الثقل الأكبر

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ حديث الثقلين،المروي عند المسلمين، حديث سائر على الألسن مبثوث في الكتب،وهو محور في الاستدلال على إمامة أهل البيت،وقد ورد بألفاظ متقاربة، فمن ألفاظه “إنّي تارك فيكم الثِّقلين ، كتاب الله وعترتي ، أهل بيتي”، وكلمة(ثقل) في اللغة ضدّ الخفّة(۱) ،ويستعمل (الثقل) في الثقيل والكثير ماديّا وعدديّا،وفي ذي النفاسة والثقل والأهميّة المعنويّة،فمثال الأوّل استعماله في الإنس والجن،لكثرتهما قال تعالى{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ}[الرحمن:۳۱] وقوله تعالى {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا}[الزلزلة:۲]،ومثال الثاني استعماله صفةً للوحي، قال تعالى {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}[المزمل:۵]،وللحق،قال أمير المؤمنين “والحقّ كلّه ثقيل”،بلحاظ أنّ العمل به لايخفّ على النفس ولا تشتهيه،بل يصعب ويثقل.

والمراد من (الثقل) في هذا الحديث النفاسة والقيمة المعنويّ والمعرفيّة الفائقة،فالقرآن والعترة لايوزن بهما شيء إلاّ رجحاه ، ويجوز أيضا أن تكون هذه التسمية باعتبار ثقل العمل بهما واتّباعهما،قال ابن الأثير:[ سمّاهما ثقلين(الكتاب والعترة) لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل. ويقال لكلّ شيء خطير نفيس: ثقل. فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما](۲) .

وقد دأب علماؤنا حين ذكرهم هذا الحديث على تحقيق دلالته على إمامة أهل البيت، ومرجعيّتهم الشاملة للأمّة ووجوب التمسّك بهم، وأنّهم لايخالفون القرآن ممّا يدل على عصمتهم،و…الخ،ولاتكاد تجد من يعطف قلم التحقيق فيه إلى الثقل الأول الوارد فيه،أعني القرآن الكريم،بل تجري بهم خيول الأقلام سراعاً صوب أهل البيت عليهم السلام،ذلك لأنّهم يتناولون هذا الحديث عادةً وغالباً في معرض محاججة منكري الإمامة من العامّة ،فطبيعة الحال تقتضي التركيز على الثقل الثاني الوارد فيه،وهذا لا كلامَ فيه،فإنّ كلّ متكلّم يأخذ من الدليل ما يقتضيه المقام.

إنّما الكلام كلّ الكلام فيما يعلق في بعض الأذهان ويردّده فلان وفلان من أنّ في أهل البيت عليهم السلام غناءً عن القرآن، وأنّ في ترويج علومهم كفاية عن ترويج كتاب الله المنزل،حتى أنّ بعض طلبة العلم – على ما نُقل- يعيب النهضة القرآنيّة في الجمهوريّة الاسلاميّة،ويدعّي أنّ الاهتمام بالقرآن حفظاً وتلاوةً مشروع وهابيّ الأصل والفكرة،ولاينبغي بزعمه الانخداع به!..

إنّ إحدى الأخطاء التي يقع فيها أهل الحقُّ ,الإهمال أو التقصير في حقّ ما يتفقون فيه مع المخالفين لهم،مكتفين بالتمسّك بما يختلفون فيه،وهذه الظاهرة قد تكون نفسيّة المنشأ،وقد تكون بغرض بلورة (المختلف فيه) وإبرازه والتأكيد على التمسّك به،ويُبرّر التقصيرُ في(المتفق عليه) بأنّه (متفّق عليه) وليس هو منشأ الاختلاف والانشقاق، وتتجذّر هذه الظاهرة أعمق فيما إذا رفع الفريق المخالفُ شعار التمسّك (بالمتفق عليه) فقط وترك ما عداه،كما هو الحاصل فعلا في المسألة السنيّة الشيعيّة،فإنّ العامة يرفعون شعار(حسبنا كتاب الله) بقيادة الخليفة الثاني،الذي صدع به،ومازال أشياعه يلهجون به،فاكتفوا بزعمهم بكتاب الله ورفضوا ما نصّ عليه حديث الثقلين،فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض،فكان أن رفع الفريق الآخر شعار الإمامة العلويّة،والتفوا حوله وأقاموا مناره.

ورافعو شعار الإمامة وإن لم يرفضوا كتاب الله مرجعاً ومردّاً، غير أنّ ما ذُكر قبل قليل من خطأ أهل الحقّ وعوامله غيّب القرآنَ عن الساحة العامّة ،بل وابتعدت عنه الخاصّة في القرون المتأخرة ،إلاّ ما ندر، ولو أجلت بصرك وأصخت سمعك لما رأيت للقرآن حضوراً ولا سمعت له ذكراً في الأوساط العلميّة بما يتناسب ومكانته التي هي فوق كلّ كلام وإثبات،وهذه الظاهرة في الحقيقة طارئة على الوسط الشيعيّ،وإلاّ فإنّ العناية بالقرآن في أبعاده المختلفة كان مصبّ اهتمام سلفنا الصالح،ولهم فيه القدم الراسخة والقدح المعلّى،بل كانوا من أساتذة القراءة فيه،ومن المصنّفين في علومه،ومن أشهرهم أبان بن تغلب، و كان قارئا من وجوه القراء، فقيها، لغويّا(۳) ، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القرّاء(۴) ومن كتبه:تفسير القرآن،ومنهم الحسن بن علي بن أبي حمزة،ومن كتبه(فضائل القرآن)،ومنهم الحسن بن سعيد بن حمّاد،له كتاب(تفسير القرآن)،ومنهم الحسن بن موسى النوبختي،له كتاب(متشابه القرآن)،ومنهم سعد بن عبد الله الأشعري القمي ،وهو شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها،له كتاب( ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه)(۵) ، ومنهم علي بن محمد العدوي الشمشاطي،له كتاب (غريب القرآن)،ومنهم محمد بن الحسن بن أبي سارة،له كتاب (إعراب القرآن)(۶) ، والقائمة طويلة عريضة،فأصحابنا الأوائل كانوا من السباقين في التصنيف في العلوم القرآنية ومن كبار القرّاء،ويقعون في سلسلة أشهر القراءات، غير أنّه خلف من بعدهم خلف أضاعوا القرآن،وانشغلوا فقط بالأخبار ومتون الروايات والرجال،والأصول،فغاب القرآن شيئاً فشيئاً حتى صار ذكره في بحوث الاستدلال عرضاً وعلى سبيل النّدرة،مع أنّ روايات أهل البيت عليهم السلام نصّت على أنّ القرآن هو المرجع في حلّ تخالف رواياتهم،وهذا يعني لزوم استنطاق آياته أولاً وتحقيق دلالتها،ليكون قولها هو الفيصل،وهذا هو النهج الفنّي في الاستدلال،اللهمّ إلاّ إذا لم يكن في المسألة آية قرآنيّة،ويُذكر هنا أنّ هذه الظاهرة موجودة أيضا في أكثر الكتب الاستدلاليّة لفقهاء العامّة.

ولعلّ معتذر يعتذر لهم بأنّ هناك كتباً خاصّة تعنى بآيات الأحكام خاصّة،فلا حاجةَ للتعرّض لها في بحوث الاستدلال، وجوابه:إنّ تلك الكتب مساعٍ حميدة،ولكن المطلوب تمرين الطالب مباشرةً على الاستدلال بالقرآن وتمرّسه فيه والأنس الفقهي به،و تعويده على الرجوع إليه أولاً،وهذا لايحصل بتدوين كتب لا تطرق سمع الطالب ولا يتلمس حاجتها فيا يتلقاه من دروس على يد أستاذه،وما الضير في أن يتناول استاذ بحث الخارج الآيات ذات الصلة بالمسألة المطروحة ويحقق في دلالتها أولاً ، ومن ثمّ يعرّج على الروايات؟! ولا أظنّ أنّ ما ستستغرقه الآياتُ من وقت يبلغ ربع ما يستغرقه (زوائد) الأصول ومزايدات الأصوليين ،التي إثمها أكبر من نفعها، والحقّ إنّ قلّة اهتمام الخاصّة المتأخرين بالقرآن في مدارستهم ومدارسهم القى بظلاله على أوساط العامة من الناس، وأتذكر أن أحد الخطباء الايرانيين نبّه قريبا على بشاعة هذه الظاهرة، وحثّ زوار العتبات والمشاهد الشريفة على تلاوة القرآن وإهداء ثوابها لروح الامام أو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم،ونعم ماقال،وبتوفيقٍ من الله فقد بدأت نهاية هذه الظاهرة، وقد أبدى مسئولو الجمهورية وعلى رأسهم السيد القائد حفظه الله عناية فائقة بكتاب الاسلام ومعجزته الخالدة،وروّجوا قرائته وتلاوته، وأقاموا محافله وشوقوا الناس للانصات إليه،وبذلوا الجوائز القيّمة للمحصّلين في علومه والحافظين له ،وهذه حسنة من حسنات الثورة الاسلاميّة المباركة، وثمرة طيبة من ثمار شجرتها الباسقة،يثقل بها ميزان حسنات السيّد الامام الخميني،أعلى الله مقامه،هذا.

وحديث الثقلين نصٌّ في أنّ القرآن هو (الثقل الأكبر) ففي (الخصال)باسناده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري: أنّ رسول الله قال في حديث:…ألا وإني سائلكم غدا ماذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم علي حوضي ، وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي فانظروا كيف تكونون خلفتموني فيهما حين تلقوني ؟ قالوا : وما هذان الثقلان يا رسول الله ؟ قال : أما الثقل الاكبر فكتاب الله عزوجل..

قال معروف بن خربوذ : فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر عليه السلام فقال : صدق أبوالطفيل – رحمه الله – هذا الكلام وجدناه في كتاب علي عليه السلام وعرفناه(۷) .وفي كتاب(بشارة المصطفى) روى باسناده عن سعيد بن زيد بن أرطاة، قال: لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ألا اُخبرك بوصيّة أوصاني بها يوماً هي خيرٌ لك من الدنيا بما فيها، فقلت: بلى.-فكان فيما قاله عليه السلام لكميل: يا كميل نحن الثقل الأصغر والقرآن الثقل الأكبر…(۸) .

والسرّ في تسميته بالثقل الأكبر هو باختصار نقلاً عن كتاب(شرح رشحات البحار):إنّ القرآن في حقيقته المجرّدة علمُ الله تعالى،وعلمه تعالى متحد بذاته،لأنّ صفاته تعالى غير زائدة عن الذات،على ما هو محقق عندهم،وملاك العلم التجرّد،لأنّ (العلم) هو حضور المعلوم عند العالم، والمادة بما هي مادة ليس لها شعورٌ أصلا،والانسان إنّما يعلم ما يعلم بروحه لا بجسمه،وإلاّ فإنّ الحيوانات الاخرى أكبر منه جسماً،فكان يجب أن تكون أعلم منه،وكلّما ترقى المجرّد في تجرّده وابتعد عن تأثيرات المادة وحجبها كلّما ترقى علمه،لذا كان الأحياء جهلاء بالنسبة للموتى، لبلوغهم مرتبة البرزخ،وهي مرتبة من مراتب التجرّد،والموتى جهلاء بالنسبة للملائكة مثلاً، لأنّ الملائكة في رتبة أعلى وأكمل من التجرّد،وهكذا حتى يصل التجرّد إلى مرتبته العليا،وهي مرتبة التجرّد الصرف، وهي خاصّة بالذات الالهيّة،فهي مجردة من كلّ الجهات وفوق كلّ الحدود،لذا كان العلم الالهي لاحدّ له ولا جهل فيه،وما من حجاب بينها وبين المعلوم،فكل شيء حاضرٌ عندها،والقرآن تنزل من لدنه،فهو نازل وصادرٌ من أعلى مرتبة وجودٍ مجرّد،فهو إذن في حقيقته المجرّدة العليا(الثقل الأكبر) لأنه علم الله،وعلمه عين ذاته،فهو الأنفس والأعظم شأنا،من هنا كان الأئمة عليهم السلام يفدون أنفسهم للدين ويبذلون مهجهم في صيانة القرآن،ويعدّون أنفسهم ناطقين به حاملين له دالّين عليه،لأنّ مهمّة الثقل الأصغر الذود عن الثقل الأكبر والنطق به،وتلقين معارفه،ولأنّ شخوص الأئمة فانية، والقرآن باقٍ خالد،والفاني يكون فداءً للباقي،وفي الزيارة الجامعة وصفوا بأنّهم(أهل الذكر) ومن أجلى معانيه المتبادرة القرآن،و(الأهليّة) تفيد فيما تفيد القيام بالشيء وحفظه قدر المستطاع(۹) .

إنّ الابتعاد عن أجواء القرآن حتى في أبسط المستويات،فضلاً عن مستوى معارفه وعلومه، بمثابة تضييع رأس حلقات المعرفة،معرفة التوحيد والنبوّة والإمامة و…،فالإمامة – مثلاً- لايمكن إثباتها بدون القرآن،ذلك أنّه قطعيّ السند عند كلّ المسلمين،وعمدة الأدلّة المثبتة لإمامة أمير المؤمنين وعصمة أهل البيت من الرجس وغير ذلك من المقامات هي آيات قرآنية، وقد استند الأئمة أنفسهم في موارد كثيرة إلى القرآن في إثبات أصل الإمامة و في تعيين الأئمة من نسل الخليل إبراهيم،وفي القرآن للمنصف كفاية في هذا الباب.والاكتفاء فيه بالروايات غير سديد،لكثرة الإشكالات السنديّة والدلاليّة،لاسيّما إذا ما أريد مخاصمة المخالف بها، لذا ورد في الرواية عنهم: [من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن](۱۰) ، فالقرآن لايزال مخلِّداً عليّا في آياته، مثبتاً على مدى الأزمان إمامته وفضله على من سواه. ولاننسى أنّ القرآن نزل بأمرٍ الإمامة في سياقات وحيثيّات معيّنة جعلت منها أصلاً مهمّا في التدبير الالهي للأمم بعد موت أنبيائها،وهذا المعنى قد لانجده – بهذا الوضوح على الأقل- في الروايات والأحاديث،وإن وجد فهو في رواياتنا،وهي ليست حجّة على غيرنا.

يقول العلامة الآملي حفظه الله في تفسيره[ إنّ القرآن مستقلٌ في أصل حجيّته ومستقلٌ في أصل تبيين الخطوط الهامة لمعارف الدين أيضاً].

والكلام هنا يطول،ولكن الغرض ربما حصل،وهو التذكير بدور القرآن وضرورة وضعه في سياقه الصحيح لئلا نبتلي في الجملة بما ابتلي به مخالوفنا بالجملة،لأننا نعيب عليهم تركهم الثقل الأصغر ونبذهم له كليّا،فلنعطي نحن الثقل الأكبر ما يستحق ويليق به،ولنسحب البساط من تحت أقدام مخالفي أهل البيت(أقصد هنا خصوص الوهابيّة) الذين لا يجاوز القرآن تراقيهم،المارقين من الدين مروق السهم من القوس، الذين يخدعون أنفسهم والعالم الاسلامي برفع القرآن وهو منهم براء براءة الذئب من دم يوسف،وهو تعالى الموفق المسدد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

۱ . المقاييس،مادة(ثقل).

۲ . النهاية،مادة(ثقل).

۳ . رجال النجاشي.

۴ . رجال النجاشي.

۵ . رجال النجاشي.

۶ . رجال النجاشي.

۷ . الخصال،السؤال عن الثقلين يوم القيامة،ح۱٫

۸ . مسند الامام علي،ح۸۶۰۷٫

۹ . وبهذا البيان يندفع إشكال بعض الوهابيين(وليس السنّة) فيما يرجع إلى وصف القرآن بالثقل الأكبر و وصف العترة بالثقل الأصغر.

۱۰ . المحاسن وتفسير العياشي.

الكاتب: الشيخ وجيه المسبّح