النبي وأهل بيته » الأصحاب والتلامذة »

الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني

اسمه وكنيته ونسبه(1)

أبو زهير، الحارث بن عبد الله بن كعب الأعور الهمْداني الكوفي.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه كان من أعلام القرن الأوّل الهجري، ومن المحتمل أنّه ولد في الكوفة باعتباره كوفي.

صحبته

كان(رضي الله عنه) من أصحاب الإمامين علي والحسن(عليهما السلام).

جوانب من حياته

* عدّه الشيخ المفيد(قدس سره) من المجمعين على خلافة علي(عليه السلام) وإمامته بعد قتل عثمان(۲).

* كان من الثقات العشرة الذين أمر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) كاتبه عبيد الله بن أبي رافع بدخولهم عليه، حيث قال له: «أدخل عليَّ عشرة من ثقاتي. فقال: سمّهم لي يا أمير المؤمنين؟ فقال(عليه السلام): أدخل… والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني»(۳).

* «كان من القرّاء الذين قرأوا على الإمام علي(عليه السلام) وابن مسعود، وقرأ عليه أبو إسحاق السبيعي»(۴).

* أمره الإمام علي(عليه السلام) لمّا أراد الخروج إلى صفّين أن ينادي في الناس: أن أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة، فنادى الحارث في الناس بذلك(۵).

* أمره الإمام علي(عليه السلام) أن ينادي في الناس عندما أغار أزلام معاوية على الأنبار في العراق من جهة الشام: «أين مَن يشتري نفسه لربّه ويبيع دنياه بآخرته؟ أصبحوا غداً بالرحبة إن شاء الله، ولا يحضر إلّا صادق النية في السير معنا، والجهاد لعدّونا»(۶).

محاورته مع الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)

«عن الأصبغ بن نباتة قال: دخل الحارث الهمْداني على أمير المؤمنين(عليه السلام) في نفر من الشيعة، وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأوّد في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه، وكان مريضاً فأقبل عليه أمير المؤمنين، وكانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حارث؟

قال: نال الدهر منّي يا أمير المؤمنين، وزادني أو زاد غليلاً اختصام أصحابك ببابك، قال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك، والثلاثة من قبلك، فمن مفرطٍ غال، ومقتصدٍ تال، ومن متردّدٍ مرتاب لا يدري أيقدم أم يحجم؟

قال(عليه السلام): بحسبك يا أخا همدان، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي.

قال: فقال له الحارث: لو كشفت فداك أبي وأُمّي الريب عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا.

قال(عليه السلام): قدك فإنّك امرء ملبوس عليه، إنّ دين الله لا يُعرف بالرجال بل بآية أحق فاعرف الحقّ تعرف أهله، يا حارث إنّ الحقّ أحسن الحديث، والصادع به مجاهد، وبالحقّ أخبرك فارعني سمعك، ثمّ خبّر به مَن كانت له حصافة من أصحابك.

ألا إنّي عبد الله، وأخو رسول الله، وصدّيقه الأكبر: صدّقته وآدم بين الروح والجسد، ثمّ إنّي صدّيقه الأوّل في أُمّتكم حقّاً فنحن الأوّلون، ونحن الآخرون، ألا وإنّي خاصّته يا حارث وصنوه ووصيّه ووليّه وصاحب نجواه وسرّه، أُوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب، وعلم القرآن، واستودعت ألف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب، يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد، وأيّدت ـ أو قال: أمددت ـ بليلة القدر نفلاً، وإنّ ذلك ليجري لي وللمستحفظين من ذرّيتي، كما يجري الليل والنهار حتّى يرث الله الأرض ومَن عليها، وأُبشّرك يا حارث، ليعرفني وليي وعدوّي في مواطن شتّى: ليعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض، وعند المقاسمة.

قال الحارث: وما المقاسمة يا مولاي؟ قال: مقاسمة النار، أقاسمها قسمة صحاحاً: أقول هذا وليي فاتركيه، وهذا عدوّي فخذيه.

ثمّ أخذ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بيد الحارث فقال: يا حارث، أخذت بيدك كما أخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيدي، فقال لي وقد اشتكيت إليه حسد قريش والمنافقين: إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو بحجزة ـ يعني عصمة من ذي العرش تعالى ـ وأخذت أنت يا علي بحجزتي، وأخذت ذرّيتك بحجزتك، وأخذت شيعتكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله عزّ وجل بنبيّه، وماذا يصنع نبيّه بوصيّه؟ خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة، أنت مع مَن أحببت، ولك ما اكتسبت. قالها ثلاثاً.

فقال الحارث ـ وقام يجر ردائه جذلاً ـ: ما أُبالي وربّي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني.

قال جميل بن صالح: فأنشدني أبو هاشم السيّد الحميري في كلمة له:

قول عليٍّ لحارث عجب *** كم ثمّ أعجوبة له حملا

يا حار همْدان مَن يمت يرني *** من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه وأعرفه *** بعينه واسمه وما عملا

وأنت عند الصراط تعرفني *** فلا تخف عثرة ولا زللا

أسقيك من بارد على ظمأ *** تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين توقف للعرض *** على حرّها دعي الرجلا

دعيه لا تقربيه إنّ له *** حبلاً بحبل الوصيّ متّصلا

هذا لنا شيعة وشيعتنا *** أعطاني الله فيهم الأملا»(۷).

من أقوال العلماء فيه

۱ـ قال جدّنا الشيخ محمّد طه نجف(قدس سره): «من الأولياء من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأمره أظهر من أن يخفى»(۸).

۲ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «لا ينبغي الريب في وثاقة الرجل وتقواه، ونقبل في المقام شهادة المخالفين في حقّه رغماً على أنف الشعبي الزنديق، الذين يقول: أما إنّ حبّ علي(عليه السلام) لا ينفعك، وبغضه لا يضرّك»(۹).

۳ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «لا محيص من توثيق مَن وثّقه سيّد المتّقين أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، بل مَن يوثّقه(عليه السلام) فهو فوق توثيق الموثّقين ثقةً وجلالةً وورعاً»(۱۰).

۴ـ قال أبو بكر بن أبي داود من علماء العامّة: «الحارث كان أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس، تعلّم الفرائض من علي»(۱۱).

۵ ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي(ت:۶۵۶ﻫ): «كان أحد الفقهاء، له قول في الفتيا»(۱۲).

روايته للحديث

يعتبر من رواة الحديث في القرن الأوّل الهجري، فقد روى أحاديث عن الإمام علي(عليه السلام).

وفاته

تُوفّي(رضي الله عنه) عام ۶۵ﻫ.

—————————–

۱- اُنظر: معجم رجال الحديث ۵ /۱۷۲ رقم۲۴۹۱.

۲- اُنظر: الجمل: ۵۲.

۳- كشف المحجّة: ۱۷۴.

۴- أعيان الشيعة ۴ /۳۶۷. نقلاً عن طبقات القرّاء للجزري.

۵- اُنظر: وقعة صفّين: ۱۲۱.

۶- شرح نهج البلاغة ۲ /۸۹ الخطبة۲۷.

۷- بشارة المصطفى: ۲۴ ح۴.

۸- اتقان المقال: ۳۶.

۹- تنقيح المقال ۱۷ /۱۷۵ رقم۴۴۲۳.

۱۰- المصدر السابق ۱۷ /۱۷۷ رقم۴۴۲۳.

۱۱- تهذيب الكمال ۵ /۲۵۲.

۱۲- شرح نهج البلاغة ۱۸ /۴۲ الكتاب۶۹.

بقلم: محمد أمين نجف