الجبر-والتفويض

الجبر والتفويض(2)

المبحث الخامس: أدلة القول بالجبر والردّ عليها

الدليل الأوّل :

إنّ إرادة الإنسان لا تمتلك القوام الذاتي ، ولا يمتلك الإنسان القدرة على إيجاد إرادته بنفسه ، بل هو محتاج في إيجاد إرادته إلى إرادة اللّه تعالى ، ولا تحدث ارادة الإنسان إلاّ بإرادة اللّه تعالى(1) .

يرد عليه :

1- اختار اللّه تعالى أن يكون العباد أصحاب إرادة في أفعالهم ، فأعطاهم الإرادة ، ثمّ أعطاهم قدرة الاختيار لتوجيه إرادتهم كيفما يشاؤون .

بعبارة أُخرى :

إنّ اللّه تعالى هو الذي منح العباد هذه الميزة بأن تكون لهم الإرادة في أفعالهم ، فالإرادة ـ في الواقع ـ آلة لصدور الفعل من العبد ، وإذا كانت آلة الاختيار من اللّه تعالى ، فإنّ ذلك لا يستلزم الجبر .

2- إنّ إرادة اللّه عزّ وجلّ لم تتعلّق بصدور أفعال العباد منه تعالى بصورة مباشرة ومن دون واسطة ، بل تعلّقت إرادة اللّه تعالى في مجال أفعال الإنسان الاختيارية أن لا تصدر من الإنسان إلاّ بعد إرادة الإنسان واختياره لها(2) .

الدليل الثاني :

إنّ اللّه تعالى يعلم بأفعال العباد التي ستقع في المستقبل .

وما علم اللّه تعالى وقوعه فهو واجب الوقوع .

____________

1- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي : ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 1 ، ص223 ـ 224 .

2- انظر: الميزان ، العلاّمة الطباطبائي: ج1 ، تفسير سورة البقرة، آية 26 ـ 27 ، ص99 ـ 100 .

الصفحة 194

وما علم اللّه تعالى عدم وقوعه فهو ممتنع الوقوع .

ودون ذلك ينقلب العلم الإلهي إلى الجهل ، وهو محال .

ومن هنا يثبت بأنّ الإنسان مجبور على فعل ما هو في علم اللّه تعالى(1) .

يرد عليه :

1- لو صحّ القول بأنّ الإنسان مجبور في أفعاله نتيجة علم اللّه تعالى بها، فسيكون اللّه تعالى أيضاً مجبوراً في أفعاله نتيجة علمه تعالى بما سيقع من أفعاله ، فيلزم ذلك أن نقول بأنّ اللّه تعالى مجبور بأن يفعل ما يعلم! وهذا باطل(2) .

2- إنّ اللّه تعالى لا يختار أن يعلم بأنّ الشخص الفلاني سيفعل كذا ، ليكون هذا العلم علّة لذلك الفعل ، وإنّما علمه تعالى عبارة عن انكشاف المعلوم عنده كما سيكون في الواقع(3) .

3- يتعلّق علمه تعالى بكل شيء حسب الخصوصيات المتوفّرة في ذلك الشيء .

ومن هنا يكون تعلّق العلم الإلهي بأفعال الإنسان باعتبارها أفعال تصدر من فاعل يمتلك الاختيار ، وهذا ما يؤكد وقوع أفعال الإنسان باختياره .

بعبارة أُخرى :

قال المجبّرة بأنّ ما علم اللّه وقوعه فهو واجب الوقوع .

فنقول لهم: علم اللّه تعالى بأنّ أفعال العباد لا تقع إلاّ باختيارهم ، لأ نّه شاء أن يكون العباد أصحاب اختيار .

إذن يجب أن تقع أفعال العباد باختيارهم ، لأنّ عدم وقوعها بهذه الصفة يوجب ـ

____________

1- انظر: المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5، المرصد 6، المقصد 1 ، ص223 .

2- انظر: تلخيص المحصل ، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث ، القسم الثالث: ص340 .

إشراق اللاهوت ، عبد المطلب العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الرابعة ، ص390 .

3- انظر: المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1، الكلام في التكليف وحسنه و … ، ص247 .

إشراق اللاهوت ، عبد المطلب العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الثالثة ، المبحث الثالث ، ص389 .

الصفحة 195

حسب ادّعاء المجبرة ـ انقلاب علم اللّه إلى الجهل .

وبهذا يثبت أنّ الإنسان مختار وغير مجبور في أفعاله .

النتيجة :

إنّ “العلم” مجرّد انكشاف يحكي المعلوم ويبيّنه كما هو عليه، وليس للعلم أي تأثير على المعلوم في الواقع الخارجي .

مثال توضيحي :

إنّ نسبة المعلوم إلى العلم كنسبة الشيء إلى المرآة .

فالمرآة لا تؤثّر في الشيء، وإنّما تبيّنه كما هو عليه في الواقع الخارجي .

فإذا أرتنا المرآة شيئاً بصورة قبيحة ، فليس هذا القبح مفروضاً من المرآة على ذلك الشيء ، بل لأنّ ذلك الشيء قبيح في نفسه ، عكست المرآة ما هو عليه ، فأرتنا ذلك الشيء بصورة قبيحة(1) .

أمثلة عدم تأثير العلم في المعلوم :

1- إخبار المتخصص عن الأنواء الجوية وتقلّبات الهواء ، فلو كان العلم عاملا من عوامل إيجاد الشيء، لكان هذا المخبر من جملة أسباب وقوع هذه التقلّبات الجوّية .

2- إخبار الفلكي عن وقوع الكسوف أو الخسوف ، إذ لو كان العلم مؤثّراً في إيجاد المعلوم، لكان هذا الفلكي من جملة أسباب وقوع هذا الكسوف والخسوف .

3- إخبار المدرّس عن مستوى الطالب في الامتحان القادم نتيجة معرفته به خلال فترة التدريس ، فإذا صدق إخبار المدرّس ، فلا يعني أنّ علم المدرِّس هو السبب في وصول الطالب إلى النتيجة التي أخبرها المدرِّس .

4- إخبار الطبيب الحاذق عن الحالة التي سيواجهها المريض ، فإذا وقع الأمر كما قال الطبيب، فلا يعني أنّ الطبيب كان سبباً فيما أصاب المريض .

____________

1- انظر: المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1، الكلام في التكليف وحسنه و … ص246 .

الصفحة 196

 

الصفحة 197

المبحث السادس: رأي الأشاعرة حول خلق اللّه لأفعال العباد

إنّ اللّه عزّ وجلّ هو المتفرّد بالخلق والإيجاد ، وهو خالق كلّ شيء بلا استثناء، ولا خالق في الكون سوى اللّه تعالى ، واللّه هو الخالق لأفعال الإنسان .

من أقوال أبي الحسن الأشعري حول خلق اللّه لأفعال العباد :

1- ” … لا خالق إلاّ اللّه ، وإنّ أعمال العباد مخلوقة للّه بقدرته … وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً …”(1) .

2- ” … لا خالق إلاّ اللّه ، وإنّ سيئات العباد يخلقها اللّه ، وإنّ أعمال العباد يخلقها اللّه عزّ وجلّ ، وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً”(2) .

3- ” … من قضاء اللّه تعالى هو خلق ما هو جور كالكفر والمعاصي …”(3) .

4- ” … أمّا أنا فأقول: إنّ الشر من اللّه تعالى بأن خلقه شراً لغيره لا له”(4) .

أدلة الأشاعرة على خلقه تعالى لأفعال العباد :

الدليل الأوّل :

الآيات القرآنية الدالة على خلقه تعالى لكلّ شيء، فإنّ هذه الآيات تفيد العموم، فيشمل ذلك أفعال العباد، فتكون أفعال العباد مخلوقة للّه .

ومن هذه الآيات قوله تعالى :

1 ـ { اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء } [ الزمر: 62 ]

____________

1- الإبانة، أبو الحسن الأشعري: الفصل الثاني ، ص37 .

2 – مقالات الإسلاميين ، أبو الحسن الأشعري: حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة ، ص291 .

3- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب الخامس، ص81 .

4- المصدر السابق: ص84 .

الصفحة 198

2 ـ { ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْء } [ غافر: 62 ]

3-{ يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ }[فاطر: 3 ]

4 ـ { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ } [ الأعراف: 54 ]

5 ـ { إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر } [ القمر: 49 ]

يرد عليه :

1- إنّ المنهج السليم يقتضي شمولية النظر إلى آيات القرآن الكريم ، وعدم الاقتصار على الآيات الدالة على خلقه تعالى لكلّ شيء وإهمال الآيات التي تنسب الخالقية إلى غير اللّه تعالى ، من قبيل :

أوّلاً: قوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام): { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ }[ آل عمران: 49 ]

ثانياً: قوله تعالى لعيسى(عليه السلام): { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [  المائدة: 110 ]

ثالثاً: قوله تعالى للسامري وجماعته: { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً }[العنكبوت: 17 ]

رابعاً: قوله تعالى: { فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ } [ المؤمنون: 14 ]

خامساً: قوله تعالى: { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ } [ الصّافات: 125]

النتيجة :

إنّ الأشاعرة اتّبعوا منهجية التجزئة والتبعيض في التعاطي مع الآيات القرآنية ، فتمسّكوا بالآيات التي تتلائم مع نظريتهم في خلق أفعال العباد ، وأعرضوا عما يتغاير مع ما ذهبوا إليه .

2- يدرك الباحث عند نظرته الشمولية إلى الآيات القرآنية بأنّ الآيات التي تنسب خلق كلّ شيء إلى اللّه عزّ وجلّ ليست إلاّ في مقام بيان إحاطته تعالى الكاملة وقدرته التامّة ونفوذ أمره الشامل لجميع الكون بلا استثناء ، ولا يوجد أي

الصفحة 199

تناف بين هذه الشمولية وبين قدرة العباد على الخلق ، لأنّ قدرة العباد تستمد وجودها من اللّه تعالى ، واللّه تعالى قادر على سلبها في كلّ آن .

3- سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) عن أفعال العباد: أهي مخلوقة للّه تعالى، فقال (عليه السلام) :

“لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها، وقد قال سبحانه: { أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }[ التوبة: 3 ] ، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم ، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم”(1) .

4- سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): هل غير الخالق الجليل خالق ؟

قال(عليه السلام): “إن اللّه تبارك وتعالى يقول: {تَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ } فقد أخبر أنّ  في عباده خالقين وغير خالقين ، منهم عيسى صلى اللّه عليه، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه ، فنفخ فيه ، فصار طائراً بإذن اللّه ، والسامري خلق لهم عجلا جسداً له خوار”(2) .

5 ـ إنّ القول بأنّ اللّه تعالى خالق كلّ شيء لا يعني أ نّه تعالى هو السبب المباشر لخلق كلّ شيء، بل قد يكون الخلق صادراً من الإنسان ، ولكنه يُنسب إلى اللّه عزّ وجلّ ، لأ نّه تعالى هو الذي أعطى الإنسان القدرة على الخلق .

مثال ذلك :

يبيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بأنّ مجرّد نسبة الفعل إلى اللّه عزّ وجلّ لا يعني كونه تعالى هو السبب المباشر لهذا الفعل ، بل قد يصدر الفعل من غير اللّه ، ولكنّه ينسب إلى اللّه تعالى للعلّة التي ذكرناها .

ومن هذه الموارد :

أوّلاً ـ فعل التوفّي :

1- نسبته إلى ملك الموت: {قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ }[السجدة: 11]

2 ـ نسبته إلى اللّه تعالى: { اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها } [ الزمر: 42 ]

____________

1- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد ، باب 1 ، ذيل ح29 ، ص20 .

2- المصدر السابق: ج4، كتاب التوحيد، باب5 ، ح1 ، ص147 ـ 148 .

الصفحة 200

ثانياً ـ فعل الرزق :

1- نسبته إلى العباد: { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً }[ النساء: 5 ]

2- نسبته إلى اللّه تعالى: {إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58 ]

ثالثاً ـ فعل الزرع :

1- نسبته إلى العباد: { كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ(1)} [ الفتح: 29 ]

2- نسبته إلى اللّه تعالى: {أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ } [ الواقعة: 63 ـ 64 ]

رابعاً ـ فعل الغلبة :

1 ـ نسبته إلى العباد: { كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي } [ المجادلة: 21 ]

2 ـ نسبته إلى اللّه تعالى:{ كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا … } [ المجادلة: 21 ]

فنسب اللّه عزّ وجلّ فعل الغلبة لنفسه ولرسله في وقت واحد .

خامساً ـ فعل الخلق (وهو المرتبط بهذا المبحث)

1- نسبته إلى العباد: { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } [آل عمران: 49 ]

{ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ }[ المؤمنون: 14 ]

2 ـ نسبته إلى اللّه تعالى: { اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء} [الزمر: 62 ]

ملاحظة مهمة :

ذكرنا بأنّ الفعل الذي يصدر من الإنسان ينسب أيضاً إلى اللّه تعالى ، وذلك لأ نّه

____________

1- قوله: (الزُّرّاعَ ) تتضمن نسبة فعل الزراعة إلى الإنسان .

الصفحة 201

تعالى هو الذي أعطى الإنسان القدرة على القيام بالفعل .

ولكن لا يخفى بأنّ هذه النسبة لا تصح إلاّ في الأفعال الحسنة التي يرتضيها اللّه تعالى، وأمّا الأفعال القبيحة الصادرة من الإنسان، فلا تصحُّ نسبتها إلى اللّه تعالى أبداً .

دليل ذلك :

إنّ اللّه تعالى أعطى الإنسان القدرة ليصرفها في الأُمور الحسنة ، فإذا صرفها الإنسان في الأُمور القبيحة ، فإنّ هذه الأفعال لا تصح نسبتها إلى اللّه تعالى، وإنّما تُنسب إلى الإنسان ، ويكون الإنسان هو المتحمّل لمسؤوليتها .

آيات قرآنية أُخرى استدل بها الأشاعرة على خلقه تعالى لأفعال العباد :

الآية الأُولى :

قوله تعالى: { وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ } [ الصّافات: 96 ]

استدلال الأشاعرة: إنّ هذه الآية صريحة بأنّ اللّه هو الخالق للإنسان ، وهو الخالق لأفعاله وأعماله وما يصدر عنه(1) .

يرد عليه :

1- إنّ هذه الآية وردت في سياق آيات احتجاج النبي إبراهيم(عليه السلام) على قومه الذين كانوا ينحتون الأصنام ، ثمّ يعبدونها من دون اللّه ، فقال لهم إبراهيم(عليه السلام): { أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ } .

2- ليس لهذه الآية أية صلة بمسألة أفعال العباد ، لأنّ وحدة السياق في هذه الآية والتي قبلها تقضي كون “ما” موصولة فيكون معنى الآية: أتعبدون الأصنام التي تنحتونها واللّه خلقكم وخلق المادة التي منها تنحتون أصنامكم(2) .

3- إنّ الآية في مقام محاججة إبراهيم(عليه السلام) لقومه واستنكاره على عبادتهم

____________

1- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5، المرصد 6 ، المقصد 1 ، ص226 .

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 1 ، ص240 ـ 241 .

2- وهذه المادة هي الحجر أو الخشب أو غير ذلك مما كان يصنع المشركون منه أصنامهم .

الصفحة 202

للأصنام ، وليس من المعقول أن يقول إبراهيم(عليه السلام) لقومه في هذا المقام: لماذا تعبدون الأصنام وقد خلق اللّه عبادتكم للأصنام؟!

الآية الثانية :

قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ } [ النساء: 78 ]

استدلال الأشاعرة: إنّ هذه الآية تدل على أنّ جميع أفعال الإنسان ـ حسنة كانت أو سيئة ـ هي من عند اللّه، وأنّ اللّه هو الذي يخلقها(1) .

يرد عليه :

إنّ “الحسنة” في اللغة لا تنحصر في معنى “الطاعة والإيمان” .

كما أنّ “السيئة” في اللغة لا تنحصر في معنى “المعصية والكفر” .

فمن معاني “الحسنة” في اللغة: النعم، الرحمة، الخير والشيء الحسن .

ومن معاني “السيئة” في اللغة: القحط، الكوارث ، والمحن والعذاب .

معنى الحسنة والسيئة في هذا المقام :

إنّ معنى الحسنة في هذا المقام هو النعم والخير ، ومعنى السيئة هو القحط والكوارث(2)، لأنّ النعم والخير والقحط والكوارث تصيب الإنسان من الغير .

ولكن الطاعة والمعصية والكفر والإيمان تصدر من الإنسان نفسه .

وهناك فرق بين ما “يصيب الإنسان” وما “يصدر منه” .

وقد جاء في هذه الآية التعبير بكلمة “تصبهم” ولم يقل الباري عزّ وجلّ “تصدر منهم” .

تتمة :

____________

1- انظر: التفسير الكبير، الفخر الرازي: ج4، تفسير آية 78 من سورة النساء، ص145 .

2- انظر: مجمع البيان ، الطبرسي: ج3، تفسير آية 78 من سورة النساء ، ص120 ـ 121 .

الصفحة 203

وردت “الحسنة” بمعنى النعم والخير والرخاء ، ووردت “السيئة” بمعنى القحط والبلاء والعذاب في آيات قرآنية أُخرى منها:

1-{ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها } [ آل عمران : 120 ]

2 ـ { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ }   [ الرعد: 6 ]

3-{ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ } [ الأعراف: 131 ]

تكملة أدلّة الأشاعرة على خلقه تعالى لأفعال العباد :

الدليل الثاني :

إنّ القول بوجود خالق غير اللّه يستلزم إثبات خالق آخر مع اللّه تعالى ، ومن ادّعى ذلك فقد أشرك في خالقيّة اللّه تعالى ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ منزّه عن الشريك في الخلق والإيجاد(1).

يرد عليه :

1- إنّ هذا الاشتراك في إطلاق بعض الصفات على اللّه تعالى والعبد لا يوجب الشرك ، ولهذا لا يوجد أي مانع من اشتراك العبد مع الباري عزّ وجلّ في بعض الأوصاف، من قبيل: الوجود، العلم ، الإرادة، القدرة والتملّك(2).

2- المذموم هو إثبات تعدّد خالقَين مستقلين بقدرتهم وتمام شؤون أفعالهم ، أمّا إثبات خالق غير اللّه، وهو محتاج إلى اللّه عزّ وجلّ في أصل وجوده وقدرته وتمكّنه وفعله ، فلا محذور ولا إشكال فيه أبداً(3).

3- إنّ عبيد السلطان إذا فعلوا شيئاً بمعونة السلطان ، لا يقال إنّهم سلاطين مثله ،

____________

1- انظر: بحر الكلام، ميمون النسفي: الباب الثالث ، الفصل الثاني، المبحث الثالث ، ص167 .

2- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج1، مبحث: إنّا فاعلون، مناقشة المظفر، ص437 .

3- انظر: المصدر السابق، ص436 .

الصفحة 204

ولا يكون ذلك عيباً في السلطان ، فلهذا لا يوجد أي مانع أن يكون الإنسان خالقاً لشيء عن طريق القدرة التي منحها اللّه تعالى له(1) .

4- لو كان مجرّد إطلاق وصف الخالقية لغير اللّه تعالى شركاً، لكان عيسى ـ والعياذ باللّه ـ مشركاً في قوله: { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } [ ال عمران: 49 ] ولكان عيباً في قوله تعالى { فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ } [المؤمنون: 14 ] ، لأنّ هذه الآية تثبت بوضوح وجود من يوصف بالخالقية غير اللّه تعالى .

الدليل الثالث للأشاعرة :

لو كان الإنسان خالقاً لأفعال نفسه ، لكان عالماً بتفاصيل أفعاله ، وهذا معنى قوله سبحانه: { أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك: 144 ] ، وبما أنّ الإنسان غير عالم بتفاصيل أفعاله وجب القطع بأنّ الإنسان غير خالق لها(2) .

يرد عليه :

إنّ العلم بتفاصيل الخلق يشمل الخلق من اللاشيء ، ولكن الإنسان لا يقوم بخلق أفعاله من اللاشيء ، بل يقوم بتركيب مجموعة أشياء للوصول إلى شيء جديد له من الخصائص ما تفترق عن خصائص أجزائه .

وكلّما يكون الإنسان أعرف بخصائص الأجزاء التي يتعامل معها لتكوين الأشياء الجديدة يكون أكثر علماً بتفاصيل ما يقوم بخلقه(3) .

____________

1- انظر: المصدر السابق .

2-انظر: الأربعين في أصول الدين، فخر الدين الرازي: ج1، المسألة الثانية والعشرون، ص323 ـ 324 .

كتاب المواقف، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5 ، المرصد 6، المقصد 1 ، ص209 .

3- قال المحقّق نصير الدين الطوسي في ردّه على إشكال الأشاعرة في هذا المقام: “الإيجاد لا يستلزم العلم إلاّ مع اقتران القصد، فيكفي الإجمال” .

تجريد الاعتقاد ، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، مبحث: نفي الجبر ، ص199 .

الصفحة 205

الدليل الرابع للأشاعرة :

لو جاز أن يكون المؤمن خالقاً للإيمان لخلقه ممتعاً مريحاً .

ولو جاز أن يكون الكافر خالقاً للكفر لخلقه حسناً .

ولكن المؤمن والكافر لا يستطيعان ذلك .

ومن هنا يثبت بأنّ للإيمان والكفر خالقاً آخر، وهو اللّه تعالى(1) .

يرد عليه :

إنّ الصفات تنقسم إلى قسمين :

1- الصفات الواقعية: وهي الصفات التي تحتاج إلى خالق ، من قبيل الحرارة والبرودة .

2- الصفات الانتزاعية: وهي الصفات التي لا تحتاج إلى خالق، بل هي صفات تُنتزع من مقايسة شيء مع شيء آخر من قبيل صفتي الصغر والكبر .

فإنّ وصف “الصغر” أو “الكبر” للشيء لا يحتاج إلى خلق .

وإنّ ما يحتاج إلى خلق فهو “الشيء” .

وأمّا “الصغر” أو “الكبر” فهو صفة تنتزع من مقايسة شيء مع شيء آخر .

وبالنسبة إلى دليل الأشاعرة:

فإنّ وصف “التعب” للإيمان لا يحتاج إلى خلق .

وإنّ وصف “القُبح” للكفر لا يحتاج إلى خلق .

وإنّ ما يحتاج إلى خلق فهو “الفعل” الذي يجعل الإنسان مؤمناً أو كافراً .

وأمّا “التعب” فهو صفة تنتزع من فعل “الإيمان” لأنّ “الإيمان” يجعل الإنسان مسؤولا أمام اللّه تعالى ، فيستتبع الإتعاب .

وأمّا “القبح” فهو صفة تُنتزع من فعل “الكفر” لأنّ “الكفر” على خلاف الفطرة

____________

1- انظر: اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب الخامس، ص71 ـ 72 .

الصفحة 206

والحقيقة(1) .

توضيح ذلك :

إنّ “التعب” الذي يتّصف به الإيمان ، أو “القبح” الذي يتّصف به الكفر يكون خارج الإيمان والكفر ، وهو شيء خارج اختيار الإنسان ، وما هو في دائرة اختيار الإنسان هو خلق العمل الذي يجعله في عداد المؤمنين أو الكافرين ، وأمّا الأثر الذي سيتركه هذا العمل في الواقع الخارجي وردود الأفعال التي سيواجهها الإنسان نتيجة خلقه لهذا العمل فهي أُمور خارجة عن اختياره .

الدليل الخامس للأشاعرة :

لا شكّ في أنّ “الحركة الاضطرارية” التي تصدر من الإنسان مخلوقة للّه تعالى ، فما دلّ على أنّ “الحركة الاضطرارية” مخلوقة للّه تعالى، هو الدليل على أنّ “الحركة الاختيارية” أيضاً مخلوقة للّه تعالى ، وذلك لوحدة ملاكهما، وهو “الحدوث”(2).

يرد عليه :

إنّ اشتراك “الحركة الاضطرارية” و”الحركة الاختيارية” في الملاك إنّما يدل

على وجود خالق لكلتا هاتين الحركتين ، وأمّا أن يكون خالق “الحركة الاضطرارية” هو نفس خالق “الحركة الاختيارية” فلا يوجد عليه دليل(3) .

توضيح ذلك :

إنّ سبب نسبة “الحركة الاضطرارية” إلى اللّه تعالى هو خروجها عن اختيار

____________

1- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 2 / 271 .

2- انظر: اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب الخامس ، ص74 ـ 75 .

3- انظر: الإلهيات ، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 2 / 272 .

الصفحة 207

الإنسان وإرادته ، وأمّا “الحركة الاختيارية” فهي واقعة باختيار الإنسان وإرادته ، فلا وجه لمقايسة إحداهما بالأخرى(1) .

____________

1- انظر: المصدر السابق .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون