المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

التربية بين التلقين والتفكير الناقد

يولد الطفل في مجتمعنا مبرمجاً على تلقي الثقافة التقليدية داخل البيت، فأمه تهيئه ليكون طالباً ناجحاً متفوقاً في حدود المنهج الدراسي، وتجتهد لتلقنه المنهج الدراسي الروتيني دون محاولة لاستطراق منافذ تفكيره.

وفي المدرسة أيضاً يتم تعبئة ذهنه بالمعلومات ويُحشى بالتفاصيل الفائضة وبشكل تراكمي رتيب دون أن يفكر ويحلل، لأن أية استفسارات استفهامية تثير غضب المعلم الجزع من كثافة المنهج وإطالته دون مبرر، ويعود هذا الابن إلى البيت وهو يعاني من عسر هضم هذا الكم من المعلومات لتتلقفه الأم وستعيد معه المنهج في مذاكرة مرهقة، متعبة، وتعزز حالة الكره والنفور من المنهج وبشكل تلقيني ضاغط حتى يبلغ حالة من الضجر والتبلد. في فترة الامتحانات عاشت معظم الأُسر حالة من الاستنفار والتحفز لأن الأبناء يعيشون معركة الامتحانات، ولهذا فبمجرد أن تنتهي هذه الفترة يمزّق بعضهم كتبه أو يرميها في الحاوية وكأنه تحرر من عبء ثقيل أو سجن مرعب، وعندما تسأله بعد فترة عن هذه المعلومات التي درسها ستجده عاجزاً عن الإجابة وإن أجاب فبحدود الذي حفظه في الذاكرة، وإن تحايلت ببعض الأساليب الغامضة والمبتكرة فإنه سيعجز عن التفكير لأنه كان يصم المنهج ويحفظه لا يفهمه. وعندما ينمو هذا الابن ويكبر ليواجه الحياة العملية فإنه سيشعر بالضعف وعدم القدرة على اتخاذ أبسط القرارات، بل لا يملك أدنى مقومات الشخصية الناجحة لأنه نشأ مبرمجاً على نمط تلقيني يفتقد إلى الحوار والتحليل والتجربة القائمة على المحاولة، ومؤسف أن ترى أمهات وآباء على درجة عالية من الثقافة يسيَّرون أبناءهم وفق نمطهم التقليدي دون اعتبار لقدرات هذا الابن وأفكاره وعقليته، بل لا يُسمح له أن يصل إلى حقائق الأشياء عبر تفكيره الخاص واستنتاجه الذاتي، فإن انتقد فكرة أو تيار ما أو تجربة معينة فإن رأيه يُقمع من قبل والديه أو حتى معلمه. إننا لا نترك أبناءنا يفكرون بحرية ويعبرون عن رؤاهم بشكل منفتح ومرن ولا نمهد لهم سبيل ممارسة التجربة ليخطئوا ومن ثم ينجحوا بعد دراسة أسباب الفشل ومعرفة عوامل النجاح، بل نظل نلقنهم فكرنا التقليدي ونفرض عليهم واقعنا دون أن نعطيهم الفرص لنقد التجربة واختيار ما يرونه مناسباً لهم، نريدهم متفوقون بامتياز ونختار لهم أرقى الوظائف والمناصب دون أن نراعي ميولهم وملكاتهم، نقدم لهم المعلومة جاهزة والبحث جاهز، وقد ينجح في المجال العلمي لكنه يفشل في مهارات الحياة الأخرى ولا يعرف كيف يفكر وأيّة أساليب يتبع لينجح. أعرف أمَّـاً تعاقب ابنتها عقاباً شديداً إن لم تحصل ابنتها على تقدير الامتياز في المناهج، تضربها وتمارس عليها كل أساليب القمع كي تحذر الفشل في المرة القادمة، هذه الأم تدمر شخصية ابنتها وتحطّم نفسيتها، تزرع فيها عقد الخوف والذعر كي تتفاخر أمام الناس أن ابنتها نجحت بامتياز، وهذه الأم معلمة مدرسة للأسف لكنها مجردة عن قيم الأخلاق والتربية. فهذا الجيل يكبر بعقلية استهلاكية سطحية وسيمثل مكونات مجتمع مترهل الفكر يمكن اختراقه وتدميره عبر فخاخ الطائفية والمذهبية والعنصرية، لأنه لم ينشأ على التفكير النقدي الذي يستقرئ التجربة ويقيَّمها بعد تحليل وفق معايير منطقية قيمية تُزرع فيه منذ الصغر في البيت والمدرسة، نشأ خاضعاً ومنقاداً لأنه لم يتحرك وفق هدف كبير يشد طموحاته وأشواقه ليتطور وينمو ويبدع، الهدف الاستهلاكي المتمثل بالوظيفة والرواتب والزواج والسفر وانغلاق العقل والهمّة على هذه الاهتمامات المنخفضة، اختيار الراحة الذهنية وعدم الانشغال بمشاكل العالم والمحيط حوله لأنه تربى على أن كل إشباعاته جاهزة ومتوفرة ومُعدَّة له مسبقاً فلم يكابد ويعاني ويصارع ويفشل ليتعلم ثم ينهض بنفسه. وقد قيل في الأمثال:

لا تطعمني سمكة لآكل يوماً… بل علَّمني فنون الصيد لآكل دهراً.

الكاتبة: خولة القزويني