الثواب-والعقاب

الثواب والعقاب(1)

المبحث الأوّل: معنى الثواب والعقاب

معنى الثواب (في اللغة) :

“الثواب” يعني “الرجوع”، ويطلق “الثواب” على أفعال العباد بمعنى ما يرجع إليهم من جزاء أعمالهم . ويستعمل الثواب في الخير والشر، ولكن الأكثر والمتعارف استعماله في الخير(1) .

تنبيه :

إنّ موضوع الثواب والعقاب موضوع مفصّل يرتبط بالمعاد ، ولكنّنا اقتصرنا في هذا الفصل على ذكر المواضيع المرتبطة بالعدل الإلهي فحسب .

معنى الثواب (في الاصطلاح العقائدي):

الثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والإجلال(2) .

أي: الثواب عبارة عن أمر نافع يتم الحصول عليه نتيجة الاستحقاق، ويستلمه المستحق بحالة يحيطها التعظيم والإجلال .

____________

1- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (ثوب) .

مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني: مادة (ثوب) .

2- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال، ص276 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل ، ص181 .

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص116 .

كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة الخامسة، ص551 .

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل ، البحث الأوّل ، ص433 .

الصفحة 291

توضيح قيود معنى الثواب(1) :

1- قيد “المستحق”: يخرج بهذا القيد “التفضّل” ، لأنّ التفضّل هو النفع الذي يُعطى من دون استحقاق .

2- قيد “المقارن للتعظيم والإجلال”: يخرج بهذا القيد “العوض”(2)، لأنّ العوض هو النفع المستحق الذي يُعطى من دون تقارنه بالتعظيم والإجلال .

من خصائص الثواب الإلهي :

لا يحسن إعطاؤه من دون استحقاق

إنّ اللّه تعالى يحسن منه الابتداء بإعطاء النفع لعباده على نحو “التفضّل”، ولكن الثواب هو النفع الذي لا يحسن إعطاؤه ابتداءً، وإنّما يُعطى لمن يستحق ذلك .

الدليل :

1- إنّ الثواب عبارة عن منفعة مقرونة بالتعظيم ، وبما أنّ تعظيم من لا يستحق التعظيم غير حسن، فلهذا لا يحسن إعطاء الثواب الذي هو مقرون بالتعظيم إلاّ لمن يستحق التعظيم ، ولا يحسن اعطاؤه ابتداءً لمن لا يستحق ذلك(3) .

2- إنّ اللّه تعالى جعل “التكليف” هو السبيل للحصول على الثواب ، فلو أمكن الحصول على الثواب من دون تكليف، فإنّ التكليف سيكون عبثاً لا فائدة فيه(4) .

____________

1- انظر: الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص181 .

2- العوض عبارة عن: “النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال” .

للمزيد راجع: الفصل الخامس ، من هذا الكتاب .

3- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة الخامسة، ص552 .

4- انظر: شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، استحقاق الثواب والمدح بالطاعة ، ص139 .

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة السابعة، الركن الثالث ، البحث الثاني، ص159 .

الصفحة 292

معنى العقاب (في اللغة) :

العقاب هو الجزاء إزاء فعل السوء ، ويُقال: “عاقبه بذنبه” أي: أخذه به(1).

معنى العقاب (في الاصطلاح العقائدي):

العقاب هو الضرر المستَحق المقرون بالاستخفاف والإهانة(2) .

أي: العقاب عبارة عن أمر ضار يتم الحصول عليه نتيجة الاستحقاق ، ويناله المستحق بحالة يحيطها الاستخفاف والإهانة .

توضيح قيود معنى العقاب :

1- قيد “المستَحق”: يخرج بهذا القيد الضرر المتضمّن للمصلحة ، من قبيل الآلام التي يبتلي اللّه تعالى بها الإنسان عند المرض و … .

2- قيد “المقارنة للاستخفاف والإهانة”: يخرج بهذا القيد أيضاً الضرر المذكور في القيد السابق(3) .

____________

1- انظر: لسان العرب ، ابن منظور: مادة (عقب).

2- راجع المصادر التي ذكرناها قبل قليل في هامش تعريف الثواب اصطلاحاً .

3- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص181 .

الصفحة 293

المبحث الثاني: استحقاق الثواب والعقاب

موجبات استحقاق الثواب(1) :

1 ـ فعل الواجب .

2 ـ فعل ما له صفة الندب والاستحباب .

3 ـ الامتناع من فعل القبيح .

الفرق بين استحقاق المدح واستحقاق الثواب :

إنّ موجبات استحقاق المدح(2) ، هي نفسها موجبات استحقاق الثواب ،

لكن يشترط في(3) استحقاق الثواب إطاعة المولى(4).

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل ، موجبات الثواب والشكر ، ص135 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص182 .

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص116 .

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل ، البحث الأوّل ، ص433 .

2- معنى المدح: قول ينبئ عن عظم حال الغير .

انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى ، الكلام في الأفعال وما يستحق بها وعليها و … ، ص276 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص180 .

شروط المدح :

1 ـ أن يقصد به التعظيم .

2 ـ أن يكون اللفظ موضوعاً للتعظيم .

3-أن يكون المادح عالماً بعظم حال الممدوح ، والظن والاعتقاد لا يقوم مقام العلم في هذا المجال ، لأنّ المدح لا يكون إلاّ مستحقاً، ولا يصح ذلك إلاّ مع العلم .

تنبيه :

إنّ المدح يتحقّق عن طريق القول وعن طريق الفعل ، كقيام الإنسان لغيره مع القصد إلى تعظيمه ، ولكن الفعل لا يسمى مدحاً حقيقة، وإنّما يجوز تسميته مدحاً مجازاً .

انظر: الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص180 ـ 181 .

4- من هذا المنطلق يستحق اللّه المدح دون الثواب إزاء فعله للواجب وللندب وتركه للقبيح .

للتوسّع راجع: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال و … ، ص276 .

شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: أبواب العدل ، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، موجبات الثواب والمدح ، ص135 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل ، ص182 ، 183 .

الصفحة 294

استحقاق الثواب :

1- إنّ اللّه تعالى وعد المؤمنين أن يعطيهم الثواب إزاء التزامهم بتكاليفه ، وخُلف الوعد قبيح ، واللّه تعالى منّزه عن فعل القبيح(1) .

2- إنّ اللّه تعالى تفضّل على العباد وجعل أعمالهم ملكاً لهم ، ثمّ جعل ما يثيبهم إزاء أعمالهم الصالحة أجراً لهم ، وقد قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ }[ التوبة: 111 ] .

ومن هذا المنطلق تكون الإثابة الإلهية على طاعة العباد من باب “الاستحقاق” دون “التفضّل”(2) .

3- إنّ العبد يثاب على التزامه بالتكاليف الإلهية من باب “الاستحقاق” دون “التفضّل” ، ولكنّه لا ينال المغفرة الإلهية إزاء الذنوب التي ارتكبها ، ولا ينال المراتب العليا في الجنة إلاّ بفضل اللّه تعالى ، ولهذا ينبغي للعباد أن يكون أملهم بفضل اللّه تعالى لا بعدله .

وهذا ما أكّدت عليه أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) منها :

قال الإمام علي(عليه السلام) :

“اللهم احملني على عفوك ، ولا تحملني على عدلك”(3) .

قال الإمام علي بن الحسين(عليه السلام):

“واحملني بكرمك على التفضّل، ولا تحملني بعدلك على الاستحقاق”(4) .

____________

1- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني ، الفصل السادس: ص145 ـ 146 .

2- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج1، عقيدتنا بالعدل، ص98 .

3- نهج البلاغة ، الشريف الرضى: خطب أمير المؤمنين، رقم 227، ص477 .

4- الصحيفة السجادية الجامعة: دعاء 93: في طلب الحوائج إلى اللّه تعالى ، أوّل الدعاء: اللهم يا منتهى مطلب الحاجات ، ص86 .

الصفحة 295

وهذا ما يثبت “الاستحقاق” ، ولكنه يرشد العبد إلى أن يكون أمله بالفضل الإلهي، لا على ما يستحقه إزاء طاعته للّه تعالى .

تأجيل الثواب الإلهي :

إنّ في تأجيل الثواب إلى يوم القيامة ـ كما وعد اللّه ـ فضلا كبيراً منه تعالى على عباده المطيعين ، لأنّ الثواب الأُخروي يفوق الثواب الدنيوي الذي يعتريه النقص .

موجبات استحقاق العقاب(1) :

1 ـ فعل القبيح .

2 ـ الإخلال بالواجب .

الفرق بين استحقاق الذم واستحقاق العقاب :

إنّ موجبات استحقاق الذم(2) هي نفسها موجبات استحقاق العقاب ، ولكن يشترط في  استحقاق العقاب أن يكون فاعل القبيح أو المخل بالواجب عالماً بأنّ منفعته ومصلحته تكمن في تركه للقبيح وفعله للواجب ، ومع ذلك يقوم بفعل القبيح وترك الواجب(3) .

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: أبواب العدل، موجبات الذم والعقاب: 136 ـ 137 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص185 .

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل ، البحث الأوّل، ص433 .

2- معنى الذم: قول ينبئ عن اتّضاع حال الغير .

انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال وما يستحق بها وعليها و … ، ص276 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث: الفصل الأوّل ، ص181 .

وأمّا شروط الذم فهي مثل شروط المدح التي ذكرناها في الهامش قبل قليل .

أمّا ما يرتبط بتحقّق الذم عن طريق الفعل ، فالكلام فيه مثل ما ذكرناه في مسألة المدح .

راجع بداية هذا المبحث في الهامش .

3- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب في أحكام العقاب وجهة استحقاقه وتفصيل أحواله ، ص295 .

الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، ص189 .

للتوسّع راجع: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث ، الفصل الأوّل ، 189 .

الذخيرة ، الشريف المرتضى: باب في أحكام العقاب وجهة استحقاقه و … ، ص295 .

الصفحة 296

استحقاق العقاب :

1 ـ يشترط في استحقاق العقاب :

أوّلاً: أن يكون المكلَّف عالماً بقبح القبيح ووجوب الواجب ، أو متمكّناً من العلم بذلك .

ثانياً: أن لا يكون المكلَّف مجبوراً في فعل القبيح والإخلال بالواجب .

وهناك شروط أُخرى تعبّدية يمكن التعرّف عليها عن طريق مراجعة الكتب الفقهية .

2- إنّ العقاب ـ كما يثبت العقل ـ حقّ اللّه تعالى ، وله أن يعاقب العصاة كما أوعد، وله أن يعفو عنهم من باب التفضّل، لأنّ العفو لا يقدح في الوعيد، وخلف الوعيد غير قبيح(1) .

ولكن العقاب ـ كما يثبت الشرع ـ يقتضيه العدل الإلهي، ودليل ذلك(2):

أوّلاً: إنّ معاقبة العاصين من مستلزمات العدل، والعادل لا يساوي بين المطيع والعاصي وبين البريء والمجرم .

وقد قال تعالى: { أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ }[السجدة: 18 ]

ثانياً: يستلزم ترك معاقبة العاصين أن يكون التشريع وترتيب الجزاء على العمل لغواً وعبثاً، واللّه تعالى منزّه عن ذلك .

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل ، جواز عفو اللّه ، ص 144، 145 .

2- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج1، عقيدتنا بالعدل، ص99 .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون