التقليد في المذاهب الاسلامية

هذا الموضوع من اهم موضوعات علم اصول الفقه، وهو ظاهرة شائعة في اوساط المسلمين العامة والخاصة، ولا يستغني عنه مسلم ولا مسلمة في اي عصر، على الرغم من ان طلب العلم فريضة على كل منهما، فيظل الانسان بحاجة ملحة للتعرف على احكام الشريعة المطهرة، واحكام الحلال والحرام، من مستجدات المسائل، والقضايا المعقدة، اوالملتبسة، التي لايتبين حكمها الشرعي الا كل عالم حصيف، خبير، طالت خبرته،وامتد عمره.
ويظل العالم منارة يستضيء بعلمه الناس، فهم يلازمونه ويتابعونه، في المسجد، والمدرسة، والشارع، والجلسات الخاصة والعامة، اما مشافهة واما بالهاتف.
وقد يكون المسلم مطلعا على بعض الاحكام من خلال مطالعاته وقراءاته المتوالية في كتب الفقه والتفسير والحديث، فهل له العمل بها؟ وهل يجوز تقليد مجتهد في ما افتاه،سواء اكان حيا ام ميتا؟ علما باءن المجتهدين والعلماء الاكفياء للفتوى قلائل. وقدتصدى للفتوى، مع الاسف، انصاف المتعلمين وبعض الطلاب،فاءوقعوا الناس في حيرة وضلال.
فما معنى التقليد للمجتهد او المفتي؟ ومتى حدثت ظاهرة التقليد؟ وهل هو مشروع؟ وما الفرق بينه وبين الاتباع؟، ومامجاله او نطاقه السائغ شرعا؟ وما ضوابطه في المذاهب المعتبرة؟
كل هذه التساؤلات، اجيب عنها لدى اهل السنة واهل البيت، اوالشيعة، واكاد اجزم باءنه لا يوجد فارق جوهري في الجواب، فان واقع الامة في عصرنا معروف، والناس بحاجة ماسة لمعرفة الحكم الشرعي في العبادات والمعاملات واحكام الاسرة والمواريث والوصايا والاوقاف والعلاقات القائمة بين المسلمين وغيرهم، في داخل الوطن الواحد، وفي الخارج.
معنى التقليد: التقليد، لغة، جعل القلادة في العنق، ومنه تقليد الهدي (مايهدى للحرم المكي من الانعام) في الحج وغيره، اي جعل القلادة في عنق ما يهدى الى الحرم من النعم، او تزين به بعلامات او خدوش في سنام البعير ونحو ذلك. وهو، في الاصطلاح الاصولي والفقهي، الاخذ بقول الغير، من غير معرفة دليله، او حجته. اي محاكاة الغير في العمل اوالترك، كمسح بعض الراس تقليدا للامام الشافعي، اومسح كل الراس تقليدا لائمة آخرين، مثل الامام مالك واحمد، او مسح ربع الراس تقليدا للامام ابي حنيفة، او مسح مقدم الراس تقليداللامام جعفر الصادق. وترك المقتدي قراءة الفاتحة في الصلاة اخذا بقول ابي حنيفة ونحو ذلك، علما باءن قراءتها ركن عندالشافعية وواجبة عند الامامية.
وعلى هذا، فالرجوع الى الرسول، صلى اللّه عليه وآله وسلم،مثلا، ليس تقليدا له، لقيام الحجة بالمعجزة. واخذ المقلدالعامي بقول المفتي: تقليد له في العرف، وكذا المجتهد اذااخذبقول مثله.
وحدثت ظاهرة التقليد في اوائل القرن الرابع الهجري، بسبب تردد عوام المقلدة على مائدة المذاهب التي تفتقت عنها افكاركبار المجتهدين وائمة المذاهب، من دون ان ياءذن بها امام من الائمة المجتهدين، كما ذكر الامام الشوكاني.

مشروعية التقليد:

يجمع اكثر العلماء على جواز التقليد، لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد، سواء كان عاميا، ام عالما ببعض العلوم. وقد اتفق العلماء، من اهل السنة واهل البيت، على الاذن للعوام في الاستفتاء، من غير تناكر او انكار، لانه لو وجب على العامي النظرفي ادلة المسائل الفقهية، لالحقنا به الضرر، بتعطيله عن امرالمعاش، عند نزول الواقعة، ولاستحالة اتصافه حينئذ بصفة الاجتهاد او المجتهدين، ما يتعذر عليه معرفة الحكم الشرعي لولا الاستفتاء والرجوع للمجتهد.
وسوغت النصوص الشرعية الاستفتاء والتقليد تبعا له، مثل قول اللّه تعالى: (وما ارسلنا قبلك الا رجالا نوحي اليهم، فاساءلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) . وهذا امر بالسؤال،والامريقتضي الوجوب، ولا تتحقق الفائدة من السؤال الا بالعمل بقول المفتي. ولم يلزم اللّه، تعالى، جميع اهل الايمان ببلوغ رتبة الاجتهاد، وانما الزم بها فئة او طائفة من العلماء، في قول اللّهسبحانه: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم،لعلهم يحذرون).
وثبت، في السنة النبوية، الاذن بالاجتهاد لبعض الصحابة الكرام، والتصدي للافتاء، والترغيب به، لتمكين غير المجتهدمن الاخذ عن المفتي احكام دين، مثل حديث: ((اذاحكم الحاكم، فاجتهد، فاءصاب، فله اجران، واذا حكم فاءخطاء، فله اجرواحد)).
وفي حديث معاذ المشهور الذي ارسله النبي،صلى اللّه عليه وآله وسلم، قاضيا الى اليمن اذن له النبي بالاجتهاد واقره عليه، والاذن بالاجتهاد للمجتهد يتضمن ضرورة حكمية وواقعية الاذن لغير المجتهد بتقليد المجتهد، من اجل تطبيق احكام الشريعة، والا تعطلت الاحكام، ولم يجد العوام وهم اكثر الناس سبيلا للتعرف على احكام اللّه في المسائل.
وبناء عليه، استقر الاجماع الفعلي بين الصحابة بافتاء العوام،دون ان يطالبوا ببلوغ رتبة الاجتهاد. وايده واقع الخطابات التشريعية لجميع الناس العلماء والعوام، وتكليفهم بالاحكام،ولو طولب العوام بتحصيل رتبة الاجتهاد، لتعطلت مصالح الناس وحياتهم العمرانية والزراعية والصناعية والتجارية، ويؤدي ذلك الى خراب الدنيا.

مجال التقليد:

احكام الشريعة نوعان: اعتقادية، وفرعية عملية.
۱- اما مسائل العقائد واصولها، فالحق كما قال الشهيد الثاني:منع التقليد فيها، وهو قول جمهور علماء الاسلام، الا من شذ من اهل الخلاف، والبرهان الواضح قائم على خلافه،فلا التفات اليه.
ومسائل العقائد، مثل معرفة اللّه تعالى وصفاته والتوحيد،ودلائل النبوة، وما يلحق بها كالاخلاق الفاضلة وثوابت الفضائل،وكل ما علم من الدين بالضرورة (بالبداهة) من جميع التكاليف الشرعية، من العبادات، والمعاملات، والعقوبات، والمحرمات،كاءركان الاسلام الخمسة، وحرمة الربا والزنا، وحل البيع والزواج ونحوها، مما هو ثابت قطعا، لا يجوز فيهاالتقليد، وانمايجب تكوينها بالاعتماد على النظر والفكر الصائب، لا على مجردالمحاكاة والتشبه بالاخرين، قال في جوهرة التوحيد:
وكل من قلد في التوحيد ايمانه لم يخل من ترديد.
والبراهين، او الادلة، على صحة هذا الحكم وسلامته واضحة،مرتبطة بقيام الشريعة واستمرارها، ومسوغات وجودها، فان اللّهتعالى ندب الخلق الى وجوب النظر الصحيح،والتاءمل الشديد،للتوصل الى العقيدة الصحيحة، كما جاء في قول اللّه تعالى: (ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب). قال النبي، صلى اللّه عليه وآله وسلم:
((ويل لمن قراها ولم يتفكر فيها)) والمراد توجيه الوعيد على ترك النظر والتفكر في آيات اللّه، ما يثبت وجوب النظر. ولو لم يجب النظر لما كان الكفارالثابتين على تقليد الاباء والاجداد معذبين،ولعذروا فيما هم عليه من ضلال.
ويؤكد ذلك اجماع الامة على وجوب معرفة اللّه تعالى، ومايجوز عليه، وما يستحيل عليه، وذلك لا يحصل بالتقليد، لان المقلد ليس معه الا الاخذ بقول من يقلده، ولا يدري اهوصواب ام خطاء، وقد يكذب المقلد، فيضل مقلده. وقد ذم اللّه تعالى التقليد في العقائد في آيات كثيرة، منها قوله عن اهل الكتاب:(اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون اللّه).
۲- واما المسائل الفرعية العملية، كاءحكام الطهارات والصلوات والزكوات والحج والزيارة والصيام ونحوها، مما هو منثور في كتب الفقه باءبوابه المختلفة، فيجوز فيها التقليد لدى اكثرالمحققين واكثرية المسلمين، من اهل السنة والشيعة، بل يجب على من لم تتوافر لديه اهلية الاجتهاد، ولو كان عالما.
والمراد بها احكام القضايا العملية التي ثبتت بطريق ظني، وهي مجال الاجتهاد والتقليد، لاحتياجها الى استنباط مجتهد متخصص، وعجز العامي ومن ليس اهلا للاجتهاد عن ادراك احكامها والاحاطة بمواردها وادلتها، وللادلة النقلية والعقلية،الواردة والمدركة بالاستنباط. وهي، من القرآن، قول اللّهتعالى: (فاساءلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون)وهو نص عام لكل المخاطبين من الناس، وفي كل امر لا يعلم، لان الامر المقيد بسبب: (وهو عدم العلم) يتكرربتكرره، فكلما وجد عدم العلم، امر الشخص بالسؤال،وادنى درجات قوله تعالى:
(فاساءلوا) الجواز، كما قال الامدي، وقدعرفنا انه دال على الوجوب في اللغة والعرف والشرع.
ومن الاجماع اجماع الصحب الكرام، فانهم كانوا يفتون العوام الذين يساءلونهم عن حكم حادثة من الحوادث، دون نكير منهم على ذلك، ولا نهي لهم عن السؤال، ولا امر لهم بتحصيل رتبة الاجتهاد، وهو امر معلوم بالضرورة، والتواتر، من العلماءوالعوام.
والعقل والواقع يقران هذا الاتجاه، وهو ان الاجتهاد ملكة اواهلية معينة لا تحصل الا لنفر قليل من الناس، كما ينبىء الواقع والاستقراء، فليس كل الناس نوابغ او حكماء اوفلاسفة مثلا، فاذاكلف بالاجتهاد جميع الناس، كان تكليفا بما لا يطاق، وهو ممنوع شرعا، لقول اللّه تبارك وتعالى: (لا يكلف اللّه نفسا الاوسعها).
ولو الزمنا العوام بالاجتهاد، لادى ذلك الى الانصراف عن معايش الدنيا، وتعطيل المصالح التي يقوم عليها نظام الحياة،والحرج مدفوع او مرفوع من تكاليف الشريعة، لقوله تعالى:(وما جعل عليكم في الدين من حرج)وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)).
الفرق بين التقليد والاتباع:
التقليد غير الاتباع، لان التقليد كما تقدم: هو الاخذ بقول الغيربغير حجة، وقال العلامة محمد تقي الحكيم: المتبادر من لفظ التقليد، عرفا، هو المحاكاة للغير، في عمله اوتركه، لا العمل وحده، ولا الالتزام.
واما الاتباع فهو سلوك التابع طريق المتبوع، واخذ الحكم من الدليل الظني، او القطعي، بالطريق التي اخذ بها متبوعه، فهواتباع للقائل على اساس ما اتضح له من دليل على صحة قوله،بخلاف التقليد الذي يحاكي فيه الشخص قول غيره، دون معرفة دليله، ومعنى قوله.

ضوابط التقليد او شروطه:

لا يصح استفتاء اي واحد من العلماء او تقليده من غير تحرواجتهاد، وانما يشترط في المفتي المجتهد او المقلد شروط،منها بدهي كاشتراط العقل، لان العقل اداة تحصيل العلم واساس التكليف، فلا يعقل تقليد المجنون او المعتوه او المغفل او النائم او الساهي او الغضوب الذي استشاط غضبا.
وكاشتراط البلوغ،فلا يقبل بحال استفتاء الصبي، لعدم اكتمال اهلية الاجتهاد عنده.ومن الشروط محل نظر: كالحرية والذكورية، فلا يستفتى العبدلنقصه، ولا الانثى لقلة خبرتها ونقص علمها، لكن توافر اهلية الاجتهاد، وهي الحجة قد تكون لدى العبد، او الانثى، ومن المعلوم ان بعض زوجات الرسول، صلى اللّه عليه وآله وسلم،امهات المؤمنين، قد بلغن رتبة الاجتهاد، وكان الصحابة يستفتونهن.
وثار الخلاف بين العلماء في شروط مهمة ثلاثة: وهي الحياة،والاعلمية، والعدالة. وعلى المقلد ان يعلم بحصول الشرائط في المفتي المقلد، اما بالمخالطة المطلقة، اوبالاخبارالمتواترة، او بالقرائن الكثيرة المتعاضدة، او بشهادة العدلين العارفين، لانها هي شرعية.
اما اشتراط الحياة في المفتي المقلد: ففيه خلاف بين اهل السنة والشيعة. اما الشيعة: فلم يجيزوا بالاتفاق تقليد الميت، وايدهم الفخر الرازي، فيمتنع الرجوع الى فتوى الميت، مع وجودالمجتهد الحي، لدليلين:

اولا:ان المجتهد يجوز له تغيير اجتهاده، لو كان حيا، فاذا جددالنظر، فربما يرجع عن قوله الاول اذا اطلع على امارات جديدة، وشاهد الظروف والقرائن والاحوال المصاحبة.

ثانيا: ان الميت لا بقاء لقوله، بدليل انعقاد الاجماع بعد موت المخالف، فلو كان للميت قول بعد موته، لما انعقد الاجماع، لان قوله لا يزال باقيا، والمخالفة لا تزال قائمة، واذا لم يكن للميت قول، فلا يجوز تقليده، ولا الافتاء بما كان ينسب اليه.
واضافوا الى ادلتهم الرد على اعتراض، وهو قولهم: واما فائدة تصنيف الكتب في المذاهب بعد موت اربابها، فلاستفادة طريق الاجتهاد، من تصرفهم في الحوادث، وكيفية بناءبعضها على بعض، ولمعرفة المتفق عليه من المختلف فيه.
وقال العلامة محمد تقي الحكيم: ان في تجويز الرجوع الى الاموات في التقليد اماتة للحركة الفكرية التشريعية،وتجميدا للعقول المبدعة عن الانطلاق في آفاقهاالرحبة.
واما اهل السنة، فاءجازوا تقليد الميت في اقواله وافتاءاته، لانه لولم يجز تقليد الميت، لادى الى فساد احوال الناس وتضررهم ووقوعهم في الحرج، اذا لم يوجد مجتهد يفتيهم في امور دينهم.ولو بطل قول المجتهد كالشافعي، وابي حنيفة، وجعفر الصادق،لما اعتبر شيء من اقواله، كروايته وشهادته ووصاياه. واذا كانت الاخبار المروية لا تموت بموت رواتها وناقليها، فكذلك الاقوال لا تموت بموت قائلها. وهذا واقع ملموس، فان نهضة الامم تعتمدكثيرا على اقوال زعمائها، وباعثي حركتها، وحكمة الحكماءوالفلاسفة. ولاتزال الكتب والجامعات تردد نظريات العلماء،فتاءخذ بعضها، وتناقش بعضها الاخر، وتقر الصواب منها، ما دامت الادلة على صحة النظرية قائمة.
ولا بد لدى هؤلاء المجيزين لتقليد الميت في اقواله: من صحة النقل عنه، ومعرفة دليله الذي اعتمد عليه في بيان الحكم الذي استنبطه، فاذا لوحظ ما يوجب تغير الحكم لمصلحة او مراعاة عرف مثلا، كان المجال متسعا للتغيير، لوجود دليل المجتهدامامنا.
والواقع ان كلام اهل السنة واهل البيت متقارب، فان فقه كل مذهب هو السائد لدى اهله، ولا نكاد نجد تبدلا يذكر، او عدولاظاهرا عنه. والمجتهد الشيعي الحي غالبا ما يعتمداجتهادات السابقين من الائمة، والتجديد محدود عند كل من الشيعة والسنة. ولا نجد مجتهدا سنيا يجمد على اجتهاد امام مذهب اوفتواه اذا عارض الدليل، او صادم المصلحة،او كان هناك عرف حادث يغاير العرف الماضي، فاءين اثر الخلاف اذن؟! واما اشتراط الاعلمية في المفتي المقلد: ففيه تفصيل:
اتفق المحققون، من الاصوليين، على انه يجب على العامي ومن ليس اهلا للاجتهاد ان يساءل اهل العلم عما يعرض له من المسائل، ليعرف حكم الشرع فيها.
واتفقوا ايضا على جواز استفتاء العامي لمن عرف بالعلم واهلية الاجتهاد والدين والورع والعدالة، باءن يراه منتصباللفتوى، والناس متفقون على سؤاله، والاستفتاء منه،والاعتقادبه.
ولا يجوز للعامي ان يساءل من يظنه غير عالم، او غير متدين، اومن يعرف باءضداد الصفات السابقة، كما لا يجوز له ان يستفتي من هو مجهول الحال في العلم وغيره، لاننا لاناءمن ان يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية، بل ان احتمال العامية ارجح من احتمال صفة العلم والاجتهاد في الدين، ولان الاصل في الانسان عدم العلم.
وبناء عليه، اذا لم يوجد في البلد الا مفت واحد (حالة اتحادالمفتي) وكذا حالة التعدد والاتفاق في الفتوى، فعلى العامي سؤاله والرجوع اليه. فان كان هناك جماعة من المفتين والعلماء، واختلفوا في الفتوى، فمن الذي يستفتى منهم؟ ان علم المستفتي استواءهم في المعرفة والعدالة، تخيرالمستفتي في تقليد ايهم شاء.
وان كان بعضهم ارجح في العلم والعدالة من بعض، ففيه خلاف:
اتجه جماعة، منهم اهل البيت واحمد وابن سريج والقفال من الشافعية وابو اسحاق الاسفراييني وابو الحسن الطبري المعروف ب ((الكيا)) واختاره الغزالي: اتجهوا الى وجوب اتباع الافضل، وتعين تقليد الاعلم وتقديمه، لان الافتاء يستفاد من العلم، لا من الورع، والقدر الذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الاخر.
ولان اقوال المجتهدين بالنسبة للمستفتين كالادلة والامارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد، فيجب على العامي الترجيح، ولاترجيح الا بالفضل والعلم، لان الاعلم اقوى حجة.وطريق معرفة الاعلم اما بالاختيار والتجربة، او بالشهرة والتسامع، ورجوع الناس اليه. قال الشيخ عليش من المالكية: والحق الاخذ بقول الاعلم، لانه اغلب على الظن.
واتجه اكثر الاصوليين والفقهاء، ومنهم الحنفية والمالكية واكثرالشافعية والحنابلة: الى انه يخير العامي في سؤال من شاء من العلماء، سواء تساووا ام تفاضلوا، وعبارتهم المشهورة في ذلك:((يجوز تقليد المفضول مع وجود الافضل في العلم)).
وادلتهم من الكتاب والاجماع والمعقول.
اما الكتاب، فقول اللّه تعالى: (فاساءلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون) وهذه آية مطلقة، لم تفرق بين الاعلم وغيره من العلماء.
واما الاجماع، فهو اجماع عملي من الصحابة الذين اتفقوا على جواز الافتاء من كل صحابي، الفاضل منهم والمفضول من المجتهدين، من دون انكار من احد على العمل بقول المفضول،مع وجود الافضل، فكان ذلك كما قدروا اجماعا.
وهو محل نظر،لانه لا دليل على قيامه.
واما المعقول، فهو ان الترجيح بين العلماء يتعذر للعامي.والواقع ان حس العوام مرهف، فيتمكن الواحد منهم من معرفة الاعلم بالتسامع والشهرة، ومشاهدة رجوع العلماء اليه،وتوافراهل الخبرة على تقديمه وتعيينه. كما ان المثقف المتعلم ادق في الحكم على العالم والاعلم، فعليه سؤال الاعلم.
واما اشتراط العدالة، فهو متفق عليه عند الاكثرين. فانه يعتبر في المفتي الذي يرجع اليه المقلد، مع الاجتهاد والعلم، ان يكون مؤمنا عدلا، فهذا يحدد صفة المرجعية في الاستفتاء.
والعدالة في اللغة: التوسط في الامور، من غير افراط في الزيادة والنقصان. والعدل: هو المتوسط في الامر، ومنه قوله تعالى:
(وكذلك جعلناكم امة وسطا) اي عدولا.
وهي، في لسان المتشرعة والاصطلاح، تطلق، ويراد بها اهلية الشهادة والرواية عن النبي، صلى اللّه عليه وآله وسلم،والعدالة، كما عرفها الامام الغزالي: عبارة عن استقامة السيرة والدين، وحاصلها يرجع الى هيئة راسخة في النفس،تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدق، وذلك انما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات.
والحق ان الافتاء في الدين من اهم المجالات التي يطلب فيهاالعدالة، لذا تطلب جماهير العلماء من اهل السنة والشيعة وجودالعدالة، فيجب على المستفتي ان يقلد من يغلب على ظنه انه من اهل الاجتهاد والورع، وانما يحصل له هذا الظن برؤيته له منتصبا للفتوى، بمشهد من الخلق، واجتماع المسلمين على استفتائه وتعظيمه.
وقرر هؤلاء العلماء ان لا يستفتي العامة (العوام الصرف والعلماءبالعلوم الاخرى غير الشرعية) الا من عرف بالاجتهاد والعدالة،فاذا جهل اجتهاده فلا يستفتيه، كما تقدم سابقا،لان الاجتهادشرط لقبول الفتوى، فلا بد من ثبوته عند السائل.
وكذلك مجهول العدالة لا يستفتى الا بعد البحث والسؤال عن عدالته بما يغلب على الظن، من قول عدل او عدلين، اوبالاستفاضة والشهرة بين الناس، لان العدل يكون غالباموفقاالى اختيار الصواب، ويطمئن الناس اليه، بخلاف الفاسق، فانه مذموم، ويتطرق الشك الى اقواله كثيرا، فلا يصلح قدوة حسنة،لمحاكاة المجتمع له ولاقواله، وتقليدهم اياه في ما يصدر عنه من فتاوى، ومن هنا قالوا: زلة العالم زلة العالم، لانه في مركزالصدارة والقيادة والقدوة، والناس تبع لقادتهم عادة.
وهذا امر محمود شرعا وتربية، فان علماء التربية الحديثة يشترطون، في المعلم، ان يكون قدوة حسنة، صالحة، حتى يتاءثرالتلاميذ بسلوكه، فما ارخص القول اذا لم يسانده العمل، ويدل عليه الفعل، قال اللّه تعالى: (يا ايها الذين آمنوا، لم تقولون ما لاتفعلون. كبر مقتا عند اللّه ان تقولوا ما لاتفعلون).
ومقتضى العدالة ان يلاحظ المفتي امورا ثلاثة اذا اختار حكمامن بين المذاهب الاسلامية:
الاول: ان يتبع القول لدليله، فلا يختار من المذاهب اضعفهادليلا، بل يختار اقواها دليلا. ومن المعلوم انه لا يجوز الافتاءبالقول الضعيف.
الثاني: ان يجتهد ما امكن الاجتهاد في ان لا يترك الامر المجمع عليه الى المختلف فيه.
الثالث: الا يتبع اهواء الناس، بل يتبع المصلحة العامة والدليل الشرعي، فان المصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة

الكاتب: وهبة الزحيلي