الجبر-والتفويض

الجبر والتفويض(5)

المبحث الثاني عشر: القـدرية

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): “القدرية مجوس هذه الأمة”(1) .

من هم القدرية ؟

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: “اعلم أنّ القدرية عندنا إنّما هم المجبرة والمشبّهة، وعندهم المعتزلة ، فنحن نرميهم بهذا اللقب وهم يرموننا به”(2).

أدلة نسبة القدرية إلى القائلين بالقدر (الجبرية) :

1- إنّ اسم القدرية هو اسم إثبات ، ولا يستحقه إلاّ المثبت للقدر ، والمجبرة هم الذين يثبتون القدر، ويقولون كلّ شيء بقدر اللّه(3) .

2- إنّ الجبرية هم الذين يولعون بالإكثار من قولهم : لا يكون شيء إلاّ بقضاء اللّه تعالى وقدره ، وهم أشدّ الناس حرصاً على استخدام مصطلح القدر، فلهذا يجب أن يكونوا هم القدرية(4).

3- إنّ المتبادر من القدرية هم القائلون بالقدر، كما أنّ المتبادر من العدلية أ نّهم مثبتو العدل لا منكريه ، لأنّ تفسير القدرية بمنكري القدر بعيد جدّاً وهو غير مأنوس في اللغة العربية .

____________

1- عوالي اللئالي،ابن أبي جمهور الاحسائي، ج1، الفصل الثامن ، ح175، ص166 .

بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ذيل ح4، والنص المروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): “القدرية مجوس أمتي” .

المعجم الأوسط ، الطبراني: 3/65 .

كنز العمال ، المتقي الهندي: الفصل الأوّل ، ح553، ص118 .

2- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الرابع ، ص772 .

3- انظر: المصدر السابق: ص775 ـ 776 .

4- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الرابع ، ص775 ـ 776 .

الصفحة 231

4- ذكر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ القدرية خصماء الرحمن ، والمجبرة هم الذين يخاصمون اللّه تعالى إذا عاقبهم على المعاصي، فيقولون: إنّك أنت الذي خلقت فينا المعصية وأردتها منّا ، فمالك تعذّبنا وتعاقبنا على ذلك(1) .

أدلة نسبة القدرية إلى النافين للقدر (المفوّضة) :

1- إنّ القدري هو الذي يثبت القدر لنفسه دون ربّه عزّ وجلّ ، ويقول بأ نّه هو الخالق والمقدّر لأفعاله دون اللّه تعالى .

2 ـ إنّ المفوّضة هم القدرية لأ نّهم أفرطوا وبالغوا في نفيه(2).

3- إنّ من يضيف القدر إلى نفسه ، ويدّعي كونه الفاعل والمقدّر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربّه(3) .

4- ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ القدرية خصماء الرحمن ، والمفوّضة يسلبون حقّ اللّه تعالى في خلقه لأفعال العباد، وينسبون هذا الخلق إلى أنفسهم ، ومن يكون كذلك فهم المخاصمون للّه تعالى .

وجه تشبيه المجبرة بالمجوس :

1- قال المجوس بأنّ اللّه تعالى يخلق ثمّ يتبرّأ ممّا خلق ، وقال المجبرة بأنّ اللّه تعالى يخلق القبائح ثمّ يتبرّأ منها(4) .

2- قال المجوس بأنّ القادر على فعل الخير لا يقدر على فعل الشر وبالعكس ، فوافقهم المجبرة وقالوا بأنّ الإنسان الذي يخلق اللّه فيه الإيمان لا يقدر على الكفر وبالعكس(5) .

3- قال المجوس بأنّ مزاج العالم شيء واحد، وهو حَسَن من النور ، وقبيح من

____________

1- انظر: المصدر السابق: ص774 .

2- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 1 ، ص267 ـ 268 .

3- المصدر السابق .

4- انظر: كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الثامنة، ص435 .

5- انظر: المصدر السابق .

الصفحة 232

الظلمة ، وشاركهم المجبرة وقالوا: إنّ الكفر شيء واحد، وهو يَحسُن من اللّه تعالى من حيث خلقه تعالى له ويقبح من العبد من حيث كسبه له(1) .

4- جوّز المجوس تكليف ما لا يطاق ، وقال المجبّرة أيضاً بأنّ اللّه تعالى كلّف الكافر بالإيمان مع أ نّه لا يمكنه فعله ، ونهاه عن الكفر مع أ نّه لا يتصوّر الانفكاك عنه(2).

5- إنّ الأمر الظاهر في المجوس عملهم الفواحش ثمّ إسنادها إلى اللّه تعالى ، وهو ما يذهب إليه المجبرة .

وجه تشبيه المفوّضة بالمجوس :

1- قال المفوّضة بأنّ الإنسان هو المستقل في خلق أفعاله ، فأثبتوا خالقين ، والمجوس أيضاً ذهبوا إلى وجود خالقين ، أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشر .

2- قال المفوّضة كالمجوس بأنّ اللّه تعالى خير محض وهو غير قادر على خلق الشرّ والفساد(3) .

3- إنّ المفوّضة كالمجوس لم يجعلوا للّه إرادة ولا سلطاناً في بعض الأُمور(4).

القدرية في الأحاديث الشريفة :

وردت “القدرية” في أحاديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) تارة في القائلين بالقدر وهم “المجبّرة”، وأُخرى في النافين للقدر وهم “المفوّضة” .

ويبدو أنّ المراد من القدرية عند الرسول وأهل بيته(عليهم السلام) هم الذين يقولون في القدر بخلاف الحقّ ، وهو يشمل “المجبّرة” و”المفوّضة” .

____________

1- انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الرابع ، فصل: في القضاء والقدر ، ص773 .

2- انظر: المصدر السابق .

3- كتاب التوحيد، أبو منصور الماتريدي: مسألة في ذم القدرية، ص314 .

4- المصدر السابق: ص315 .

الصفحة 233

الأحاديث الدالة على أنّ القدرية هم المجبّرة :

1- قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): “لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً” ، قيل: ومن هم القدرية يا رسول اللّه؟

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): “قوم يزعمون أنّ اللّه سبحانه وتعالى قدّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها”(1) .

2- ورد أنّ رجلا قدم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): “أخبرني بأعجب شيء رأيت” . قال: رأيت قوماً ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك ؟ قالوا: قضاء اللّه تعالى علينا وقدره .

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): “سيكون من أُمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم ، أولئك مجوس أمّتي”(2) .

3- قال الإمام علي(عليه السلام) عند انصرافه من صفين: ” … فو اللّه ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر” ، فقاله له شيخ شامي: عند اللّه أحتسب عنائي .

فقال(عليه السلام): “مهلا يا شيخ ، لعلّك تظن قضاءً حتماً وقدراً لازماً … تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومجوسها”(3) .

الأحاديث الدالة على أنّ القدرية هم المفوّضة :

1- قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): “إنّ لكلّ أمة مجوس ، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر ، ويزعمون أنّ المشية والقدرة إليهم ولهم”(4) .

2- قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): ” … القدرية الذين يقولون: لا قدر ، ويزعمون أ نّهم قادرون على الهدى والضلالة”(5) .

3- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “إنّ القدرية مجوس هذه الأمة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه من سلطانه …”(6) .

____________

1- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل ، ب1، ح73، ص47 .

2- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل ، ب1، ح74، ص47 .

3- التوحيد ، الشيخ الصدوق : باب60: باب القضاء والقدر و … ، ح28، ص369 ـ 370 .

4- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل ، ب7، ح14، ص197 .

5- المصدر السابق: ب1، ح13، ص9 .

6- المصدر السابق: ج5 ، ب3 ، هامش ص98 .

الصفحة 234

4- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) لقدري: “اقرأ سورة الحمد …” فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: { إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعينُ } .

فقال له الإمام الصادق: “قف، من تستعين ؟ وما حاجتك إلى المعونة إن [ كان ] الأمر إليك؟” ، فبهت الذي كفر ، واللّه لا يهدي القوم الظالمين(1) .

5- عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول قوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ }[الرعد: 11 ] .

قال(عليه السلام): “إنّ القدرية يحتجون بأوّلها وليس كما يقولون، ألا ترى أنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: { وَإِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْم سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ } …”(2) .

____________

1- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج92، كتاب القرآن، باب29، ح44، ص239 ـ 240 .

2- المصدر السابق: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل ، ب1، ح4، ص5 .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون