الجبر-والتفويض

الجبر والتفويض(6)

المبحث الثالث عشر: أفعال العباد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

رأي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حول خلق أفعال العباد :

1- سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) عن أفعال العباد: أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال(عليه السلام): “لو كان خالقاً لها لما تبرّء منها، وقد قال سبحانه: { أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم ، وإنّما تبرّء من شركهم وقبائحهم”(1).

2- إنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله بالقدرة التي منحها اللّه تعالى له ، “والضرورة قاضية بإسناد الأفعال إلينا”(2) .

3- قال الشيخ الحرّ العاملي: “مذهب الإمامية والمعتزلة أنّ أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها”(3) .

تنبيه مهم :

إنّ “الخلق” ينقسم إلى قسمين :

الأوّل: إيجاد “شيء” من “لا شيء” .

وهذا القسم من الخلق مختص باللّه تعالى فقط ، ولا يقدر عليه إلاّ اللّه عزّ وجلّ .

____________

1- تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد: ج5، فصل في أفعال العباد ، ص44 .

الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي: ج1، أبواب أصول الدين، باب 47، ح7 [ 266 ] ، ص258 ـ 259 .

بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5 ، كتاب العدل والمعاد، باب 1، ذيل ح29، ص20 .

2- تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، نفي الجبر، ص199 .

3- الفصول المهمة، الحرّ العاملي: ج1، أبواب أصول الدين ، باب 47، ذيل ح4 [ 263 ] ، ص257 .

الصفحة 236

من الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا الخلق :

قال تعالى: { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ }[ الأعراف: 54 ]

والخلق هنا بمعنى إيجاد “شيء” من “لا شيء”(1).

الثاني: الخلق بمعنى التقدير والتصوير والصنع ، من قبيل القيام بتركيب مجموعة أشياء للوصول إلى شيء جديد له من الخصائص ما تفترق عن خصائص أجزائه ، أو من قبيل وقوع الأحداث التي تتم عن طريق تحريك جزء من مكان إلى مكان آخر .

وهذا القسم من “الخلق” يدخل في مقدور الإنسان .

من الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا الخلق :

قوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام): { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ }[ آل عمران: 49 ] .

أي: أنّي أقدّر لكم وأصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير(2)، وليس المراد من “الخلق” هنا “إيجاد شيء من لا شيء” .

النتيجة :

إنّ خلق الإنسان لأفعاله يكون من قبيل القسم الثاني للخلق، وهو عبارة عن القيام بتركيب مجموعة أشياء أو تحريكها للوصول إلى شيء جديد ، ولا يكون خلق الإنسان من قبيل القسم الأوّل للخلق وهو خلق “شيء” من “لا شيء” ، لأنّ هذا الخلق من مختصات اللّه تعالى فحسب .

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

“في الربوبية العظمى والإلهية الكبرى:

لا يكوّن الشيء لا من شيء إلاّ اللّه .

____________

1- انظر: التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي: ج4، تفسير آية 54 من سورة الأعراف ، وقد عبّر الشيخ الطوسي عن معنى إيجاد شيء من لا شيء بكلمة “الاختراع” .

2- انظر: المصدر السابق: ج2، تفسير آية 49 من سورة آل عمران .

الصفحة 237

ولا ينقل الشيء من جوهريته إلى جوهر آخر إلاّ اللّه .

ولا ينقل الشيء من الوجود إلى العدم إلاّ اللّه”(1) .

أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول أفعال العباد :

1- الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين”(2) .

2- الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه ، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه …”(3) .

3- الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل اللّه”(4) .

4- الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)، قال لأبي حنيفة عندما سأله عن مصدر المعصية:

” … لا تخلو من ثلاث :

[ أوّلاً ] إمّا أن تكون من اللّه وليس من العبد شيء، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله.

[ ثانياً ] وإمّا أن تكون من العبد ومن اللّه ، واللّه أقوى الشريكين ، فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه .

[ ثالثاً ] وإما أن تكون من العبد ، وليس من اللّه شيء، فإن شاء عفى ، وإن شاء عاقب”(5).

5 ـ الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

“العمل الصالح: العبد يفعله واللّه به أمره .

والعمل الشرّ: العبد يفعله واللّه عنه نهاه”.

فقال السائل: أليس فعله بالآلة التي ركّبها فيه ؟

____________

1- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج4، كتاب التوحيد، باب5، ح2، ص148 .

2- المصدر السابق: ب3، شرح ح2 ، ص197 .

3- المصدر السابق: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح22، ص16 .

4- المصدر السابق: ح109، ص59 .

5- المصدر السابق: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح33 ص27 .

الصفحة 238

قال(عليه السلام): “نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشر الذي نهاه عنه”(1) .

رأي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حول قدرة العبد :

1- إنّ اللّه تعالى هو الذي منح الإنسان القدرة والاستطاعة بحيث تكون مالكية الإنسان لهذه القدرة والاستطاعة في طول مالكيته تعالى ، أي: لا يكون الباري عزّ وجلّ منعزلا عن هذه القدرة والاستطاعة ، بل يكون هو المالك لما ملّك الإنسان، وهو القادر على ما أقدره .

2- إنّ قوّة الإنسان قوّة مؤثّرة ، ولكنها ليست مستقلة ، بل هي قوّة تفتقر في ذاتها إلى اللّه تعالى .

أقوال أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حول قدرة العبد :

1- قال الإمام علي(عليه السلام) لأحد الأشخاص حول الاستطاعة التي يملكها الإنسان: ” [ إنّك ] تملكها باللّه الذي يملكها من دونك ، فإن ملّككها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، وهو المالك لما ملّكك والمالك لما عليه أقدرك”(2) .

2 ـ قال الإمام علي(عليه السلام) عن معنى “لا حول ولا قوة إلاّ باللّه”:

“إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً ، ولا نملك إلاّ ما ملّكنا ، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا ، ومتى أخذه منّا ، وضع تكليفه عنّا”(3) .

3- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “ما كلّف اللّه العباد كلفة فعل، ولا نهاهم عن شيء حتّى جعل لهم الاستطاعة ، ثمّ أمرهم ونهاهم ، فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلاّ باستطاعة متقدّمة قبل الأمر والنهي، وقبل الأخذ والترك ، وقبل القبض والبسط”(4) .

4- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “لا يكون العبد فاعلا ولا متحرّكاً إلاّ والاستطاعة معه من اللّه عزّ وجلّ، وإنّما وقع التكليف من اللّه عزّ وجلّ بعد الاستطاعة، فلا يكون

____________

1- المصدر السابق: ح29، ص19 .

2- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب1، ح30، ص24 .

3- نهج البلاغة ، الشريف الرضي: باب المختار من حكم أمير المؤمنين(عليه السلام)، الحكمة رقم 404، ص742 .

4- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب1، ح57، ص38 .

الصفحة 239

مكلّفاً للفعل إلاّ مستطيعاً”(1) .

5- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه ، وأمرهم ونهاهم ، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه فقد جعل لهم السبيل إلى تركه ، ولا يكونون فيه آخذين ولا تاركين إلاّ بإذن اللّه عزّ وجلّ”(2) .

6- قال الإمام علي بن محمّد الهادي(عليه السلام): “إنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ يجازي العباد على أعمالهم، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إيّاها، فأمرهم ونهاهم …”(3) .

خصائص قدرة الإنسان:

1- إنّ اللّه تعالى منح الإنسان قدرة محدودة، لكي يستخدم هذه القدرة في ما طلب اللّه تعالى منه .

2- إنّ لكلّ إنسان دائرة محدودة من القدرة، وهذه المحدودية هي السبب في نيله الحدّ المحدود من أهدافه ومبتغياته ، وهي العامل في عدم وصوله إلى تحقّق جميع آماله .

3- إنّ الإنسان مكلّف بالجدّ والاجتهاد واستخدام قدرته في سبيل الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وقد حثّه الباري عزّ وجلّ على استعمال قدرته المحدودة في أوسع نطاقها وفي أبعد مداها، فقال تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى }[ النجم: 39]

4- إذا تمكّن الإنسان بقدرته أن يصل إلى أهدافه السامية فبهاونعمت ، وإن لم يتمكّن من ذلك بعد استعمال كلّ الوسائل وبذل كلّ ما في وسعه، فعليه أن يعلم بأنّ

____________

1- المصدر السابق: ح46، ص35 .

2- المصدر السابق: ح55، ص37 .

3- تحف العقول، أبو محمّدالحسن بن علي الحرّاني: ما روي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد(عليه السلام)، رسالته ؤفي الرد على أهل الجبر والتفويض ، ص341 .

الصفحة 240

اللّه تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها .

5- شاءت الإرادة الإلهية أن يكون التقاعس والتواكل والكسل والخمول وعدم استعمال القوة سبباً للعجز والتسافل ، وأن يكون الإقدام والسعي والمحاولة واستعمال القوة في نطاقها الصحيح سبباً إلى الإنتاج المثمر .

رأي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حول نسبة أفعال العبد إلى اللّه تعالى :

إنّ فعل الخير الذي يفعله الإنسان يُنسب إلى اللّه تعالى ، لأ نّه منح الإنسان القدرة وأمره به ، وأمّا فعل الشرّ فإنّه لا ينسب إلى اللّه تعالى ، لأ نّه عزّ وجلّ نهى عنه وأمر بتركه .

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): ” [ جاء في الحديث القدسي ] … قال اللّه: يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك”(1) .

توضيح ذلك :

السبب في أولوية نسبة سيئات الإنسان إلى نفسه :

إنّ اللّه تعالى وهب للإنسان القدرة، ونهاه عن ارتكاب السيئات ، فإذا صرف الإنسان هذه القدرة في السيئات ، صار أولى بها، لأ نّه صرف الشيء في ما نهاه اللّه تعالى عنه .

____________

1- الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ، ح3، ص157 .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون