المذهب الشیعي » حول الشیعة »

التشيع نزعة فارسية

واجتهد البعض بأن عقيدة التشيع نزعة فارسية وقد أبطل هذا الرأي المستشرق ( جولد تسهير ) : إن من الخطأ القول بأن التشيع في منشئه ، ومراحل نموه يمثل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأمم الإيرانية في الإسلام ، وبعد أن اعتنقته ، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية ، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التأريخية . فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة ( 1 ) .

ولنقرأ رأى ( آدم متز ) : إن مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانية ، يخالف الإسلام . فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلها عدا المدن الكبرى ، مثل : مكة وتهامة وصنعاء ، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضا ، مثل عمان وهجر وصعدة . أما إيران فكانت كلها سنة ما عدا ( قم ) وكان أهل ( أصفهان ) يغالون في ( معاوية ) حتى اعتقد بعض أهلها أنه نبي مرسل ، كما نقل المقدسي ( 2 ) .

وهذا المستشرق ( كيب ) يقول : إن الفكرة الخاطئة والتي لا زالت منتشرة التي تقول بأن بلاد فارس كانت الموطن الأصلي للتشيع لا أصل لها بل الروايات التأريخية تثبت بأن الزرادشتين كانوا أميل عموما لاعتناق المذهب السني ( 3 ) .

وأحسن ما رد هذا الاتهام وناقشه هو الشيخ محمد حسين المظفر :

كان للإمام علي ( ع ) ثلاث حروب : الجمل وصفين والنهروان . وكان جيشه كله عربا أقحاحا بين عدنانية وقحطانية . أكانت قريش من الفرس أم الأوس والخزرج ، أم مذحج ، أم همدان ، أم طي ، أم كندة ، أم تميم ، أم مضر ، أم أشباههما من القبائل ؟ وهل كان زعماء جيشه غير رؤوساء هذه القبائل ؟ أكان عمار فارسيا ، أم هاشم المرقال ، أم مالك الأشتر ، أم صعصعة بن صوحان ، أم أخوه زيد ، أم قيس بن سعد ، أم ابن عباس ، أم محمد بن أبي بكر ، أم حجر بن عدي ، أم عدي بن حاتم ، وأمثال هؤلاء من القواد ؟ ( 4 ) .

والغريب أن يكون بعض فرسان هذه الحملة من الفرس أنفسهم أرادوا أن يظهروا أنفسهم بأنهم أحرص على العروبة من العرب أنفسهم – ورحم الله من يقول :

رفقا بنسبة عمرو حين تنسبه ** فإنه عربي من قوارير

ويشارك المستشرق ( نولدكه ) في هذه المعمعة : ظلت بلاد فارس في أجزاء كبيرة منها تدين بالمذهب السني واستمر ذلك حتى سنة ( 1500 م ) عندما أعلن التشيع مذهبا رسميا فيها بقيام الدولة الصفوية ( 5 ) .

وقد ذكر لنا المؤرخون أن فترة حكم زياد بن أبيه للكوفة كانت في جملة تخطيطاته للقضاء على التشيع بالكوفة أن هجر خمسين ألف من الشيعة وسفرهم إلى خراسان . ولا بد أن هؤلاء توالدوا كما أنهم بشروا بأفكارهم وعقائدهم فتبعهم على ذلك جماعة كما أن مدينة ( قم ) تم تمصيرها أيام الحجاج ، وذلك أن عبد الرحمن بن الأشعث كان أمير سجستان من قبل الحجاج ثم خرج على الحجاج وقاتله وعندما فشلت حركته كان بجيشه مجموعة من علماء التابعين منهم :

عبد الله ، والأحوص ، وعبد الرحمن ، وإسحاق ، ونعيم ، وهم بنو سعد بن مالك الأشعري فنزل هؤلاء على سبعة قرى في منطقة ( قم ) استولوا عليها وجعلوها سبع محلات لمدينة ( قم ) والتحق بعبد الله بن سعد ولد له كان إماميا تربى بالكوفة فنقل التشيع لأهلها فليس بها سني قط ( 6 ) .

هذه هي بذرة التشيع في إيران حتى مطلع القرن العاشر حتى كان أيام الصفويين تحولت مناطق كثيرة للتشيع ، أما القرون السالفة ابتداء بالفتح الإسلامي وحتى مطلع القرن العاشر فكانت إيران على ما تبدو من أقوال مؤرخي السنة في جملتها سنية المذهب ، وقد حكى عن انتشار مذهب مالك .

وأما خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أولا بيحيى التميمي ، وعبد الله بن المبارك ، وقتيبة بن سعيد فكان له هناك أئمة على مر الأزمان ، وتفشى بقزوين وما والاها من بلاد الجبل ، وكان آخر من درس منه بنيسابور أبو إسحاق بن القطان وغلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة والشافعي ( 7 ) وتذهب جملة من المصادر المعتبرة إلى أن أئمة المذاهب الأربعة السنية هم من الفرس فالإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي وهو مولى لبني تيم الله ومولده بالكوفة ( 8 ) يضاف إلى ذلك أنه لم يكن عارفا بالعربية . وأما الإمام أحمد بن حنبل المروزي الخراساني فقد كان بعيد المولد عن مهبط الوحي وبلاد الإسلام وذهب كل من ابن عبد البر صاحب ( الإستيعاب ) في كتابه ( الانتقاء ) ، والواقدي محمد بن إسحاق ، والسيوطي في ( تزيين الممالك ) من أن الإمام مالك بن أنس ليس عربيا وأنه من موالي بني تيم ( 9 ) ،

وأما الإمام الشافعي فهو من موالي قريش وقد ذكر كل من الرازي في كتابه ( مناقب الشافعي ) وأبو زهرة في كتابه المعروف ( الإمام الشافعي ) ( 10 ) .

كحالة ( 13 ) على أن أصحاب الصحاح ( البخاري والترمذي وابن ماجة والنسائي والسجستاني ) أعاجم .

كما أن معظم رواة الأحكام والأخبار ، ومعظم المفسرين والفقهاء هم من الفرس ، ومنهم على سبيل المثال : مجاهد ، وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، ومجاهد وعكرمة ممن يعتمد عليه البخاري ويوثقه ويأخذ بمروياته جملة وتفصيلا ( 14 ) .

إن الفكر السني بكل أبعاده مدين للفرس ومصبوغ بالفارسية وحتى محمد بن عبد الوهاب – مؤسس المذهب ( الوهابي ) – تربى ونشأ وتثقف على أيدي الفرس وكانت تربيته وثقافته بين كردستان وهمدان ، وأصفهان وقم كما نص على ذلك جماعة ( 15 ) .

وحيث أن الشيعة تشترط العربية في العبادات والعقود يكون هذا مؤشرا على عروبة التشيع ووضوح انتمائه للعربية شكلا ومضمونا .

وأما أئمة الشيعة الاثني عشر الذين تعتبرهم الشيعة بأنهم الامتداد الطبيعي للنبوة هم سادة العرب ، وأما الرواد الأوائل من حملة علوم أهل البيت وبيوتات وأسر الشيعة الذين حملوا التشيع وبشروا به فإنهم من صميم العرب وذلك ابتداء من أقطاب مدرسة الإمام الصادق ( ع ) مثل : أبان بن تغلب بن رباح الكندي ، وبيت آل أعين ، وبيت آل حيان التغلبي ، وآل عطية ، وبني دراج وغيرهم ( 16 ) .

ثم الطبقة التي تلي هؤلاء : كالشيخ محمد بن النعمان ، والشريف المرتضى علم الهدى علي بن أبي الحسين ، والعلامة الحلي جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر ، وعبد العزيز بن نحرير البراج ، وجمال الدين أحمد بن موسى بن طاووس ، وأسرة آل طاووس ، ومحمد بن أحمد بن إدريس العجلي ، ونجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي المعروف بالمحقق ، وجمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري ، والشهيد الأول محمد بن مكي ، والشهيد الثاني زين الدين العاملي وغيرهم فإن كل هؤلاء من صميم العرب .

أما أصحاب ( الصحاح ) الشيعة وهم كل من : الكليني صاحب ( الكافي ) ، وابن بابويه القمي صاحب ( من لا يحضره الفقيه ) والشيخ الطوسي صاحب كتابي ( التهذيب ) و ( والاستبصار ) فلا يوجد نص على عدم عروبتهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) العقيدة والشريعة في الإسلام : ص 204 .

( 2 ) الحضارة الإسلامية : ج 1 ص 102 .

( 3 ) دراسات في الفرق والعقائد : ص 26 .

( 4 ) تأريخ الشيعة : ص 8 .

( 5 ) دراسات في الفرق والعقائد : ص 326 .

( 6 ) معجم البلدان : ج 4 ص 397 .

( 7 ) ترتيب المدارك : ج 1 ص 53 .

( 8 ) مناقب أبي حنيفة : ج 1 ص 16 .

( 9 ) الإمام الصادق : ج 2 ص 200 .

( 10 ) نفس المصدر : ج 3 ص 220 .

( 11 ) وفيات الأعيان : ج 1 ص 21 .

( 12 ) الكنى والألقاب : ج 3 ص 207 .

( 13 ) معجم المؤلفين : ج 12 ص 115 .

( 14 ) نفس المصدر : ج 1 ص 59 .

( 15 ) زعماء الاصلاح لأحمد أمين : ص 10 .

( 16 ) طبقات ابن سعد : ج 3 تراجم من سكن الكوفة .

المصدر: نشأة التشيع/ السيد طالب الخرسان