المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

التنافس

التنافس نزعة متأصلة في داخل كل إنسان، وتعني التسابق نحو النفيس من الأمور في نظر المتنافسين. ونظرا لاحتمال وقوع الإنسان في خط التنافس على الأمور الحقيرة والابتعاد عن الأمور الخطيرة تدخل الإسلام في توجيه هذه النزعة لما يعود بالنفع على بني البشر. قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ سورة المائدة؛ آية ۴۸ فالتسابق في الخيرات هو منبع النفع ومصدر التقدم في المجتمع، ولازم هذا الأمر الابتعاد عن الشر وإبعاده عن محيط أبنائه. والرؤية الدينية لا تنظر إلى الخيرات بلحاظ مايجنيه المتنافسون في الدنيا فقط! وإنما تتجاوز ذلك فتأخذ الأطراف المتنافسة إلى عالم الخلد في الآخرة. قال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ سورة المطففين؛ آية ۲۶ والراغب في جنة الخلد يجب عليه العمل بجد ومثابرة وإخلاص حتى يحظى بالغفران والجائزة. قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ سورة آل عمران؛ آية ۱۳۳ فالتنافس إذا حالة طبيعية عند بني البشر، وعامل من عوامل تقدم الأمم والشعوب، إذا أتقن المتنافسون فن توظيفها في الاتجاه السليم.

مقومات التنافس الناجح

يقوم التنافس الناجح على ركائز؛ أهمها: مشروعية الأهداف والمنطلقات، ومشروعية الوسائل. والمشروعية تأخذ من الفكر والقانون الذي يدين به المجتمع، فالمشروع عند قوم أو أمة قد يكون محرم عند آخرين، نظرا لتبعية الحكم لما يتدينون به.

الأولى: مشروعية الأهداف والمنطلقات

يتصف العمل المتنافس فيه بالصلاح أو الفساد، وفي غير هاتين الصورتين ينسب إلى أحدهما بلحاظ الأَوْْل. قال السيد الأستاذ دام ظله: والصلاح ليس شيئاً جامداً، وإنّما هو حركة وعمل في الاتجاه الصحيح. وهو ليس فقط في أمور الدين كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما كل عمل يحكم العقل والدين بصلاحه، فبناء المساكن صلاح، وتعبيد الشوارع صلاح، وإقامة المصانع صلاح، وزراعة الأرض صلاح، وكل ما كان من شأنه عمارة الأرض فهو عمل صالح. واتصافهما بذلك يعود إلى: أولا: الهدف الذي يقف خلفهما، وإلا كان ظاهره صلاحا وباطنه فسادا كما هو المعمول به من قبل المستعمرين والمستغلين والانتهازيين. ثانيا: اتساق مفردات العمل مع مفهوم الصلاح. والدين الإسلامي خلق في معتنقيه تطلعاً نحو هدف سام وأمرهم بالتمحور حوله في صياغة الأهداف الصغيرة لأي عمل من الأعمال التي يتبنونها في مسيرتهم الحياتية أو ينافسون بعضهم البعض فيها، وحذرهم من الوقوع فيما يناقضه كالتمحور حول قيم الأرض أو التمحور حول الذات. وبهذا يمكن لنا أن نفهم الآيات الكثيرة، والروايات العديدة، الواردة في ذم الدنيا وحب الترأس والتسلط. كقوله تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (۱۰۷) أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (۱۰۸) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ (۱۰۹) ﴾ سورة النحل وقوله تعالى: ﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾ سورة يونس؛ آية ۷ وَقَول رَسُولُ اللَّهِ (ص): ﴿ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ؛ مَلْعُونٌ مَنْ فِيهَا، مَلْعُونٌ مَنْ طَلَبَهَا وَأَحَبَّهَا وَنَصَبَ لَهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾﴾. (۱) وَقَوله (ص): ﴿ يَا أَبَا ذَرٍّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ؛ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَنِ ابْتَغَى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَمَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّنْيَا، خَلَقَهَا ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهَا، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَتَرْكِ مَا أَمَرَ بِتَرْكِهِ، يَا أَبَا ذَرٍّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى أَخِي عِيسَى؛ يَا عِيسَى: لَا تُحِبَّ الدُّنْيَا فَإِنِّي لَسْتُ أُحِبُّهَا وَأَحِبَّ الْآخِرَةَ فَإِنَّمَا هِيَ دَارُ الْمَعَادِ ﴾. (۲) وَما رَوَاه مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع): أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فَقَالَ: إِنَّهُ يُحِبُّ الرِّئَاسَةَ. فَقَالَ (ع): ﴿ مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ تَفَرَّقَ رِعَاؤُهَا بِأَضَرَّ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ مِنَ الرِّئَاسَةِ ﴾. (۳) وَقَول الإمام الصادق (ع): ﴿ مَلْعُونٌ مَنْ تَرَأَّسَ مَلْعُونٌ مَنْ هَمَّ بِهَا مَلْعُونٌ مَنْ حَدَّثَ بِهَا نَفْسَهُ ﴾. (۴) وهذا الأمر من الأمور الخفية التي لايطلع عليها إلا علام الغيوب فليس صحيحا تحليل نوايا المؤمنين وترتيب الأثر عليها، نعم إذا بدر من المؤمن عملا يكشف عن سوء سريرة ينبغي القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما غيره ومع انتشار الفساد فحسن الظن من الحمق.

الثانية: مشروعية الوسائل

الامتحان الكبير الذي قد يسقط فيه البعض حينما يشتد التنافس والتسابق هو اللجوء إلى وسائل لا تنسجم مع الأهداف والمنطلقات التي اعتمدها كركيزة في العمل التنافسي. وربما تدخل الشيطان ليسعفه، فالغيبة والنميمة والبهتان والقذف والحسد والتسقيط … بل وتكميم الأفواه تحت ذريعة النفس السلبي، كلها أدوات تكون مشروعة بوساوس الشيطان أعاذنا الله وجميع المؤمنين من مكره وشراكه. والمؤمن عادة يلجأ إلى الله ويتوكل عليه ويعتصم به فيلتزم بالوسائل المشروعة من الصدق والإيثار والكرم والحرية والعزة والعمل الجاد والإخلاص … الخ. والدين الإسلامي حث على الالتزام بالفضائل، والتطبع بها، وحذر من الصفات السلبية، فقد جاء في السنة الكثير من الروايات التي تؤكد على ضرورة نبذها، وهي وإن لم ترد في مورد التنافس إلا أن حضورها أمام المتنافسين في زمان التنافس وما بعده تكون أكثر من ضرورة كي لا يقعوا في فخ الهوى وحبائل الشيطان، لذا من المناسب الإلماح سريعا إلى بعض ما قد يغيب عن أذهان البعض منا:

۱٫ العجب

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: ﴿ ثَلَاثٌ قَاصِمَاتُ الظَّهْرِ رَجُلٌ اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ وَ نَسِيَ ذُنُوبَهُ وَ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ﴾. (۵)

۲٫ الطمع

قَالَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع): ﴿ أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ ﴾. (۶) وَقَالَ الإمَام الْبَاقر (ع): ﴿ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ طَمَعٌ يَقُودُهُ وَبِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ ﴾. (۷)

۳٫ الحسد

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ع): ﴿ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (ع): يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ، فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي، صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي، وَمَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَ لَيْسَ مِنِّي ﴾. (۸) وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: ﴿ إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ ﴾. (۹)

۴٫ اضطراب العلاقات

قَالَ الإمَام عَلِي (ع): ﴿ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ (ص): بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ وَجْهَانِ يُقْبِلُ بِوَجْهٍ وَيُدْبِرُ بِوَجْهٍ إِنْ أُوتِيَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ خَيْراً حَسَدَهُ وَإِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاخْتَالَ وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالَ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَبَغَى وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ هَوًى يُضِلُّهُ وَنَفْسٌ تُذِلُّهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ طَمَعٌ يَقُودُهُ إِلَى طَبَعٍ ﴾. (۱۰) ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(۱) مستدرك‏الوسائل؛ ج۱۲، ص ۳۸٫ (۲) مستدرك‏الوسائل؛ ج۱۲، ص ۳۹٫ (۳) الكافي؛ ج۲، ص ۲۹۷٫ (۴) الكافي؛ ج۲، ص ۲۹۸٫ (۵) من‏لا يحضره ‏الفقيه؛ ج۴، ص۳۷۱٫ (۶) وسائل‏الشيعة؛ ج ۱۶، ص۲۵٫ (۷) الكافي؛ ج۲، ص ۳۲۰٫ (۸) الكافي؛ ج ۲، ص۳۰۶٫ (۹) الكافي؛ ج ۲، ص۳۰۷٫ (۱۰) مستدرك‏الوسائل؛ ج ۱۱، ص ۳۷۰٫

الكاتب: الشيخ محمد حسن الحبيب