التفسير الإلهي للقرآن

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( تجلّى الله ـ تعالى ـ في كتابه لخلقه ولكن لا يبصرون ) .

القرآن الكريم كلامُ الله تعالى

هذه القضيّة تتّخذُ مستوياتٍ عدَّة من الفهم والوعي والإدراك ، ونحن إذا تتبعنا البيان القرآني اتضح لنا أنّ القرآن بهذا الرسم يعني بالتحليل الأخير : ( علمُ الله سبحانه ) .

وأنّ الله جلَّ وعلا طرح ذاته المقدّسة من خلال هذا الكتاب العظيم ، وَهُوَ كتاب للإنسان ، هداية وتنظيماً وإرشاداً ، وذلك على جميع الأصعدة الفكريّة والسياسيّة والاقتصادية والتربوية ، أي إنّه كتاب لبناء الحياة وصناعة التاريخ .

النقطة الرئيسية التي نريد أن نركّز عليها هنا هي : العلاقة بين الله والقرآن ، أنَّها علاقة مصدريّة ، علاقة تأسيس ، ولكن بأي اعتبار ؟!

العلم والإرادة ، إنّه علم الله وإرادته ونوره وهدايته ، فهو إذن ، وبلحاظ هذه المقتربات كتاب الله ، هذه الإضافة ليست تشريفيّة أو على نحو الانتماء العام ، بل هي إضافة فعليّة قائمة على أساس الفهم العادي والصريح للمصدرية ، قال تعالى : ( إِنَّا أَنَزلنَاهُ فِي لَيْلةِ القَدْرِ ) [ القدر : ۱ ] .

وقال تعالى : ( إِنَّا أَنزَلنَاهُ قُرأَناً عَرَبِّياً ) [ يوسف : ۲ ] .

القرآن إرادة الله وعلمه ، قانون الله لهداية الإنسان وإرشاده في صناعة الحياة والتاريخ ، ولأنه بكل آياته من الله ، لكلّ هذه الأسباب نجد هناك حضوراً مستمرّاً دائماً لله تعالى في القرآن ، الحضور الثابت ، الحضور المتمكن ، وهذه إحدى خاصيّات القرآن التي يتميّز بها .

ولكن ما المقصود بالحضور هنا ؟ ، ليس هو ذكر الله تعالى في هذه الآية أو تلك ، ولا هو الحديث عن الله سبحانه ، ولا هي إلاَّ حالة إلى الله جلَّ وعلا ، إنّه حضور أعمق وأشمل وأعظم من كلّ هذه المستويات والآفاق والمدى ، إنّه الحضور الجامع والمستوعب لكلّ مصاديقه ومفرداته وتصوراته ، حضور بمستوى الذات المقدَّسة .

من المقرَّر في العقيدة الإسلامية : أن كلّ الأسماء الحسنى لله ـ سبحانه وتعالى ـ وذلك بنصِّ القرآن الكريم : ( وَللهِ الأَسمَاءِ الحُسنَى ) [ الأعراف : ۱۸۰ ] ، وبناءً على ما هو مقرَّر في أصول العقيدة أيضاً أن لله كلّ اسم يليق بساحته المقدّسة حتى إذا لم يرد في القرآن أو السنة المطهرّة ، فهو ـ على هذا الأساس ـ الرحمن ، الرحيم ، العزيز ، الكريم ، الخالق ، المصوّر ، البارئ ، الحيّ ، القيوم ، الرازق ، الغفور ، الجبار ، المتكبر ، الحقّ .

وهكذا إلى ما شاء لله من أسماء وعناوين تتناسب وعظمة الله وجلاله .

والله سبحانه حاضر في القرآن الكريم بسعة وعمق وشموليّة أسمائه الحسنى ، وهو حضور ليس بالعابر أوالعاري ، حضور على مستوى الكمّ والكيف ، حضور على مستوى السبب والغاية ، حضور على مستوى البداية والنهاية ، حضور دائم ، مستمر ، فعّال ، يشكّل مركز الحركة في كلّ تضاعيف القرآن ومفاصله ومفرداته .

وليس من ريب أنّ هذا المدى الواسع العميق الفعّال من الحضور يرجع إلي علَّة أساسيّة ، ضخمة ، ذلك أن القرآن من الله تعالى ، كتاب الله ، علمه وإرادته ، ورغب للبشر أن يؤسّسوا حياتهم على مضامينه ومحتواه .

هذا الحضور قد يكون مباشراً وقد يكون غير مباشر ، والذي أقصده بالحضور المباشر أن يرد في الآية اسمه جلّ وعلا أو صفة من صفاته .

قال تعالى : ( قل هو الله أحد ) [ الإخلاص : ۱ ] .

( الرحمن على العرش استوى ) [ طه : ۵ ] .

( إنه هو الغفور الرحيم ) [ القصص : ۱۶ ] .

( لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ البقرة : ۲۵۵ ] .

ففي هذه الآيات نقرأ اسم الله أو صفةً من صفاته ، فهو حضور مباشر بدلالة الاسم المذكور أو الصفة المذكورة ، ولكن قد نقرأ في القرآن الكريم : ( لم يلد ولم يولد ) [ الإخلاص : ۳ ] .

( وهو القاهر فوق عباده ) [ الأنعام : ۱۸ ] .

( ملك الناس ) [ الناس : ۲ ] .

( إياكّ نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : ۵ ] .

( ونراه قريباً ) [ المعارج : ۷ ] .

إنّه حضور إلهي في هذه الآيات ، ولكنه حضور غير مباشر ، والإنسان يشعر في هذه الآيات أن الله ـ تعالى ـ في الصميم من روحها وجوهرها .

فالآيات التي تتحدّث عن يوم القيامة وأهوالها وظروفها ، إنّما هو حديث يتّصل باللهفي النتيجة ، والآيات التي تتطرق إلى موضوع الصلاة ، إنما تتصل بالله ـ جلّ وعلا ـ بطرفٍ من الأطراف ، وهكذا مع الصوم والحج والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرزق والبلاء ومع حركة الكون والحياة والتاريخ ، وبهذا يتحقّق حضور الله في كلّ آيات القرآن بشكلٍ وآخر .

نقرأ كلمة ( الله ) في القرآن الكريم ( ۹۸۰ ) مرَّة ، وكلمة الله هي الاسم الجامع لكلّ أسمائه وصفاته جلَّ وعلا .

نصادف كلمة ( الرحمن ) كصفة لله جلَّ وعلا ( ۵۷ ) مرَّة ، وهو اسم من الرحمن ولا يطلق إلاّ على الله وحده .

ونطالع كلمة ( رحيم ) ( ۵۴ ) مرّة نجد أن كلمة ( حكيم ) كاسم من أسماء الله تتكرّر في تضاعيف القرآن أكثر من ( ۷۵ ) مرّة .

نتلو كلمة ( العليم ) كاسم من أسمائه عزَّ وجلّ ( ۱۴۰ ) مرَّة .

كلمة قدير ( ۴۵ ) مرّة .

كلمة سميع ( ۴۷ ) مرّة .

كلمة بصير ( ۵۱ ) مرّة .

كلمة حميد ( ۱۷ ) مرّة .

كلمة مجيد مرّتان .

كلمة العزيز ( ۸۹ ) مرّة .

كلمة غفور ( ۹۶ ) مرّة .

كلمة غني ( ۱۸ ) مرّة .

كلمة رب ( ۹۶۹ ) مرّة .

كلمة خبير ( ۴۵ ) مرّة .

كلمة الحي ( ۱۴ ) مرّة .

كلمة القيوم ( ۳ ) مرّات .

وهكذا مع كلّ أو أكثر أسماء الله سبحانه وتعالى ، وليس من ريب أن لهذه الكثرة في الكمية دلالة ضخمة وعريضة وعميقة ، فإنها تؤكّد الحضور الإلهي المكثّف والمركّز والفاعل في الخطاب القرآني ، على أنّه ليس حضوراً كميّاً عابراً وبسيطاً ، أيّ ليس حضوراً كميّاً صرفاً ، لأنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ في القرآن الكريم ليس رحماناً رحيماً فحسب بل هُوَ ( أرحم الراحمين ) .

ولم يكن ـ جلّ وعلا ـ رازقاً وكفى بل هو ( خير الرازقين ) ، وليس هو قديراً فقط بل هو ( على كل شيء قدير ) .

وهو ـ جلّ وعلا ـ ليس سميعاً وانتهى الأمر ، بل هو ( سميع عليم ) و( سميع بصير ) و( حميد مجيد ) ، وليس هو الغنيّ فقط بل ( غني حميد ) .

وعلى هذا المنوال تتوالى صفاته وهي تمثّل المطلق من التحقق والثبات ، ومن كلّ هذا نستنتج أنّ
حضور الله من خلال أسمائه في القرآن ليس حضوراً سطحياً أو عامّاً أو بسيطاً عادياً ، بل هو حضور على مستوى ذاته المقدّسة ، وذلك بكلّ ما تعنيه من كمال .

إن كثيراً من النقّاد في نقده الأدبي يعقد إحصاءً للكلمات الواردة في هذه القصيدة أو تلك ، ويحاول أن يكتشف الموضوع الجوهريّ في القصيدة من خلال عمل إحصائي استبياني ، بل ربّما يعمد إلى هذه المحاولة مع الديوان كلّه ، وفي الحقيقة أن ذلك يشكّل خطوة أولى على هذا الصعيد ، إذ لا بدّ مع هذا من أن يبذل جهداً إضافياً لاكتشاف طبيعة هذا الحضور وزنه .. أهميته .. موقعه .. دوره .

ونحن لا ريب نلتقي بعدد ضخم من أسماء الله وصفاته في تضاعيف القرآن ، ولكن ما هي أجواء وظروف هذا العثور؟

إنّ الكثرة المطلقة لآيات القرآن الكريم تتصل بالله ـ تعالى ـ بشكل من الأشكال أو بطريقة من الطرق ، فأمّا أن يُذكر فيها اسم من أسمائه ، أو تتضمن عائداً يشير إليه ـ سبحانه ـ أو تحفها أحوال وظروف وأجواء تربطها به ـ سبحانه وتعالى ـ ولذلك فإنّ الله حاضر في الكثرة الكاثرة من آيات الخطاب القرآني المبارك .

لنأخذ السورة التالية : ( إِنَّا أَنزلنَاهُ فِي لَيلةِ القَدرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلةُ القَدرِ* لَيلةُ القَدرِ خَيرٌ مِّن أَلفِ شَهرٍ* تَنزَّلُ المَلائِكةُ والرُّوحُ فِيَها بِإِذنِ رَبِّهمِ مِّن كُلِّ أَمْرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطلعَ الفَجرِ ) [ سورة القدر ] .

هذه السورة المباركة تتألف من خمس آيات ، وفي جميعها حضور لله سبحانه ، فالضمير في الآية الأولى يعود على ربّ الجلالة ( إِنّا ) .

وفي الآية الثانية يستبطن معنى دقيق مفاده أن الله وحده يعرف ما هي قيمة الليلة العظيمة ، وفي الآية الثالثة نلتقي بعملية تقييم لهذه الليلة ، ولكن ما هو مصدر التقييم ؟

إنّه الله ـ سبحانه ـ الذي جعلها ( خير من ألف شهر ) .

وفي الآية الرابعة نقرأ كلمة ( ربّ ) التي هي صفة من صفات الله ، وأخيراً فإن ليلة القدر سلام من
كل خوف ( بإذن الله ) إذ أنزل فيها كتابه المجيد .

لنأخذ السورة الآتية أيضاً : ( إِنَّا أَعْطَيناكَ الكَوثَرَ* فَصلِّ لِربِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) [ سورة الكوثر ] .

فمن الواضح أن هناك حضوراً إلهياً في الآية الأولى والثانية ، وحضوراً مستتراً ـ إذا صحَّ التعبير ـ في الآية الثالثة ، ذلك أنّ معناها : إن مبغضك وهو ( العاص بن وائل ) مقطوع الأثر ، ولكن ما هي أجواء هذه الإشارة إلى المستقبل؟! كيف تكتسب هذه الوثوقية المؤكدة ؟!

ذلك أن الآية تحمل هذا التوكيد باعتبار أنه إرادة الله في هذا المبغض ، فهو مقطوع الأثر ليس لأن النبي محمّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يرغب في ذلك أو لأنَّه فعلاً كذلك .

بل لأن الله حكم عليه!! وبهذا يتّضح حضور الله في هذه الآية بدلالة أعمق وأكثر فاعلية بالقياس إلى الآيتين السابقتين .

ولنقرأ هذه السورة : ( قُلْ أَعُوذُ بِربِّ الفَلقِ* مِن شَرِّ مَا خَلقَ* وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذا وَقبَ* وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقدِ* وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذا حَسدَ ) [ سورة الفلق ] .

فالله موجود في كلّ آيات السورة المباركة . فهو ـ سبحانه ـ في الآية الأولى ( ربّ الفلق ) ، واسم الجلالة ، فاعل في الآية الثانية ، وفي الثالثة يمكننا أن نقول على ضوء المقدّمة :

إن المعنى هو : أعوذ بربِّ الفلق من غاسقٍ إذا وقب ، هكذا مع الآيتين الرابعة والخامسة .

وبهذه الطريقة نستطيع أن نتلمس وجود الله وحضوره الصميمي في الكثرة الكاثرة من آيات الكتاب العظيم بل في كلّها ، وهي ليست بالطريقة المتكلفة أبداً؛ لأنّها تعتمد شواهد نحويّة وبلاغية ومنطقية .

والآن نطرح هذا السؤال :

ما هي طبيعة هذا الحضور الإلهي؟! ما هو وزنه؟ وما هو مداه؟ إنّه ليس بالحضور العابر أو الاستثنائي ، ولا هو بالحضور الآتي أو المنقطع ، إنّ لله ـ تعالى ـ في القرآن حضوراً مستمراً ، كما هو حضوره ـ جلّ وعلا ـ في الكون ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) فهو حاضر في القرآن بأمره ونهيه ، بإرشاده وهدايته ، بوعده ووعيده ، بإخباره عن الماضي والحاضر والمستقبل ، ببيان قدرته وعظمته وجلاله ، بقوانينه وشرائعه ، فهو الحضور الواسع الممتدّ المتمكّن مع كلّ آيات القرآن الكريم ، وربما بل كثيراً
ما نجد هذا الحضور أكثر من مرّة في آية واحدة .

قال تعالى : ( قُلْ يَا عَباديَ الَّذينَ أَسْرفُوا عَلَى لاَ تَقنَطُوا مِن رَّحمةِ اللهِ إنَّ اللهِ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ ) [ الزمر : ۵۳ ] .

فالياء في يا عبادي تعود إلى الله سبحانه ، ثم هناك ( رحمة الله ) وبعدها مباشرةً ( إنّ الله ) .

وتختم الآية بذكر صفتين من صفاته بعد تصديرها هما بضميرين يعودان عليه جلَّ وعلا ( إنّه هو الغفور الرحيم ) ، ففي الآية يأتي ذكر الله ـ جلَّ وعلا ـ بطريقة أو بأُخرى سبع مرّات .

فيما يكون عدد المفردات التي تتكون منها الآية هي ( ۲۳ ) مفردة ، ولو تأملنا حضوره ـ سبحانه ـ في الآية لتبين عمقه ووزنه .

فهو إمّا من خلال إضافة ( الذين أسرفوا على أنفسهم ) إليه بلغة العبوديّة ( عبادي ) وإمّا من خلال كونه مقترناً بالرحمة ( رحمة الله ) أو مع التوكيد ( إنّ الله ) ، أو يكون مقترناً بالتوصيف المؤكد المتلاحق ( إنّه هو الغفور الرحيم ) ، إنّ مثل هذا الحضور موجود بكثرة عالية في آيات القرآن الكريم ، ولعلَّ آية الكرسي مثلٌ رابع في هذا المجال . وعلى منوالها كثير وكثير .

لنأخذ قوله تعالى : ( فَلنَقُصنَّ عَلَيهم بِعلمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبينَ ) [ الأعراف : ۷ ] .

ففي هذه الآية القصيرة نلتقي بذكر الله أكثر من مرّة ، خاصّة إنّ كلمة ( بعلمٍ ) تستبطن أن العلم هنا من الله ، وهذا واضح . وبذلك يشمل الوجود الإلهي كلَّ الآية .

قال تعالى : ( وَلقَدْ مَكَّناكُمْ فِي الأَرضِ وَجَعلنَا لَكُم فِيهَا مَعَايشَ قَليلا مَا تَشكُرُونَ ) [ الأعراف : ۱۰ ] .

فإننا نلتقي مع الله في ( مكّناكم ) وفي ( جعلنا ) بشكل واضح وصريح ، على أننا أيضاً نلتقي معه ـ سبحانه ـ في ( قليلاً ما تشكرون ) ، إذ المعنى نادراً ما تشكرون الله .

وبهذا نجد أن هناك حضوراً ( لله ) في آيات القرآن ، بل هناك أكثر من حضور له سبحانه في الآية الواحدة .

من بديهيات الدين الإسلامي الحنيف أنَّ النبي محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) هو مبلِّغ الوحي الإلهي إلى الناس ، وبناءً على هذا التصور كان هو الإنسان الكامل : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) .

وللنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) حضور في القرآن الكريم ، ولكن هذا الحضور تابع أو على هامش الحضور الإلهي الواسع المتمكّن المهيمن ، فلم نجد عن حياة الرسول في القرآن إلاّ إشارات عابرة هنا وهناك ، ومع ما صدرَ في حقّه من ثناء ومديح ولكن بلسان المنَّة عليه !! وصاحب المنَّة هو الله تبارك وتعالى ، وأحسن وأشرف ما وصف به صلى الله عليه وآله وسلم أنّه عبد الله !! ، قال تعالى : ( ألم يجد يتيماً فآوى* ووجدك ضالاً فهدى ) [ الضحى : ۶ – ۷ ] .

( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) [ البقرة : ۲۳ ] .

( هو الذي ينزل على عبده آياتٍ ) [ الحديد : ۹ ] .

( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [ النجم : ۱۰ ] .

فهو لا شك فيه حضور ولكنْ حضور تابع ومقرور ، أمضاه الله ـ سبحانه وتعالى ـ ويتبين هذا الحضور التابع ، وبكلّ وضوح من خلال الأوامر الصادرة إليه ، قال تعالى : ( أقرأ باسم ربك الذي خلق ) [ العلق : ۱ ] ، وقال تعالى : ( يا أيها المزمل* قم .. ) [ المزمل : ۱ – ۲ ] ، وقال تعالى : ( يا أيها المدثر * قم فأنذر ) [ المدثر : ۱ – ۲ ] .

ويتأكد الحضور التابع من لغة التحذير والعتاب والتوبيخ والتشديد في بعض الأوامر والنواهي في هذا المجال أو ذلك :

قال تعالى : ( يَا أَيُّها النَّبيُّ لِمَ تُحرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لكَ ) [ التحريم : ۱ ] ، وقال تعالى : ( وَلَو تَقوَّلَ عَلَينَا بَعضَ الأَقَاوِيِل* لأَخذنَا منهُ بِاليَمينِ ) [ الحاقة : ۴۴ ] .

وكل نقطة مشرقة في حياة نبينا ـ وحياته كلّها إشراق ـ مسجّلة في القرآن الكريم بوصفها فضلاً من الله تعالى .

من كل ذلك نفهم حقيقة حضور النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في القرآن ، إنّه ليس بالحضور المؤسِّس بل حضور تابع ، مقرور ، أمضاه الله سبحانه في جذره وأساسه وآفاقه ، فهناك فرق نوعي كبير بين حضور الله في القرآن وحضور نبيّه ( صلى الله عليه وآله ) ، ولذلك دلالة دقيقة سوف نستظهرها بعد حين .

ويدخل في هذا الإطار موضوع ( مقول القول ) في القرآن الكريم ، فهو ذو دلالة تصبُّ في اتجاه الحضور الإلهي المهيمن في القرآن الكريم ، قال تعالى : ( يسأَلونكَ عَلَى الأَهلَّةِ قُلْ هِي مَواقِيتُ للنَّاسِ ) [ البقرة : ۱۸۹ ] .

( وَيسألونَكَ عَن المَحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ) [ البقرة : ۲۲۲ ] .

( وَيسألَونَك عَنِ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي ) [ الإسراء : ۸۵ ] .

في هذا التركيب اللغوي القرآني مستويات مهمّة من الحقيقة ، تتفاعل فيما بينها لتؤكد الحضور الإلهي التامّ في القرآن الكريم .

ترى لماذا لا يأتي الجواب عن السؤال المطروح مباشرة ، وذلك بدون تصديره بكلمة ( قُل ) ؟! كأن يقال في غير القرآن : يسألونك عن الأهلة ، فهي أو أنها مواقيت للناس .

فلا داعي لكلمة ( قل ) ، في الحقيقة أنّ كلمة ( قل ) هنا تؤدي دوراً خطيراً في تعزيز وتوكيد الفاصل بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصل القرآن كخطاب ف‍) قل ) تؤكد الوحي هنا أكثر ممّا لو جاء الجواب مجرَّداً منها ، وهذا واضح جدّاً .

كما أنّها تؤكد أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) مجرّد ناقل وأنه أمين على الجواب ونقله وليس صانعاً له أو مؤسِّساً ، وذلك حتى إذا ادَّعى أن الجواب وحي بطريقة من الطرق .

ولكن لماذا لم يتصدَّر الجواب ب‍) أجب ) مثلاً؟! وذلك بدل ( قل ) ، والواقع أنَّ دلالة النقل والإبلاغ من جهة أخرى إلى المخاطب تكون أبلغ وأقوى وأعمق بكلمة ( قل ) من غيرها ، بما في ذلك كلمة ( أجب ) مع أنّ حقيقة مقول القول هنا هي جواب محض على سؤال مطروح على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) .

إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) هنا ينقل جواب الله على السؤال ، أمّا إذا تصدَّر الجواب المذكور ( أجب ) ، فإنّه قد يوهم بأنّه جوابه بالذات وليس جواب الله تبارك وتعالى .

فالخطاب القرآني هنا يلاحق بدقّة متناهية أضعف احتمالات الوهم التي قد تؤسس علاقة مصدريّة بين النبيّ والقرآن ولو بحدود ضئيلة ، بل ولو في حدود إمكان الفهم الخاطئ .

أنّ ما بعد ( قل ) يفيد وحياً خالصاً ومن دون أي حرج في التفكير والفهم . كما أنّه ينسجم مع كون القرآن كلام الله أو قوله انسجاماً تاماً ومطلقاً ، وهي تشير إلى أنّ محمّداً رجل مأمور لأنّه ينتظر الجواب أو الأمر من جهة أخرى .

لنتدبّر أكثر في الجملة ( يسألونك ) يعود ضمير المفعولية إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو المسؤول من قِبل الآخر ، وبهذا الضمير من حيث الموقع وعلاقته بالفعل والفاعل السابقين عليه تمثّل ( محمّد ) مركزاً في الآية ، فهو الطرف البارز والمهيمن ، فالناس يسألونه إمّا اختباراً عاماً أو استفادة ، ولكن هذه المنزلة سرعان ما تكون هامشيّة ، أو هذا الحضور سرعان ما يكون تابعاً إذا أكملنا الآية بواسطة ( قل ) .

وبمقدار ما يكون حضور النبيّ طاغياً وبارزاً في البداية ، نراه يتهمّش بدخول ( قل ) التي نستبطن تبعيته وكونه عبداً مأموراً ، بل كونه لا يملك شيئاً إزاء هذه الجهة التي تأمره بـ( قل ) ، ومن هنا ، وبواسطة ( قل ) هذه يتحدّد موقع محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن إزاء الحضور الإلهي العظيم .

وفي مكان آخر يتّضح هذا الحضور الهامشي بالنسبة للحضور الإلهي في القرآن الكريم بقوله سبحانه وتعالى : ( وَيَستَفتونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتيكُمْ فِيِهنَّ ) [ النساء : ۱۲۷ ] ، ( يَستفتُونكَ قُلِ اللهُ يُفتيكُمْ فِي الكَلاَلةِ ) [ النساء : ۱۷۶ ] ، ( قُل لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزائِنُ اللهِ وَلاَ أَعلمُ الغَيبَ ) [ الأنعام : ۵۰ ] ، وتجد أنَّ مثل هذه الحقيقة في أبسط الأمور ، قال تعالى :

( وَإِذا جَاءَكَ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِآيَاتنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلِيكُمْ ) [ الأنعام : ۵۴ ] ، أي حتى على مستوى التحيّة وصيغتها يتراجع موقع النبيّ في القرآن إزاء الحضور الإلهي .

ومن الملاحظ أن كلمة ( قل ) تكرّرت في القرآن الكريم ( ۳۳۲ ) مرَّة في مواضيع شتى ، العقيدة والشريعة والأخلاق والأخبار بالغيب ومقاصد الكون وغايات الحياة ومصير الوجود ، الخ .

وفي جميعها يتحقق الفاصل بين النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصل الخطاب ، ويبدو من خلالها النبيّ ناقلاً وحسب !!

من كل ما سبق نستنتج الحقائق التالية :

الأولى : أنَّ لله تعالى حضوراً واضحاً مهيمناً في القرآن الكريم ، هذا الحضور يتسع لكلّ آيات الكتاب الحكيم .

الثانية : أنّ هذا الحضور يتجلى من الذكر الكثير لأسماء الله تعالى في القرآن . وإنّ هذه الكثرة غالبة ومسيطرة وشاملة .

الثالثة : أنّ هذا الحضور ليس عابراً ، بل هو حضور خلاَّق مُهيمن ، فليست القضية هنا تكرّر أسماء الله ، بل تكرّر مع إمضاء أولويَّة الحضور وأصالته وجذريّته .

الرابعة : أنّ الله حاضر في آيات القرآن من خلال أمره ونهيه ، وعده ووعيده ، قوانينه وتشريعه ، صفاته وأسمائه ، عظمته وقدرته ورحمته من خلال الكون والحياة .

الخامسة : الحضور الواضح للنبي ( صلى الله عليه وآله ) في القرآن ، ولكنّه على هامش الحضور الإلهي الشامل والكامل .

وماذا بعد كلّ هذا؟! إنّ كلّ ذلك يؤكد أن القرآن من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وأنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم مجرّد ناقل ، مُبلِّغ ، وإلاّ لماذا هذا الحضور المتجسّد لله تعالى في كلّ آيات القرآن بشكل وآخر ، ولو كان هذا القرآن ـ والعياذ بالله ـ من غير الله حقّاً لظهرت آثار ذلك بحضور فاعل ومؤثر ، وليس بهذا المستوى العادي الذي هو مجرّد النقل والتبليغ .

إنّ القرآن كتاب الله مصدراً وأساساً ومضموناً ، وقد جاء لتعبيد الإنسان لله ولذا لا بدّ من أن يكون حضوره ـ سبحانه ـ في هذا القرآن السمة البارزة والواضحة والمهيمنة ، وهذا ما كان .