذا الفكر لم يطرق أبواب عدة موضوعات ، أو إنه تجمّد عند الخطوة الأولى ولم يواصل تنمية البحث في موضوعات أخرى ، مثلما نلاحظ في الفلسفة السياسية ، فمنذ آثار الفارابي المتوفى سنة ۳۳۹ هـ لا نعثر على مساهمات جادة في حقل الفلسفة السياسية .

فإنه بالرغم من وفرة انتاج الفلاسفة الإسلاميين ، ممن جاءوا بعد الفارابي ، غير أنهم لم يستأنفوا ما بدأه الفارابي ، ولم يعملوا على اغناء وتطوير هذا الحقل في الفكر السياسي ، ذلك ان الفيلسوف طالما تقاطع مع إرادة السلطان ، واصطدم به ، فكان لابد أن يتّقيه ، ولا يتعرض مباشرة لبيان طبيعة الدولة باعتبارها تنظيماً لجماعة، والتعرّف على نموذج بديل للاستبداد ، يصلح كمعيار في تنظيم علاقة الحاكم بالمحكومين ; لأن الفيلسوف يقوده منهجه في البحث بطبيعة الحال للجري وراء الحقيقة ، بحسب أداء أدواته وأفكاره التي يستعين بها في البحث ، ولذلك قد يتعذّر عليه ممالأة الطاغوت إذا ولج الفلسفة السياسية في بحثه ، مما يدعوه إلى ترك الخوض في هذا المضمار ، كيما لا يسخط السلطان .
ولم يقتصر أثر الاستبداد على انقطاع الفلسفة السياسية وتوقفها منذ الفارابي ، وإنّما أدّى شيوع الاستبداد في الحياة السياسية إلى ضمور أو اندثار بعض الحقول الأساسية في الفكر السياسي الإسلامي ، فمثلاً حين نراجع بواكير التراث السياسي، نجد بداية حركة التصنيف فيه تتمحور حول مسألة « الإمامة » وما في سياقها ، ومحاججات الفرق ومساجلاتها الواسعة بشأنها ، مضافاً إلى التصنيف في « الخراج » وتنظيم المنابع المالية للدولة ، وما يرتبط بتدبير الملك والسياسة ، وعدم تدخّل الجيش في الشؤون السلطانية ، وكيفية الحفاظ على السلطان ، وغير ذلك مما يتّصل بالآداب السلطانية ، ورسوم ومراسم وبروتوكولات دار السلطنة، وإدارة البيت السلطاني .
أمّا الفقه السياسي الذي يتناول شؤون المواطنة وحقوق الرعية ، والأمن السياسي والاجتماعي ، ونصيحة الحكام ومحاسبتهم ، وأحكام المعارضة السياسية ، فلا نعثر عليه إلاّ متخفياً في مساحة هامشية داخل تراثنا السياسي .
ويبدو تأثير الاستبداد بوضوح في صياغة وتوجيه الفكر السياسي الإسلامي عند مراجعة وتقويم مشاغل هذا الفكر واهتماماته ، وما غيَّبه وتناساه .

فقد لبثت قضية العدالة ، منسية في المصنفات السياسية عدّة قرون ، ولم يُصنَّف فيها بنحو مستقلّ حتى مطلع القرن الخامس الهجري ، لما كتب الخطيب الإسكافي المتوفّى سنة ۴۲۰ هـ رسالة صغيرة في « ماهيّة العدالة »[۲]. وفي الحقبة التالية لم تأخذ قضية العدالة مكانتها المناسبة في التأليف ، ولم يجر تعميقها وتطوير البحث فيها، مع ما لها من أهمّية بالغةـ كمعيار قيمي ـ في إرساء بنية الحكم الإسلامي على أساس متين .
لقد أعاق الاستبدادُ الفكر السياسي من التطور ، وتسبب في إحجام المؤلفين عن معالجة غير واحدة من قضاياه الأساسية ، وابتعادهم عن حقوق الرعية ، وتأكيدهم على حقّ السلطان في السمع والطاعة ، وإنْ تعدّى حدود الله ، وتجاوز ذلك إلى الشعراء والأدباء والعلماء ، فابتلى الكثير منهم بالرياء والتزلّف ، للطاغية ، وطبَعَ الفكر والأدب رغباتُ الحاكم ونزواتُه ، ومواقفهُ ، حقّاً كانت أم باطلاً .

يكتب أحد مؤرخي الأدب : « إن الأدب اتّجه معظمه في العصر العباسي ، إلى مشايعة رغبات القصر ، يذمّ الشعراء مَنْ ذمّهم الخلفاء ، ويمدحون مَنْ رضوا عنه ، فإذا خرج محمد بن عبدالله على المنصور ، هجاه ابن هرمه ، وإذا رضي المعتصم عن الأفشين ، فقصائد أبي تمّام تترى في مدحه ، وإذا غضب عليه وصلبه ، فقصائد أبي تمّام أيضاً تُقال في ذمّه وكفره . ويرضى الرشيد عن البرامكة فهم معدن الفضل ، ويقتلهم فهم أهل الزندقة والشرك . وهكذا وقف الأدب أو أكثره يخدم الشهوات والأغراض »[۳] .
لكن هذا لا يعني عدم وجود نقاط مضيئة في التراث السياسي الإسلامي ، إلاّ أنّ تجذّر الاستبداد واستمراره منع تلك النقاط من أن تشعّ وتتسع ، فتنبسط على مساحات كبيرة ، وتطبع الفكر السياسي برمّته بخصائصها .
وفي محاولة لابراز الأبعاد المضيئة في التراث السياسي الإسلامي ، وصلت « قضايا إسلامية معاصرة » عددها السابق الخاص بالفكر السياسي لدى المسلمين ، بعدد آخر يتناول المحور ذاته . وألحقت به مقتبسات من « نصوص سياسية » إسلامية ، تعود إلى القرن الاوّل حتى القرن الرابع عشر الهجري . وحاولت أن تعالج عبر الدراسات والحوارات والندوة المنشورة فيها ، الأبعاد التي تهمّشت بفعل الاستبداد في التراث السياسي الإسلامي .

الهوامش

[۱] ابن كثير. البداية والنهاية . بيروت : دار الكتب العلمية ، مج ۴ ، ج ۸ ، ص ۲۲۶ .
[۲] نشر هذه الرسالة : محمد خان . ليدن : بريل ، ۱۹۶۴م ، ص ۳۸ .
[۳] أحمد أمين . ضحى الإسلام . القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ، ۱۹۵۶م ، ج ۲ ، ص ۳۵ .

الکاتب: د. عبدالجبار الرفاعي