التمدد الجغرافي للقاعدة

العراق واليمن وأفغانستان

القاعدة تنظيم يسعى إلى استغلال الفراغ السياسي والأمني من أجل تنشيط عملياته وتناسل خلاياه التنظيمية وكتائب الاستطلاع في المناطق المغلقة.
أن البيئة السياسية والإجتماعية العربية تبدو مهيأة لصعود التيار الديني بأ ستثناء القاعدة واحتمال اتخاذ دور الاسلام السياسي المعتدل في التغيير باعتباره تنظيم ايدلوجي منظم يملي الفراغ السياسي .
فرغم تراجع وضعف شبكة القاعدة تنظيميا لكنها كانت وماتزال نسبيا اكثر انتشار ايدلوجيا لتتحول الى ايدلوجية متطرفة يغلو بقتل من يخالف فرض خلافته الاسلامية الافتراضية ليتحول الى تنظيم يزيد من فرقة المذاهب الاسلامية ويحلل قتلها ويزيد من عداء الغرب للاسلام وللمسلمين وليتحول الى مجموعات قتالية تقاتل بالوكالة عن ألقوات الاميركية وهذا مايمكن اعتباره انحراف كبير في أستراتيجيته التاسيسية التي تبناها الجيل الاول من القاعدة . ان ظهور القاعدة في ربيع الثورات العربي على شكل جماعات او خلايا صغيرة غير منظمة يعكس تراحع التنظيم.
ـ القاعدة مابين افغانستان والباكستان ـ
وزيرستان – تجاور منطقة وزيرستان أفغانستان من جهتها الشمالية الغربية ، وهي منطقة جبلية ، وتعتبر جزءا من المناطق القبلية التي تديرها الحكومة الفيدرالية .أصبحت المنطقة جزءا من باكستان عام ۱۹۴۷ ، مع التمتع بحكم شبه ذاتي بموجب اتفاق بين القبائل المحلية والحكومة ويقدر إجمالي سكان المنطقتين بنحو ۱٫۲ مليون, وشهدت وزيرستان اشد الضربات الجوية وخاصة طائرة بدون طيار / عمليات درون وكان تنظيم القاعدة يستغل هذه المنطقة ليس كمعسكرات فقط بل منطقة تمدد مابين البلدين مستفيدة من جغرافية المنطقة. هذه المنطقة كانت ايضا مجس وباروميتر العلاقات الاميركية الباكستانية التي كانت تخضع للتجاذبات ولم تكن قيادات القاعدة بعيدة عن تلك العلاقة . تظل وزيرستان هى الحاضن ومصنع تفريخ للقاعدة ، منذ إنسحاب المقاتلين العرب من أفغانستان ومعهم مجموعات مقاتلة مختلفة . وفى السابع من ديسمبر ۲۰۰۱ إنتهت الحرب الأمريكية بإحتلال الأمريكيين لقندهار وبهذا طويت صفحة القاعدة القديمة من الجيل الاول ليصبح دوره رمزيا اكثر من الميدان ، ليبدأ جيل ثان للقاعدة و فروع محلية تشرف على تدريبها .
ـ القاعدة مابين الصومال واليمن
أن الصومال تمثل بيئة ملائمة لتدريب الإرهابيين، وتوفير ملاذ آمن لقياداتهم لسبب بسيط هو «عدم وجود سلطة فعالة تسيطر على كافة الصومال ، بالإضافة إلى الحملة الأمنية لمطاردة القاعدة التي تنفذها أجهزة مكافحة الإرهاب في اليمن والعراق وأفغانستان، والضربات الجوية التي تعرضت لها هناك ، والتي قتل خلالها عدد من قيادة ومقاتلي تنظيم القاعدة. وتفتقر الصومال الى سلطة مركزية منذ سقوط نظام الرئيس سياد بري العام ۱۹۹۱ وتشهد البلاد منذ عقود عدم استقرار سياسي وتدهورا امنيا وخصوصا في مقديشو.
يعود تأسيس حركة الشباب الصومالية إلى العام ۲۰۰۴، وقد ظلت الحركة توصف في البداية بأنها الجناح العسكري للمحاكم الاسلامية حتى عام ۲۰۰۷ غير أن هزيمة المحاكم أمام مسلحي الحكومة الصومالية ، كانت سببا وراء انشقاق حركة الشباب الصومالية عن المحاكم متهمة إياها بالتخلي عنى” الجهاد في سبيل الله”. وكان تنظبم الشباب قد اعلن في عام ۲۰۰۹ ولائه لتنظيم القاعدة في شريط مصور. وهناك، مخاوف إقليمية ودولية بشأن العلاقة بينها وبين فرع تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب ، وخاصة في اليمن ، ويعتقد أيضا أن هناك من بين المقاتلين الأجانب في صفوف الشباب مقاتلين من أصول يمنية وأجانب في الصومال ، لتقديم خبرات التدريب .
تعتبر سواحل اليمن الممتدة قبالة القرن الإفريقي جغرافية طبيعية للامتداد مع الصومال حيث الحرب الدائرة بين حكومة شيخ شريف وشباب المجاهدين مما ييسر التنسيق وتبادل التدريب وتقنيات التسليح مابين التنظيمات. كما أن الظروف السياسية لليمن قد عززت من تغلغل القاعدة في الفراغ الذي خلفته الدولة في عدة مناطق.
يقول محللون صوماليون إن العلاقات التاريخية والجغرافية بين الصومال واليمن تحتم وجود هذه العلاقة ما بين المقاتلين في الصومال واليمن ، اما خاصرة اليمن / خليج عدن يمكن أن يكون معبر للتنظيمات من وإلى اليمن . وقد إعلنت حركة الشباب الصومالية مرارا عزمها لارسال مقاتلين إلى اليمن لمناصرة مقاتلي تنظيم القاعدة في اليمن والجزيرة العربية.
وعقدَت بريطانيا مؤتمرها حول الصومال في لندن في ۲۳ من فبراير/ شباط ۲۰۱۲ بهدف مواجهة الخطر الذي تشكله قضية الصومال وتداعياتها الأمنية والسياسية على القرن الإفريقي والعالم بعد عشرين عاما من النسيان الاميركي / البريطاني للصومال منذ انهيار الحكم عام ۱۹۹۱ .
ـ القاعدة مابين السعودية واليمن
ظهر تنظيم القاعدة على الساحة السعودية لأول مرة في مايو عام ۲۰۰۳ بالمملكة بعد أن تبنى مسؤولية سلسلة من الهجمات المتزامنة استهدفت ثلاثة مجمعات سكنية يقطنها أجانب فى الرياض.
يمثل موقع اليمن الجغرافي ميزة إضافية ، حيث يشترك مع السعودية في حدود طويلة تمتد لأكثر من ۱۵۰۰ كلم ، مما يصعب مراقبتها من الجانبين ويسهل عملية إختراقها لتنفيذ عمليات مسلحة في الأراضي السعودية ثم العودة الي اليمن .
وأعلن في يناير ۲۰۰۹ عن توحيد تنظيميّ القاعدة في اليمن والسعودية تحت مسمي “القاعدة في الجزيرة العربية” وتحت إمرة أبوبصير اليمني ونائبه أبوسفيان الشهري . ساهمت الحملة التي تشنها الولايات المتحدة علي معاقل القاعدة في الباكستان وافغانستان و العراق على تمدد لقاعدة باتجاه اليمن.
تعد اليمن بالنسبة للقاعدة موقع استراتيجية ، فهي تمثل بيئة جغرافية وعرة تتميز بوجود جبال كما أن البيئة الديموغرافية لليمن تعد بيئة حاضنة من حيث قوة القبلية و انتشار الفكر السلفي بالاضافة الى انتشار السلاح . أن فرع القاعدة فى جزيرة العرب واليمن ظلت هى الأقرب الى نمط تفكير بن لادن نظرا لأن الغالبية منهم تدربوا فى معسكرات القاعدة فى أفغانستان. ووصف الكاتب عرفات مدابش اليمن في احدى مقالاته قائلا : ” أن محافظة مأرب هي الند لوزيرستان وليست هناك طبعا فوارق كثيرة بين المنطقتين ربما باستثناء أن الناس في مأربستان يمضغون القات”. اما مأرب والجوف وزنجبار ورداع وشبوة وغيرها مؤهلة لتكون حواضن للقاعدة بسبب الفقر وغياب الدولة .
اما تنظيم انصار الشريعة فقد ظهر مع تصاعد ثورة التغيير الشعبية في اليمن مطلع عام ۲۰۱۱ ، ان شعور تنظيم القاعدة بغياب تأثيره على القبيلة اليمنية دفعه إلى اللجوء إلى اعتماده العمل الشعبوي بدلا من العمل النخبوي الذي يتضمن الاعداد والتدريب والمبايعة لولي الامر لتحبيب الناس بالشريعة في المناطق التي تسيطر عليها القاعدة مستفيدا من الفراغ السياسي ودور القبيلة في المجتمع وفي المؤسسة السياسية . و يعتبرتنظيم القاعدة في اليمن هو الاخطراقليميا وسط تراجع التنظيم المركزي, العمليات الفردية الاخيرة كانت تجير لتنظيم اليمن وليس للتنظيم المركزي ومنها تمكن عميل مزدوج مابين القاعدة والمخابرات المركزية خلال هذا الشهر مايس ۲۰۱۲ حصوله على قنبلة اعدت لتفجير احدى الطائرات الاميركية والتي كانت لا تحتوي على مواد معدنية ويصعب كشفها وتعتبر اكثر تطورا من تلك القنبلة التي فشل بتفجيرها المواطن النايجيري فاروق عبد المطلب في اعياد ميلاد ۲۰۰۹ على متن احدى الطائرات الاميركية المتوجهة من امستردام الى ديترويت . ورغم الضجة الاعلامية التي احدثتها الولايات المتحدة اعلاميا باستضافة عدد من المعنيين في شؤوون الاستخبار ومكافحة الارهاب بينهم رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس وعملاء سي اي اية وكذلك خصصت كرستيان امان بور برنامجها على ” ال سي ان ان ” لذلك الحدث ، رغم ان العملية تبوب في خانة العمل الاستخباري المحدود اكثر من غيره . وقد وظفت الادارة الاميركية العملية اعلاميا في ذكرى مقتل زعيم القاعدة اسامة بن لادن ، بهدف شحن الراي العام الاميركي باتجاه مكافحة الارهاب .
وفي هذا السياق عقد مركز سبأ للدراسات حلقة دراسية ونشرها الكاتب نزار العبادي على مركز الاعلام التقدمي في صنعاء يوم السابع من مايس ۲۰۱۲تحت عنوان:”أسباب التوسع المتنامي لنشاط تنظيم القاعدة في محافظة أبين والسيناريوهات المستقبلية “، والذي ذكر فيها : ” ان موقع محافظة أبين الاستراتيجي المتمثل بمساحتها وتضاريسها وموقعها الجغرافي الساحلي يسهل عملية تهريب الاسلحة والمقاتلين وخاصة من الصومال ، وكذالك استخدام الصومال كممر لوصول عناصر تنظيم القاعدة من الدول الاخرى الى محافظة أبين ، كما لعبت المساحة الشاسعة وتنوعها والتضاريس الجبلية وقلة عدد سكان دوراً في اختيار تنظيم القاعدة المحافظة أبين “. وأكد أيضاً ان من أسباب استهداف القاعدة الى محافظة ابين كونها تمثل حلقة وصل بين شبوة والبيضاء ولحج عدن ومدخل اساسي لمحافظة عدن . وجاء اختيار مدينة حطاط وجعار والمحافظات لجنوبية لنشاط القاعدة لتكون مصدر تهديد لباب المندب الذي يعتبر احد الممرات البحرية الستراتيجية لحركة التجار العالمية . ورغم انتخاب عبدربه هادي رئيسا جديداً لليمن وتشكيل حكومة وفاق وطني إلا أن الملف الأمني يمثل أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة والاصعب في وجه حكومة هادي الذي تم تنصيبه نهاية شهر شباط ۲۰۱۲ .
رغم عمليات تحرير لمناطق في ابين وانتصارات ألجيش اليمني ، لكن القاعدة بدات منذ ثلاث اسابيع بعمليات انسحاب تكتيكي لقادتها وبعض مجاميعها الفاعلة واعادة انتشارها تدريجيا في شبوة ومأرب والبيضاء ولحج والمكلا ووفقا لمصادر امنية رفيعة من داخل اليمن رفضت الافصاح عن هويتها ، تؤكد تسلل خلايا من القاعدة الى العاصمة صنعاء وتعز وعدن وتتوقع ان تحاول القاعدة تنفيذ عمليات نوعية في هذه المدن بهدف تشتيت تركيز الامن والجيش، وتخفيف الضغط عن مجاميعها الكبيرة المتواجدة في مناطق مختلفة من ابين.
المشكلة الاكبر التي تواجهها اليمن هي ان هناك تعبئة اعلامية واسعة لصالح القاعدة وتحرض الناس على الدولة “الجيش والامن” باعتبار انهم “يتلقون اوامرهم من امريكا لقتل ابناء شعبهم المسلمين المجاهدين” تمهيدا لاحتلال اليمن .
أما وزارة الداخلية – وزيرها من الاسلاميين- استغلت المبادرة الخليجية وقرار مجلس الامن ۲۰۱۴ بخصوص اطلاق سراح المعتقلين على ذمة الازمة “الثورة” وقامت بالافراج عن الكثير من العناصر المتورطة باعمال ارهابية.
وتستغل القاعدة في اليمن مفهوم الديمقراطية والتظاهرات في حلحلة النقاط الامنية القوية في اليمن وذلك من خلال ارسال مجموعة شباب حاملين لافتات يطالبون بتغيير قائدها او يتهمونها باي شيء والحكومة تستجيب لمطالبهم على الفور . ويلعب الاعلام اليمني المحلي الذي يخضع لسيطرة احدى دول الجوار دورا بطمطمة الحقائق ودعم تنظيم القاعدة والمجموعات المسلحة من اجل خلق الفوضى داخل اليمن وابقاءه ضعيفا او حديقة خلفية .
ـ القاعدة مابين سوريا والعراق
لقد انسحبت القاعدة من العراق باتجاه منابعها الأصلية وما تبقى من القاعدة في العراق هي فصائل عراقية ومنها ” دولة العراق الإسلامية ” ، والتي كانت ولادتها خارج رحم التنظيم المركزي لمواجهة رفض الحواضن السابقة . أن قوات الأمن والجيش العراقية لم تستفد من مصادر المعلومات الأمريكية بعد انسحاب القوات الأمريكية فلم تعد هناك صور جوية، ولا طائرات استطلاع ، ولا عمليات فنية تعرضية ، مثل مايحصل في الباكستان واليمن من تعاون استخباري .
اما اسم “جند الشام” في سوريا فقد برز كتنظيم مثيرا علامات استفهام وتساؤلات حول أهدافه وهيكليته وخصوصا بعد اشتباكات مخيم عين الحلوة في ۲۴ أكتوبر/تشرين الأول ۲۰۰۵ لقد استطاع تنظيم القاعدة / تنظيم بلاد الشام توظيف الجغرافية لصالحه مابين العراق وسوريا والتي كانت وماتزال معبرا من والى البلدين لتنظيم القاعدة ، واستفاد تنظيم القاعدة في العراق من الجغرافية محليا أيضا عندما تمدد في المنطقة الغربية من محافظة الانبار الى ديالى والموصل وهذا ما سهل عليه ادارة معسكرات التدريب و الحركة والتنقل مستغلا التضاريس الصعبة للمنطقة وبعد الرقابة وهو ذات الاسلوب الذي اتبعه في دول تواجده الاخرى منها اليمن والباكستان وافغانستان والصومال.
ويرى بعض المراقبون بان احتمالات انهيار النظام السوري قد يوسع امتداد القاعدة مابين بلاد الشام والعراق، ويزيد من الفوضى ، وهذا ماجعل بعض القادة السياسيين في العراق تغيير تصريحاتهم تجاه النظام في سوريا .
لقد تعددت انواع واشكال العنف في العراق وسط شراكة سياسية بائسة ادخلت العراق في دوامة العنف والدمار، والفراغ السياسي والامني كان ومايزال احدى عوامل ذلك العنف ، رغم رحيل القوات الاميركية العام الماضي ۲۰۱۱ .
ان مايحدث في العراق وافغانستان واليمن والصومال هو ذات المشهد المستنسخ تشابهت فيه القوى والاطراف الداخلية والخارجية والعوامل ، رغم اختلاف المكان .

الكاتب: جاسم محمد