التطرف في الحركة العلمانية

حرية العقل نعمة من نعم الله عزوجل على البشر في هذه الحياة تمكنه من محاكمة الأفكار والرؤى والثقافات المختلفة وفق موازين، ومعايير إنسانية عامة تتفق عليها كل العقول البشريـة من مختلف المنطلقات كالحق والعـدل والحرية والمساوات … الخ. وبموجب هذه الحرية التي ليس لأحد أو لجهة أو تيار او لون فكري معين الفضل في منحها للبشر بل هي هبة الله الرؤف الرحيم لهم في اصل الخلق والتكوين. وبموجبها أيضـاً تكمل الحجة على الإنسان في اختياره وتوجهـه الفكري والسلوكي في هذه الحيـاة التي تحدد مصيره الأبدي من السعادة أو الشقاء الأخروي. الا ان الطبيعة البشرية في بعض خواصها النفسية تحاول الغاء أو تقييد او الحد من هذه الحرية في بعض المجالات ومن ثم تتفضل بمنحها في مجالات اخرى، وعلى اسس انتقائية تنطلق من نظرة مصلحية ضيقة.
والعلمانية هي احدى ابرز الألوان الفكرية المعاصرة التي تبتني على هذه الستراتيجية التي تخالف اصل الفطرة الإنسانية التي فطر الله البشر عليها. فهي تصادر حرية العقل البشري في فرض قناعاتها وحدودها الفكرية والسلوكية على البشر من باب عدم اقتناعها بالألوان الفكرية الأخرى فتقمع حرية العقل البشري في اختيار الرؤى والأفكار في أغلب مجالات الحياة الإنسانية بينما نراها تتشدق بأمتنان على البشر في إمكانية الاختيار في مجالات محدودة وضيقة فالعلمانية تفرض فكرها السياسي والثقافي والإجتماعي والإقتصادي بل وحتى التربوي والسلوكي.
بحجة عدم امتلاك الألوان الفكرية الأخرى لنظم ورؤى في هذه المجالات او بالحد الأقصى عدم صلاحية ما تملكه في تلك المجالات لحل المشكلات الحياتية العامة. وتتفاخر بأنها قد اعطت البشر حرية اختيار الدين والعقيدة وممارسة الطقوس والشعائر بعد ان اتهمت غيرها بالتطرف في هذه المجالات وقمع الحرية للعقل البشري في اختياره. وهي تدعم رؤيتها هذه بتجربة عملية خاصة تحاول اظهار نجاحها بأقصى درجاته لإثبات صحة ما تطلقه من دعوات ومزاعم متطرفة. وصلاحية استنساخ هذه التجربة المزعومة النجاح في باقي المجتمعات وبالخصوص في المجتمعات العربية والإسلامية. وقوام هذه التجربة في العالم الغربي على أمرين تحاول العلمانية إيرادهما كدليل على احقيتها ونجاحها من جهة ولابدية الأخذ بالعلمانية كنظام وأيدلوجية لمجتمعاتنا من جهة ثانية. الأمر الأول هو (فصل الدين عن الدولة) منطلقة من التمثيل لهذا الأمر بما تعرض له المجتمع الغربي من الظلم والإضطهاد على يد الكنيسة وما يتعرض له المجتمع العربي والإسلامي من ظلم واضطهاد من قبل الأنظمة الديكتاتورية المستبدة والمتسلطة على هذه المجتمعات.
وبها ان العلمانية هي التي تؤمن للمجتمع التخلص من هذا الظلم والإضطهاد وقد فعلت ذلك في المجتمع الغربي اذن فلابد للمجتعات العربية والإسلامية من اعتماد هذا المبدأ للتخلص من الديكتاتورية والأستبداد، وهي بهذا المبدأ تحاول القول ان الدين هو منشأ الديكتاتورية والظلم في المجتمعات البشرية وعكس ذلك ان العلمانية هي منشأ الحرية والعدالة في المجتمعات البشرية.
ولكننا إذا نظرنا من خلال هذا القول إلى الواقع نجده معكوساً تماماً فالظلم والاستبداد الذي مارسته الكنيسة في المجتمعات الغربية هو ظلم بشري وليس ديناً لانه قائم على اسس وقوانين وضعية من وجهة نظرنا الإسلامية بعد ان ثبت عدم وجود نظام تشريعي في الدين المسيحي للجوانب السياسية والاقتصادية التي كان يعاني منها المجتمع الغربي وكان محل امتعاض واستهجان العلمانية في تسلط رجال الكنيسة والكهنوت بينما ما تتعرض له المجتمعات العربية والإسلامية من الظلم والإضطهاد جله ان لم نقل كله ناشيء من انظمة دكتاتورية واستبدادية تتخذ من العلمانية كنظام وايديولوجية لها وأقرب مثال لأذهاننا في الوقت الراهن هو نظام البعث الصدامي المقبور الذي كان بلا ريب نظاماً علمانياً بكل معانيه ومضامينه.
واما الأمر الثاني: والذي تبرزه العلمانية في تجربتها الغربية كشاهد عملي على نجاحها هو التقدم التكنولوجي الذي تحظى به هذه المجتمعات والتطور العمراني والمدني الذي وصلت إليه. وهو قد يلاحظ على انه نتيجة وثمرة للأمر الأول ومترتب عليه حيث ان مبدأ فصل الدين عن الدولة يحدد للدين ميدان عمله وتأثيره في الجوانب المعنوية والأخلاقية ويحضر عليه التدخل في الجوانب الأخرى التي يطلق العنان للتيارات المادية والوضعية للعمل فيها. وكأن النتيجة التي تريد العلمانية الوصول إليها من إبراز هذا الشاهد ان الفكر الديني عند تسلطه على هذه الميادين يحد ويعرقل التقدم والتطور فيها ولهذا نرى ان المجتمعات الغربية نمت وتطورت في هذه المجالات بعد اعتماد العلمانية بينما ابقى الدين المجتمعات العربية والإسلامية في المراتب المتدنية من التطور التكنولوجي وحياة البداوة والتخلف المدني.
وهذه النتيجة يمكن استشفاف خطأها من جواب الأمر الأول حيث ان التخلف والتأخر التكنولوجي والمدني الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية نشأ خلال رزوحها تحت تسلط واستبداد الأنظمة العلمانية. الا ان اثبات عكسها يتم بإبراز شواهد التاريخ الإسلامي والعربي الذي يحكي لنا مدى التطور والتقدم الذي حققه المجتمع العربي والإسلامي في ظل الدول الإسلامية في مجالات النظم الإدارية والتطور العمراني والمدني بل والتقدم التكنولوجي بما يناسب معارف ذلك العصر في المجالات كافة والشواهد كثيرة.
ناهيك عن الشواهد المعاصرة في وقتنا الحاضر على ما يمكن ان تحققه مجتمعاتنا من التطور والتقدم في هذه المجالات في ظل الفكر الإسلامي بعد التخلص من الهيمنة والاستبداد الغرب يالذي يحاول عرقلت جهودها لتحقيق ذلك اما عن طريق إيجاد توازنات في المصالح المشتركة بينها وبين الغرب كما في المملكة العربية السعودية او من خلال التمرد على هذه الحقيقة الغربية ومواجهتها بثبات وحزم كما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي وعدت العالم في نهاية السنة الإيرانية الحالية بالإحتفال بدخولها ضمن الدول التي تمتلك التكنلوجيا النووية.
فهذه الشواهد الحيّة على قدرة مجتمعاتنا العربية والإسلامية تقابلها ايضاً بعض الدول الغربية التي حققت هذا التقدم وهي لا تزال بمعنى من المعاني تحكم المسيحية والدين في مختلف مجالات حياتها كالدنمارك وامثالها. اذن ابراز مثل هذه الشواهد كدليل على نجاح العلمانية في العالم الغربي وامكان نجاحها في العالم العربي والإسلامي هو محض توهم ومحاولة ظاهرة للإلتفاف على ذهنية المواطن العربي والمسلم لاقناعه بما يخالف الواقع والتاريخ. وذلك يعطينا نتائج مغايره لمايعلنه اصحاب هذا اللون الفكري. من الغربيين والعرب والمسلمين من ان الغاية من تطبيق العلمانية في مجتمعاتنا هي تحقيق التقدم والرفاه للمجتمع ورفع الظلم والاضطهاد عنه. وان غاية ما يمكن ان يعتبر دافعاً ومسوغاً لهذه الدعوات هو نطرية ايديولوجية متطرفة تحاول ان ترسم صورة للواقع على ما يضمن لها التفوق والانتصار على الألوان الفكرية الأخرى بعد ان تركت الموضوعية والوقائع التاريخية والشواهد المعاصرة في تكوين تصشوراتها ورؤيتها للعالم والكون.

الکاتب: مصطفى الجابري