مهدی

التمهيد للظهور

كل العالم ينتظر المصلح الذي يغير العالم وينصف المظلوم من الظالم ويعطي لكل ذي حق حقه مع اختلاف النظريات والأفكار والاطروحات التي تتعلق بالمصلح والإصلاح ولكل وجهة نظر قد تختلف عن الأخر لكن الجميع يحملون نفس الفكرة الأساسية وهي وجود مصلح سوف يأتي ويغير الموازين ليجعلها متعادلة.

ونحن كشيعة نتبع مدرسة أهل البيت عليهم السلام نعتقد إن المصلح هو الإمام الحجة بن الحسن صلوات الله عليه وعلى إبائه الطاهرين وهو سوف يظهر أخر الزمان يملئ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا .

بعد هذه المقدمة نطرح سؤال يتداول في الأوساط العلمية الدينية وهو التمهيد لظهور الإمام عجل الله فرجه الشريف والسؤال يتفرع لعدة استفهامات نحتاج للإجابة عنها منها هل الإمام يحتاج الى تمهيد وهل نحن نستطيع ان نمهد لظهوره المبارك وكيف ذلك هل نحن مستعدون استعداد نفسي وفكري وعقائدي للظهور المقدس ام نحن غائبون عن هذه الحقيقة ونتعامل مع الموضوع بشكل عاطفي واذا كنا كذلك فلابد من الاستدراك وتصحيح الوضع ويبقى السؤال كيف نمهد ونستعد استعداد واقعي للظهور المقدس.

لا يخفى على متتبع مدى الضرر الذي لحق بنسيج الثقافة لدينا جراء تراكم السياسات الخاطئة في معالجة المشكلات الاجتماعية المتجذرة التي طرأت خلال هذه الفترة السريعة التحول من خلال وسائل الإعلام المختلفة المرئي منها والمقروء وأجهزة الاتصالات بمختلف أنواعها وسوء استخدام بعض مجتمعاتنا لهذه الوسائل وكذلك تهميش دور المثقف في الحياة العامة وتفكك الأسر ولتي نجدها اليوم من أهم المشكلات التي تواجه مجتمعنا .

و الذي نتج عنها قائمة طويلة من المشكلات انتشرت وبشكل سريع في المجتمع، مثل: سلوكيات سوء التوافق المدرسي لدى الطلبة والطالبات، وتزايد انحراف المراهقين والمراهقات، ومشكلة تعاطي الخمور والمخدرات، وشيوع سلوك السرقة لدى هؤلاء المنحرفين ، وتكاثر الأمراض النفسية الناتجة عن الخلافات الأسرية بين الآباء والأمهات والأبناء والبنات، والبطالة المنتشرة التي تؤثر سلبيا على سلوك الفرد، وغير ذلك كثير من المشكلات التي يصعب حصرها . مما أسس لنوع من الاعتقاد بهامشية الثقافة وعدم مقدرتها على معالجة المشكلات الاجتماعية ،أو الإسهام في بلورة حلولها.

كل هذه السلوكيات والأخلاقيات أفرزت لنا بعض العادات السلبية التي تفسد علينا فرحتنا بهذه المناسبة وباقي المناسبات في ذكر أهل البيت عليهم السلام .

ففي كل عام نحتفل بهذه الذكرى العزيزة والغالية على قلوبنا ونعاهد الله ونجدد البيعة والعهد لله ورسوله والإمام المهدي بالسير على طريق الهداية لاستقبال اليوم العظيم للظهور الشريف ونحن نمر بتلك الأنوار العظيمة نحيي أفراح أل البيت ومسراتهم عليهم السلام لأننا نريد أن ننال الشفاعة الكبرى عند رب العالمين.حيث قال الله تعالى في كتابه العزيز (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) صدق الله العلي العظيم.

إن ليلة النصف من شعبان والاحتفال بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) شيء جميل لو عرفنا معنى هذه أليلة وراعى مراسيمها بخلق إسلامي رفيع، لكن الملاحظ أن الوسائل والطرق تخرج عن حد الضوابط الشرعية كالتصفيق والرقص بإيقاعات وطرق غريبة لا تليق بقدسية هذه المناسبة، والغناء والطرب الذي يمارسه بعض الإفراد، كل هذا يحصل في مناسبة ولادة أمل الأمة وبقية الله في خلقه .

وظهور خفافيش الظلام بتلك الظواهر الغريبة والدخيلة على مجتمعنا وقيام هؤلاء بالتعبير عن فرحتهم بطريقة متخلفة نتاجه عن انحراف سلوكي حيث يقوم هؤلاء بقيادة دراجاتهم النارية او وسائل أخرى خارقين الطرقات طولاً وعرضاً وقيام البعض منهم بحركات مزرية تخل برجولة هؤلاء الإفراد وكرامتهم ، ضاربين بأنظمة الأمن عرض الحائط على مسمع ومرئي رجال الأمن ولمسؤولين عن امن المرور الذين يقفون في تلك الليلة وقفة المتفرج فرحين ومسرورين بهذه المناظر لكي ينقلوا صورة مشوه لقدسية هذه أليلة وغيرها من المناسبات ، فهل هذه الطريقة هي التي تجمعنا وتعبر عن فرحتنا بميلاد الأمل المنشود الذي ينقذ هذه الأمة من هذا الظلم آدا كنا نبحث عن التغير فيجب ان نغير أنفسنا أولا ونحرك مجتمعنا إلى الأفضل.

وعلينا إن ننظر إلى ما وراء الميلاد من حكم وعبر ومعاني جوهرية لا تخفى على ذوي عقل وفكر يحب المهدي ونعمل من اجل الاستعداد لظهوره الشريف ولقائه المرتقب في اليوم المحتسب في الأجل المسمى وفي اليوم الموعود.

فلنسأل أنفسنا عندما نحيي أمر أهل البيت( عليهم السلام) فنحزن لأحزانهم ونفرح لأفراحهم ،فهل نبقى ويستمر حالنا من الولاء والإحسان والموعظة التي نأخذها من مدارس أل البيت الكرام أم أنها مرحلة حزن أو فرح تمر دون اهتمام ووعي وتفكر.

قد يخطى من يظن إن إحياء مولد الإمام المنتظر هو فقط بإشعار مظاهر الفرح وترديد الأناشيد والمواليد بحب أل البيت ، نعم هو تعبير عن الحب والولاء لعتره النبي واله ولكننا في مرحلة خاصة جدا تمر بها الأمة الإسلامية وكل الأمم مرحلة تتطلب منا الاهتمام الكبير لتهيئة النفس البشرية لتقبل الأطروحة العالمية المقدسة للإمام المهدي وقبل كل شيء يجب توفر القاعدة الأساسية لذلك عن طريق الانتظار والاستعداد التام والشامل ان اهم الممارسات من “الأدعية والمناجاة والزيارات” لما تحمله من أهمية كبيرة، حيث تصنع في داخلنا حالة الانصهار الروحي والوجداني مع الإمام الحجة أرواحنا فداه وهذا الانصهار عنصر مهم من عناصر الانتظار، الارتباط النفسي والروحي والوجداني مع الإمام المنتظر، بمعنى أن يكون الإمام (ع) حاضرا دائما في قلوبنا، في مشاعرنا، في وجداننا، في أحاديثنا، في لقاءاتنا، في محافلنا .

إن الارتباط الروحي والنفسي مع الإمام المنتظر له ثمرات كبيرة منها.

يخلق الأمل في داخلنا، فلا نصاب باليأس والإحباط، رغم ما يعانيه واقعنا من إرهاصات ومحن وفتن وتحديات صعبة،

الارتباط بالإمام المنتظر يملؤنا بالقوة والعزيمة والصمود والثبات، فرغم المواجهات القاسية، واستنفار القوى الطاغوتية ضد المؤمنين إلا أن المرتبطين بالإمام المنتظر لا يصابون بالضعف والانهزام.

هذا الالتحام يخلق عندنا حالة الانضباط والاستقامة، فحينما نعيش إحساسا نفسيا عميقا بأن الإمام المنتظر يعيش معنا، يرقب مسيرتنا، يتألم حينما يرانا نمارس أي لون من ألوان الانحرافات أو المخالفات أو التجاوزات الشرعية, إن شعورنا بأن هذه المخالفات والمفارقات تشكل إزعاجات وتألمات عند إمامنا وقائدنا يجعلنا نراقب تلك الممارسات والسلوكيات والتصرفات بالشكل الذي يمنحها رضا الإمام وارتياحه.

أن الانتظار لظهور العدل الإلهي المقدس المتمثل بالإمام الحجة المنتظر هو واحدة من الرحمات الإلهية ولطف من ألطاف الله عز وجل ، ومسألة الانتظار هي عملية استغراق دائمة بالعبادة والطاعة لله ولرسوله الكريم وال بيته الطاهرين.

نقول صحيح أن المجتمع الذي يترك بعض الوصايا ويعمل بالبعض الآخر لن تتحقق له السعادة المطلقة ولكنه سوف لن يشقى الشقاء المطلق.

أن ما يحز في النفس حقاً إننا ننادي في كل زمان ومكان يا مهدي ياحسين ولكن هل نحن على ما يريده أهل البيت وما يريده الإمام الغائب بهذه الظواهر الغريبة وهذا التخلف الفكري والاجتماعي والعلمي من قبل هؤلاء الإفراد الذين ينتظرون هذه المناسبات كي ينالون من هذه الذكرى وكأنهم قدموا الأعداء أهل البيت خدمة مجانية .

نحن الآن أمام الأمر الذي يستدعي السؤال التالي :

إن الإمام على أتم الاستعداد للظهور ولا يحتاج الا الى القاعدة المخلصة والجنود الأوفياء الذين يمكنه الاعتماد عليهم في حركته التغيرية العالمية وعليه فيكون هو المنتظـِر لنا لا نحن الذين ننتظره، وهذا لا يعني ان ظهوره خارج عن الإرادة والمشيئة الإلهية بل ان مشيئة الله اقتضت الظهور عند تحقق مقدماته وليس من المصلحة ظهور الإمام دون تحقيق تلك المقدمات، والفهم الأول يبعث على التقاعس والتكاسل والانزواء والاتكال على الأمر الغيبي بينما الفهم الثاني يدفع الأمة الى التحرك ويبعث فيها روح الحماس ويشعرها بمسؤوليتها التاريخية، وهذا هو الفهم الصحيح.

فعلى الامة ان تعي انها هي المسؤولة عن تأخير الظهور بابتعادها عن الشريعة وعدم إصلاحها لنفسها وعدم ارتقاءها الى المستوى المنشود في العقيدة والوعي الأخلاق والتضحية لتكون السيف الذي يضرب به الإمام (عج) بطون الكفر والإلحاد والضلال، فالإمام ينتظر منا ان نكون امة رسالية قادرة على تغيير العالم ونشر لواء الحق في ربوعه لا الظهور بهذه المظاهر المسيئة والتي تعبر عن تخلف هؤلاء البشر المحسوبين على شيعة أمير المؤمنين وممن سوف يناصرون المهدي عج الله تعالى فرجه الشريف .

الكاتب: علي آل ثاني