الإمام

الثقافة الحركية في كلمات الإمام زين العابدين(ع)

نماذج من الثقافة الحركية في كلمات الإمام زين العابدين(ع)

1ـ الدعوة إلى المقاومة والصبر:

كانت معاناة شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في عهد بني أميّة عظيمة، فكانوا يلاحقونهم ويطاردونهم في كلّ مكان بسط بنو أميّة فيه سلطانهم .. وقد بلغ ذلك منهم مبلغاً عظيماً، فكانوا يشكون إلى الإمام زين العابدين (ع) ما يلقونه من أذى واضطهاد ومطاردة لهم، ومن التضييق عليهم في أرزاقهم، والتقييد الشديد لحريّاتهم، فكان (ع) يقول لهم:

(فما تمدّون أعينكم؟ لقد كان من كان قبلكم، ممن هو على ما أنتم عليه يؤخذ، فتقطع يده ورجله ويصلب، ثمّ يتلو (ع) : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاء).

2ـ بين الكلام والسكوت:

المعروف عند الناس، والموروث من الحكماء والمرّبين أن السكوت أفضل من الكلام، ولو كان الكلام من الفضّة كان السكوت من الذهب.

وليس هذا بصحيح على إطلاقه.

وإنّما قال به الحكماء والمربّون، لأن آفات الكلام أكثر من آفات السكوت، ولكن ذلك لا يبرّر تفضيل السكوت على الكلام.

ولو كان السكوت فضيلة لذهب الحقّ، وذهبت مواريث الأنبياء، ولم يكن هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله، وذهب العلم والمعرفة … (والكلام) هو السبيل إلى العلم والمعرفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، ونقل مواريث الأنبياء والأوصياء.

وقد يكون في تفضيل السكوت على الكلام دعم وإسناد لأئمّة الظلم في السكوت عن مظالمهم، وسيّئآت أعمالهم، وهو ما كان يشيعه بعض المتفقّهة من أعوان الظلمة في تلك الأيّام: أن السكوت أفضل من الكلام، والقعود خير من القيام، والاضطجاع خير من القعود… إلى آخر ما كانوا يتّخذونه تبريراً لدعوة الناس إلى السكوت عن الظالمين والمنحرفين.

وقد سُئل زين العابدين (ع) ، عن السكوت والكلام: أيّهما أفضل، فقال: )لكلّ واحد منهما آفات، وإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت، لأن الله عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، وإنّما بعثهم بالكلام.

ولا أستحقّت الجنّة بالسكوت.

ولا أسُتوجبت ولايّة الله بالسكوت.

ولا تُوُقّيت النار بالسكوت.

ولا يُجَنَّبُ سخط الله بالسكوت.

إنّما كلّه الكلام، وما كنت لأعدل القمر بالشمس.

إنكّ تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت) .

3ـ حثّ الشباب على طلب العلم:

لمواجهة الخطوط المنحرفة لم يكن هناك أمر أفضل من أن يتفرّغ الشباب المؤمنون الصالحون لطلب العلم، ليقوموا بنشر ما ورثه أهل البيت (عليهم السلام) من رسول الله  (ص) ، امتثالًا وتنفيذاً لقوله تعالى: ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) التوبة 122.

فكان عليّ بن الحسين (ع) يقول للشباب إذا أقبلوا على طلب العلم: )مرحباً بكم. أنتم ودائع العلم، أنتم صغار قوم، يوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين) .

وكان (ع) يقول: )لو علم الناس ما في طلب العلم، لطلبوه ولو بسفك المُهَج وخوض اللُّجَج).

وقد تواصل أهل البيت (عليهم السلام)، من بعد الإمام زين العابدين (ع) في دعوة الشباب إلى أن يحملوا عنهم ميراث رسول الله من العلم … وكانوا يوضحون للناس أن الذي يحملونه من العلم ليس من الرأي والاجتهاد كالذي يحمله غيرهم، وإنّما هو علم رسول الله (ص) وحديثه، حمله عنه أهل بيته كابراً عن كابر.

وقد قال عليّ بن الحسين (ع) لرجل شاجره في مسألة من الفقه: )يا هذا! لو صرت إلى منازلنا، لأريناك أثر جبرئيل في رحالنا، أيكون أحد أعلم بالسُنّة منا؟!)  .

روى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن ابن شبرمة، قال: )ما ذكرت حديثاً سمعته من جعفر بن محمّد (الصادق) إلا كاد أن يتصدّع قلبه. قال: (حدّثني أبي، عن جدي، عن رسول الله (ص)، قال ابن شبرمة: وأقسم بالله ما كذب أبوه على جده، ولا جدّه على رسول الله (ص).

وسأل رجل أبا عبد الله الصادق (ع) في مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال له: مَهْ، ما أجبتك من شي ء فهو عن رسول الله (ص) . لسنا مِن أرأيت في شي ء) .

وهكذا كان أهل البيت (عليهم السلام) يحرصون أن يذكّروا الناس بأن ما لديهم من علم ليس من رأي واجتهاد، كما عند الآخرين، وإنّما هو ميراث رسول الله (ص) من الحديث ورثوه عن آبائهم كابراً عن كابر عن رسول الله (ص).

وكانوا يحرصون أن يُوَجّهوا شباب شيعتهم أن يحملوا عنهم هذا العلم، ويبلّغوه للناس، كما يحدّثون به، دون إضافة أو نقص.

4ـ المنهج الصحيح للتقييم:

لقد كانت الفترة فترة هرج ومرج للأفكار والمذاهب، وظهرت في هذه الفترة مذاهب وخطوط دينيّة وثقافات وقيادات دينيّة منحرفة… وكان بنو أميّة يشجعون هذه المذاهب المنحرفة لغايّة في أنفسهم.

وكان أصحاب المذاهب والخطوط الدينيّة المنحرفة يتفنّنون في كسب ثقة الناس وخداعهم، وتغريرهم.

وقد خُدع بهؤلاء جمع غفير من الناس، أخذوا بضلالهم، وتركوا منهج آل محمّد )ص( في الأصول والفروع الذي أوصى به رسول الله )ص( في حياته مرّات كثيرة.

والمشكلة في اغترار الناس بهؤلاء، وإلا فلن تخلو الأرض من دعاة الباطل وأتباع الشيطان.

والسبيل الصحيح لعلاج هذه المشكلة هو تثقيف الناس بالمقاييس الدقيقة لمعرفة الإنسان الصالح، فإن الثقافة الصحيحة في التقييم تُحصّن الناس في التقييم، وتعلّمهم أين يضعون ثقتهم، وتحصّنهم من مزالق الشيطان في العلاقات الاجتماعيّة، كما أن التقوى تحصّنهم.

والإمام زين العابدين )ع( يقدّم إلى النّاس المقياس الدقيق للتقييم والتصحيح، ويحذر الناس تحذيراً شديداً من أن يغترّوا بالذين يتظاهرون للناس بحسن السمت والهَدْي، ويُحْسنون هذه الصناعة، ويتماوتون في منطقهم، وكَأَنَّ السعي للآخرة والزهد في الدنيا قد أنهكهم، وسلب منهم قوّتهم ونشاطهم، ويتخاضعون في حركاتهم فيحذر الإمام )ع( الناس عن الاغترار بهم.

فإن في الناس من لا يستطيع ركوب الحرام ونيل الدنيا من مواردها المحرّمة، لا بسبب التقوى، وإنّما لعجزه وضعفه عن نيل الحرام، وليس كلّ أحد بقادر على ارتكاب الحرام، فإن ارتكاب بعض الحرام يحتاج إلى جرأة وشجاعة قد يفقدها بعض الناس.

فلا يزالون ينصبون للناس فخاخاً حتى يكسبوا ثقة الناس ويتمكّنوا من الحرام، فإذا تمكّنوا من المال الحرام لم يصدهم عنه تقوى ولا ورع.

ثمّ يحذّر الإمام )ع( الناس من الاغترار بالذين يكفّون أيديهم وبطونهم وفروجهم عن الحرام، حتّى مع التمكّن منه … فإن شهوات الناس في الحرام مختلفة … فقد يكفّ أحدهم نفسه عن وجوه من الحرام، ولكنّه يقبل على حرام قبيح تشمئزّ منه النفس فيرتكبه … فليس ابتعاده عن الحرام من التقوى والورع في شي ء.

وقد يكفّ الإنسان نفسه عن كلّ وجوه الحرام، وهو قادر عليها، فلا يرتكب منها شيئاً… فلا ينبغي أن يغترّ الناس بهم … حتى يعرفوا حجم عقله … فقد يكفّ عن كلّ وجوه الحرام، ولكنّه لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده، إذا تصدى لشؤون الناس، أكثر مما يصلحه.

وقد يملك العقل الذي يميّز به الصواب عن الخطأ، فلا ينبغي أن يغترّ الناس بعقله ورشده، حتى يتضح لهم أن عقله يتبع هواه، أم هواه يتبع عقله، وكيف يكون إقباله على الرئاسات الباطلة … فإذا كان هواه غالباً على عقله، وكان مقبلًا على الرئاسات الباطلة، فيجب على الناس أن يحذروه على دينهم ودنياهم، حتى لو كان يحفظ نفسه عن الحرام، ويعفّف بطنه ويده وفرجه عمّا حرّمه الله… فربّ إنسان يترك الكثير من لذاته من وجوه الحلال والحرام ليكسب ثقة الناس، ويبلغ الرئاسات الباطلة، فإذا بلغها حلّل الحرام، وحرّم الحلال، وتخبط خبط عشواء. هذه المقاييس كلّها باطلة.

والمقياس الحقّ هو أن يجعل الرجل هواه تبعاً لحكم الله، ويحتمل مرارة الحقّ، وإن شقّت عليه على الباطل وإن طاب له.

هذا هو المقياس الذي لابدْ من أن يتبعه الناس وهذا المقياس هو التقوى و الورع.

وكلّ ما دون (التقوى) و (الورع) فلا ينبغي أن يكسب ثقة الناس.

وإذا أخذ الناس بهذا المقياس أمنوا من الوقوع في الضلالات، ولكن مشكلة الناس في الاختيار والتقييم هي أنّ العواطف تحكمهم، ولو أنّهم حكّموا عقولهم ومقاييس دين الله في الاختيار، لم يقعوا في الضلالات التي يقعون فيها.

جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) في معركة الجمل، وشكى إليه ما يعانيه من الشكوك والوساوس فيما يصنعونه من قتال الناس في الجبهة المقابلة وفيهم أمّ المؤمنين عائشة والصحابيّان المعروفان الزبير وطلحة، فماذا عساه أن يفعل في هذه المقابلة، وكيف يشهر السيف على جبهة فيها زوجة رسول الله وكبار صحابته؟ فقال (ع) له: (ويلك إنّك لملبوس عليك، إعرف الحقّ تعرف أهله).

لقد عاش زين العابدين (ع) فترة صعبة، يتخبّط فيها الناس بين علماء البلاط، والدعاة إلى المذاهب المنحرفة، وحكومات ظالمة طائشة، ومعارضة منحرفة (الخوارج)، وفقهاء يحيدون عن الصراط المستقيم الذي رسمه لهم رسول الله (ص) في حديث الثقلين، وخطوط ومذاهب فكريّة… وليس كلّ الناس يملك القدرة على التشخيص والتمييز، فوضع (ع) في هذا الحديث الميزان الدقيق لمعرفة الحقّ عن الباطل، والتمييز بين أئمّة الهدى وأئمّة الضلال.

ولسنا نحن في عصرنا بأحسن حالًا من العصر الذي كان يعيشه الإمام زين العابدين (ع) … وهذا الحديث ينفعنا ويثقّفنا في الاختيار، كما كان ينفع الناس في عصر عليّ بن الحسين (ع).

كلمة الإمام زين العابدين في معايير التقييم:

فلنستمع إلى الإمام زين العابدين (ع) وهو يوضح لنا النهج الصحيح للاختيار والتقييم.

يقول (ع): )إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً، لا يغرّنكم.

فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا، وركوب الحرام منها، لضعف نيّته، ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخّاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه.

وإذا وجدتموه، يعفّ عن المال الحرام، فرويداً، لا يغرّنكم.

فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام، وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً.

فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك، فرويداً، لا يغرّنكم.

حتى تنظروا ما عُقدة عقله؟ فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثمّ لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسد بجهله أكثر مما يصلحه بعقله.

فإذا وجدتم عقله متيناً، فرويداً، لا يغرنّكم.

حتى تنظروا، أمع هواه، يكون على عقله، أم يكون مع عقله، على هواه؟ وكيف محبّته للرئاسات الباطلة؟، وزهده فيها؟

فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة، يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة، حتى إذا قيل له: إتق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد.

فهو يخبط خبط عشواء، يوفده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمدّ به- بعد طلبه لما لا يقدر عليه- في طغيانه، فهو يحلّ ما حرّم الله، ويحرّم ما أحلّ الله، لا يُبالي ما فات من دينه إذا سلمت له الرئاسة التي قد شقي من أجلها.

فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً مهيناً.

ولكن الرجل، كلّ الرجل، نِعْمَ الرجل، هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله، وقواه مبذولة في رضا الله، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّيه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وأن كثير ما يلحقه من سرّائها- إن تبع هواه- يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال.

فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا، وبسنّته فاقتدوا، وإلى ربكم فتوسّلوا، فإنّه لا تردّ له دعوة، ولا يخيب له طلبه(.

5ـ من أين يتلقّى المؤمنون الحكمة؟

عن الإمام زين العابدين (ع) أنّه قال: )لا تحتقروا اللؤلؤة النفيسة أن تجتلبها من الكبا الخسيسة  ، فإن أبي حدّثني، قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: إن الكلام من الحكمة لتلجلج في صدر المنافق نزاعاً إلى مظانّها حتى يلفظ بها، فيسمعها المؤمن، فيكون أحق بها وأهلها فيلقفها).

إن حاجة المؤمن إلى الحكمة شديدة وعظيمة لأن الحياة بالنسبة إليه جهاد واجتهاد، جهاد للهوى (وهو الجهاد الأكبر(، وجهاد للطاغوت (وهو الجهاد الأصغر)، واجتهاد في العمل لتحقيق مرضاة الله ولبلوغ الكمال والقرب إلى الله وخلافة الله على الأرض، وهذه الحياة الكادحة تحوجه دائماً إلى الحكمة التي تمنحه البصيرة والنور، وتسدّده وتبصّره، وتمنحه القوّة والعزيمة على طريق ذات الشوكة.

وهذه كلّها يجدها المؤمن في الحكمة، والحكمة كما ورد في الحديث ضالّة المؤمن يبحث عنها ويسعى إليها أينما يجدها، لإنجاح أعماله وجهاده واجتهاده وسعيه وكدحه وتسديدها.

حتى لو كانت الحكمة بيد المنافق والكافر، يسعى إليها المؤمن، وليس على وجه الأرض من هو أحقّ بها منه، فيتلقّفها منه كما يتلقّف الناس الدينار والدرهم.

إنّ هناك طائفة من الحِكَم تؤدّي إلى إنجاح المشاريع والأعمال التي ينهض بها الإنسان في حياته … وهذه الحِكَم يكسبها الإنسان بالتجربة والخبرة، وليس بوسع الإنسان أن يكسب بتجاربه الشخصيّة كلّ ما يحتاجه من عوامل التوفيق والنجاح … ولا غنى له من أن يتزوّد بتجارب الآخرين وخبراتهم في إنجاح المشاريع والأعمال.

وهذه الخبرات والتجارب قد نكسبها من اناس غير صالحين، إلا أنّها نافعة ومفيدة وضروريّة للمؤمنين في مشاريعهم وأعمّالهم وتحرّكهم، رغم أن الذين يحملونها غير صالحين، فلا بدّ وأن نسعى إليها ونتلقّاها ونتلقفّها ونكسبها منهم، وإن كانوا غير صالحين.

وليس على المؤمنين من بأس أن يكسبوا خبرات العمل والحركة وتجاربها من أيدي أناس غير صالحين وغير مؤمنين.

فإن الحكمة ضالّة المؤمن، كما ورد في الرواية، يتلقّفها أينما وجدها، وإن كانت في موضع غير نظيف.

والحكمة تتلجلج (تتردّد) في صدور المنافقين، فإذا نطقوا بها، لم يكن أحد أحقّ بها من المؤمنين، لئلا يبدأوا مشاريعهم وأعمّالهم وتجاربهم من نقطة الصفر، وإنّما يتحرّكون من حيث انتهى الآخرون إليه، في تجاربهم وخبراتهم.

وهذا هو ما يريده الإمام زين العابدين (ع) في كلمته التي رويناها قبل قليل.

وهذه الكلمة جديرة بأن نتوقّف عندها بعض الوقت.

ماهي الحكمة؟

الحكمة مشتقّة من الإحكام، بمعنى الإتقان الذي لا يُبْقي في العمل ثغرة، ولا ثلمة، ولا خللًا.

ومن خلال استعمالات الكلمة في القرآن والسنّة والنصوص والأدبيات الإسلاميّة نجد أنَّ هذه الكلمة تطلق على ثلاثة معان، على نحو الاشتراك المعنويّ، وهي:

1ـ الحكمة بمعنى المعارف الحقّة التي لا ينفذ إليها الباطل، نحو معرفة المبدأ والمعاد، ومعرفة الجلال والجمال الإلهيّين

)معرفة الله ومعرفة صفاته الحسنى)، ومعرفة سنن الله تعالى في الكون والتاريخ والمجتمع، ومعرفة علاقة العبد بالله من الإنابة والمخافة والتوبة والتضرّع والخشيّة والطاعة والحبّ والشكر والثناء والحمد والدعاء والحياء والتضرّع والسكون إلى ذكر الله وغير ذلك من وجوه العلاقة بالله، وهو محصن العقل والوعي والفهم والبصيرة.

ومن هذا الباب قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لقمان: 12.

وقد ورد في تفسير الحكمة في هذه الآيّة عن الإمام موسى بن جعفر (ع) بأنّها (الفهم والعقل) ، بمعنى وعي المبدأ والمعاد ووعي الجلال والجمال ووعي موضع العبد من الله تعالى وعلاقته به.

ومن هذا المعنى قوله تعالى: (وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) مريم: 12.

وقوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) البقرة: 269.

وقد ورد في تفسير الحكمة في هذه الآيّة الكريمة عن الإمام الباقر (ع) أنّها هي (المعرفة) .

وعن رسول الله (ص): رأس الحكمة مخافة الله  .

وعنه (ص): خشيّة الله رأس كلّ حكمة.

وعنه (ص): رأس الحكمة طاعته  .

وهذا باب واسع من الحكمة، وحسبنا منها هذا البيان.

2ـ معرفة ثقافة الوحي في حدود الله تعالى في علاقة الإنسان (بنفسه)، و (بالآخرين) مِن مؤمن وغير مؤمن وأعداء وخصوم وأصدقاء، والقريبين منه والبعداء و (بالطبيعة)، وكيف يتعامل الإنسان مع هذه الأطراف الثلاثة وما يحبّه الله وما يمقته، في هذه العلاقات ونهجها وإدارتها.

وهي منظومة واسعة من الحدود الإلهيّة والأفكار والمفاهيم والمعارف والثقافات النظريّة والعلميّة التي جاء بها الأنبياء من عند الله تعالى من خلال الوحي في مجال العلاقة بالنفس والمجتمع والطبيعة، وتغلب عليه صفة الموعظة.

ولعلّ من ذلك قوله تعالى: (وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه ) البقرة: 231

3ـ الوسائل العمليّة التي تمكّن المؤمن من تحقيق أهدافه وغاياته التي يسعى إليها في الحياة الدنيا. وهذه الوسائل تكتسب غالباً بالتجربة والخبرة العمليّة، كما تكتسب من تجارب الآخرين وخبراتهم.

ولعلّ إلى ذلك يشير قوله تعالى:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) النحل: 125

وهذه التجارب والخبرات كثيرة في حقول مختلفة من الحياة مثل التجارب القياديّة والإداريّة، وتجارب السوق والتجارة، وتجارب العلاقات الاجتماعية، والتجارب العسكريّة، وتجارب الحياة الزوجيّة وغير ذلك، فهذه التجارب تمكّن الإنسان من تحقيق غاياته وأهدافه، فإن كان مؤمناً تمكّنه من تحقيق رضا الله تعالى والوصول إلى مرضاته، وان كان فاسقاً ومنافقاً تمكّنه من الوصول إلى أهدافه وغاياته أيضاً.

فهي وسائل تمكّن الإنسان من تحقيق أهدافه … كلّ بحسبه. وقد استعملت هذه الكلمة في المعنى الأخير كثيراً في الأحاديث الإسلاميّة.

فعن الإمام الباقر (ع): قيل للقمان: ( ما الذي أجمعت عليه من حكمتك؟ قال: ألا أتكلّف ما قد كفيته، ولا اضيّع ما وليته.

وعن الإمام الكاظم (ع) أنّه قيل للقمان : (ما يجمع من حكمتك؟ قال: لا أسأل عمّا كُفيته، ولا أتكلف ما لا يعنيني).

وعن رسول الله (ص) : إن الرفق رأس الحكمة  .

بماذا يكسب الإنسان الحكمة؟

القسم الأوّل والثاني من الحكمة متقاربان ويكتسبها، الإنسان بالتقوى، وبذكر الله، ومغالبة الهوى، وغض البصر، وكفّ اللسان عمّا حرّم الله طبقاً لما ورد في مصادر الوحي.

وقد ورد في حديث المعراج المعروف وهو من الأحاديث القدسيّة الشريفة:

يا أحمد! إن العبد إذا جاع وحَفِظ لسانه عَلَّمتُهُ الحكمة، وتكون حكمته له نوراً وبرهاناً وشفاءً ورحمةً، ويعلم ما لم يكن يعلم، ويبصر ما لم يكن يبصر، فأوّل ما أُبصّره عيوب نفسه حتى يشتغل بها عن عيوب غيره، وأبصّره دقائق العلم، حتى لا يدخل عليه الشيطان.

يا أحمد! ليس شي ء من العبادة أحبَّ إليّ من الصمت والصوم، فمن صام ولم يحفظ لسانه كان كمن قام ولم يقرأ في صلاته، فأعطيه أجر القيام ولم أعطه أجر العبادة  .

وقيل للقمان (ع): )ألست عبد آل فلان؟ قال: بلى. قيل: فما بلغ بك ما نرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك مالا يعنيني، وكفّ لساني، وعفّة طُعْمتي، فمن نقص عن هذا فهو دوني، ومَن زاد عليه فهو فوقي، ومَن عمله فهو مِثلي) .

وعن الإمام الصادق (ع): من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه  .

وعن أمير المؤمنين (ع) : القلب يتحمّل الحكمة عند خلو البطن، والقلب يمجّ الحكمة عند أمتلاء البطن.

وعن أمير المؤمنين (ع) أيضاً: لا تجتمع الشهوة والحكمة .

وعن الإمام الصادق (ع) : الغضب ممحقة لقلب الحكيم، ومن لم يمتلك غضبه لم يملك عقله .

وعن السيّد المسيح عيسى ابن مريم (عليهماالسلام): بحقِّ أقول لكم: إنّ الزرع ينبت في السهل، ولا ينبت في الصفا، وكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبِّر الجبّار. ألم تعلموا أنّه من شمخ برأسه إلى السقف شجّه، ومن خفض برأسه عنه استظلّ تحته وأكَنّه؟ وكذلك من لم يتواضع لله خفضه، ومن تواضع لله رفعه.

إنّه ليس على كلّ حال يصلح العسل في الزقاق  ، وكذلك القلوب ليس على حال تعمر الحكمة فيها، إن الزقّ مالم ينخرق أو يقحل أو يتفل فسوف يكون للعسل وعاء، وكذلك القلوب مالم تخرقها الشهوات ويدنسها الطمع ويقسيها النعيم فسوف تكون أوعيّة للحكمة  .

ومن العوامل التي تكسب الإنسان الحكمة التفكير. وقد ورد عن رسول الله (ص) في هذا المعنى:( لم يكن لقمان نبيّاً، ولكن كان عبداً كثير التفكير، حسن اليقين، أحبّ الله فاحبه، ومنَّ عليه بالحكمة ) .

إذن الحكمة يتلقاها الإنسان بقدر ما يروّض نفسه بالتقوى، وطاعة الله، وذكر الله تعالى، وكفّ النفس عن الهوى، وكفّ اللسان عن الثرثرة، وضبط الجوارح والجوانح عن الحرام، والامتناع عن الاستغراق في اللّذات المباحة.

بهذه العوامل الثلاث: (الذكر، والتقوى، والزهد):

ذكر الله تعالى (الذكر).

وكفّ النفس عمّا حرّم الله (التقوى).

والتحرّر عن التعلّق بالدنيا وطيباتها (الزهد).

بهذه العوامل الثلاث يفتح الله قلوب عباده للحكمة وتتنزّل على قلوبهم الحكمة من عند الله.

ولعلّ الآيّة الكريمة من سورة (البقرة: 282 ) تشير إلى ذلك: (وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ).

وقد روي عن أمير المؤمنين (ع( : (من خزائن الغيب تظهر الحكمة)  .

إن هذا القسم من الحكمة تنزل على قلب الإنسان من عند الله، إذا حضّر العبد قلبه لاستقبال الحكمة من عند الله، واستقاها من مصادر الوحي. ولا يجوز ولا يصح أن نأخذ هذا القسم من الحكمة من أيّ يد، إلا أن نطمئنّ إلى نظافتها وسلامتها وأمانتها وارتباطها بمصادر الوحي، ولو كان ذلك عبر وسائط عديدة.

قيمة الحكمة في حياة الإنسان:

إن للحكمة دوراً عظيماً في بناء شخصيّة الإنسان وتمكينه من أهوائه وشهواته، وتجريده عن التعلّقات التي تعيقه عن الحركة إلى الله، كما تفتح قلب العبد على فيوضات النور والرحمة النازلة من لدن الله على قلوب الصالحين من عباده، عن رسول الله) ص( أنّه قال : كاد الحكيم أن يكون نبياً  .

وعنه(ص) أيضاً: كلمة حكمة يسمعها المرء خير من عبادة سنة  .

وعن أمير المؤمنين(ع): من خزائن الغيب تظهر الحكمة  .

وإن للحكمة من التأثير والنفوذ في قلوب الناس وعقولهم ما يقلّ نظيره في العوامل الأخرى التي تدخل في تكوين شخصيّة الإنسان.

عن أمير المؤمنين )ع( : لو القيت الحكمة على الجبال لقلقلتها  .

وهي كلمة عظيمة تستوقف الإنسان. لو أنَّ الجبال على شموخها وعظمتها كانت تعي الحكمة لاضطربت من قوّة تأثير الحكمة ونفوذها.

القسم الثالث من الحكمة:

وهذا القسم يأتي إلى النّاس في الغالب من خلال التجربة والخبرة، التي يكسبها الإنسان بتجاربه الشخصية، كما يكتسبها من تجارب الآخرين، ويخسر الإنسان كثيراً، إذا اقتصر في كسب الحكمة من هذا القسم على تجاربه الشخصيّة.

إنَّ حياة عقلاء العالم مليئة بالتجارب النافعة في تحقيق الغايات الصعبة، وفي تذليل المهمّات الشاقّة، ولابدّ للمؤمنين أن يتزوّدوا بما يكسبه الناس (عامّة الناس) من الحكمة، سواءً منهم المؤمن أم المنافق أم الكافر، فإن الحكمة سلاح وقوّة، تمكّن الإنسان أن يحقّق غاياته وأهدافه وتُنَجّحُ المشاريع التي ينهض بها في علاقته بالناس، وفي إدارة الدولة وقيادتها، وفي إدارة الأعمال والمشاريع الاقتصاديّة، وفي طلب العلم، وفي كسب الأصدقاء، وفي إنجاح الثورة، وفي الإبداع العلميّ والفنيّ، وفي قيادة الجيش وإدارته، وفي الدخول في الحروب، وفي المشاريع السياسيّة وأمثال ذلك.

في هذه المشاريع والأعمال لا بدّ من أن يستعين المؤمنون بتجارب الناس من قبلهم، ويكسبوا هذه التجارب، حتى لا يبدأوا من نقطة الصفر، وليس على المؤمنين من بأس أن يكسبوا هذه التجارب، من المؤمنين أو المنافقين أو الكفّار … فإن التجربة سلاح وقوّة، نكسبها من أيّ مصدر نعرفه.

وهذا هو معنى الثالث من الحكمة.

وإلى هذا المعنى من الحكمة تشير نصوص الروايات الإسلاميّة، عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: الحكمة ضالّة المؤمن، فاطلبوها، ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها  .

وعن أمير المؤمنين (ع): الحكمة ضالةّ كلّ مؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق  .

وهذا المعنى هو المقصود بالكلمة التي يرويها الرواة عن زين العابدين (ع) في قوله : لا تحتقروا اللؤلؤة النفيسة أن تجتلبها من الكبا الخسيسة، فإن أبي حدّثني، قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: إن الكلام من الحكمة لتلجلج في صدر المنافق نزاعاً إلى مظانّها، حتى يلفظ بها، فيسمعها المؤمن، فيكون أحقّ بها وأهلها فيلقفها  .

6ـ الصبر والثبات:

كانت الأيّام صعبة، وكان بنو أميّة يتعاملون مع خصومهم من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بقسوة وضراوه، يلاحقونهم، ويضايقونهم في أرزاقهم، ويحبسونهم، ويقتلونهم، ويطاردونهم.

ولقد كانت هذه الفترة واحدة من أشقّ الفترات التي مرّت على شيعة اهل البيت (عليهم السلام)، على أيدي عمّال بني أميّة وجلاوزتهم.

فكان زين العابدين (ع) يجد فيهم أحياناً تذمّراً ووهنا وشكوى، وسؤالًا: متى يكون الفرج من هذا الضيق؟ وكأنّهم كانوا يستبطؤون الفرج الذي وعدهم الله تعالى به، يمدّون أعينهم إلى فرج قريب من كلّ هذا الضيق والعسر، فلا يجدونه، فكان يقول لهم زين العابدين (ع):

فما تمدّون أعينكم؟ ألستم آمنين؟ لقد كان من قبلكم، ممن هو على ما أنتم عليه، يؤخذ فتقطع يده ورجله ويصلب! ثمّ يتلو )ع) : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء ….. ) البقرة: 214  .

إن الآيّة التي استشهد بها الإمام زين العابدين (ع) في تثبيت أصحابه وشيعته أمام الإرهاب الأمويّ أيّة في كتاب الله، وفي ضوء هذه الآية، يستهين الإنسان بما يلقاه في جنب الله من أعداء الله، بالقياس إلى ما كان يلقاه أصحاب الأنبياء (عليهم السلام) من قبلنا، أتلوها عليكم، فاسمعوها:

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب ) البقرة: 214.

إنّ الطريق إلى الجنّة طريق صعب عسير، لا ينالها الناس إلا بعد اجتياز الطريق الصعب العسير، طريق ذات الشوكة.

يقول تعالى: (وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِين) آل عمران:  141ـْ 142

إنّ الناس ينشطرون من قبل أن تقوم الساعة وقبل أن يدخل المؤمنون الجنّة إلى شطرين، الذين جاهدوا وصابروا، والذين أخلدوا إلى الأرض وتثاقلوا عن الجهاد وجزعوا عن القتال ورضوا بالحياة الدنيا، فيرزق الله المؤمنين الذين علم الله منهم الجهاد والمصابرة الجنّة، والذين أَسَفَّوّا، وأخلدوا إلى الحياة الدنيا، ورضوا بها مرجوون لرحمة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء حاسبهم وعاقبهم على خلودهم إلى الدنيا، وتثاقلهم عن القتال في سبيل الله.

يقول تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُون) التوبة: 16.

ولا يدخل الناس الجنة إلا بعد أن يفرز الله (يعلم الله) الذين جاهدوا منهم، وأخلصوا ولاءهم لله تعالى، ولم يتّخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين أولياء يسرّون إليهم بولائهم وحبّهم (وليجة) في السرّ، فإن الله تعالى خبير بسرّهم وعلنهم.

الكاتب: محمد مهدي الاصفي