الإمام

الحالة السياسية والاجتماعية في عهد بني أمية والإمام زين العابدين(ع)

كانت خلافة بني أميّة انتكاسة شديدة للمشروع الإسلاميّ في ثلاثة مواقع:

1ـ في المواقع القياديّة للمجتمع الإسلاميّ الناشئ.

2ـ في القيم والأحكام التي جاء بها رسول الله (ص) من عند الله لهذه الأمّة، وأحلّها محلّ القيم والأعراف والأنظمة

الجاهليّة.

3ـ في بناء الأمّة التي وضع رسول الله (ص) أسسها على هدى الوحي.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار فأن الفترة الزمنيّة التي تفصل بين وفاة رسول الله (ص) وقيام الحكومة الأمويّة أقل من نصف قرنٍ، نعرف مدى فداحة الخسارة التي أصابت الكيان الربّاني الذي أقامه رسول الله (ص) في دنيا الناس.. وإليك تفصيل هذا الإيجاز.

المواريث النبويّة الثلاثة:

لقد تُوفّي رسول الله (ص) وخلّف من بعده ثلاثة مواريث .. وكانت هذه المواريث الثلاثة كافيّة لإنقاذ البشريّة كلّها من

ظلمات الجاهليّة.. وهذه الثلاثة هي:

1ـ ميراث المواقع القياديّة الجديدة التي أحلّها رسول الله (ص) محلّ المواقع القياديّة الجاهليّة.. فقد جاء الإسلام بانقلاب شامل في المواقع القياديّة، حيث وضع الإسلام اناساً كانوا في قمّة الهرم الاجتماعيّ في الجاهلية، ورفع اناساً كانوا في حضيض المجتمع الجاهليّ من قبل.

وقد ثقل هذا التغيير في المواقع القياديّة على الناس، وكانوا يعاتبون في ذلك رسول الله (ص).. ولكن رسول الله لم يكن يعبأ بهذا العتاب والنقد، ويعلم جيداً أن الطبقة التي كانت تمارس الدور القيادي في المجتمع الجاهلي، لا تصلح أن تتولى نفس الدور في هذا المجتمع الناشئ الجديد الذي أقامه الله موضع المجتمع الجاهلي، وأن العقول التي اشربت بالأفكار والأعراف الجاهلية، وتكونت فيها، لا تستطيع أن تمارس دور القيادة في هذا المجتمع الناشئ الذي قام على أنقاض الحياة الجاهليّة …

وهناك علاقة وثيقة بين سلامة المواقع القياديّة وسلامة الأمّة، وسلامة القيم والأفكار والحدود التي تنظّم حياة الأمّة.

وينعكس أي فساد وانحراف في المواقع القياديّة على الأمّة مباشرة في ثقافتها، واستقامتها، ومقاومتها، وحصانتها، ورفضها للظلم والفساد، وكذلك ينعكس على التراث التشريعي والحضارة للأمّة.

2ـ ميراث القيم والحدود والأحكام الإلهيّة، وهو ميراث إلهيّ عظيم، جاء به رسول الله (ص) من عند الله وأحلّه محل التقاليد والأفكار والأعراف والأنظمة الجاهليّة والقبلية …

إن الحضارات تختلف وتتعدّد باختلاف القيم والأعراف والأنظمة والأحكام … فكان للمجتمع الجاهليّ العربيّ أفكاره وأعرافه وأحكامه التي تخصّه، وللحضارات اليونانيّة، والفارسيّة، والرومانيّة، والهنديّة، والمصريّة يومذاك أحكامها وأعرافها ونظمها وقيمها الخاصّة بها، إلا أن هذه الحضارات جميعاً عربيّة وغير عربيّة كانت تجمعها المقاييس والأصول الجاهليّة في التفكير والتنظيم والتقييم.

وجاء رسول الله (ص) إلى البشريّة بالإسلام، وهو نظام إلهيّ جديد على الناس، وقيمهم، ومعاييرهم في الحكم، وأنظمة حياتهم يومذاك، صادر من مصدر الوحي الإلهيّ، يتطابق مع فطرة الناس التي فطر الناس عليها، ويقع في امتداد الرسالات الإلهيّة السابقة عليه في خطّ تكامليّ، يلغي في حياة الناس كل القيم والتنظيمات والأحكام الجاهلية، ويبني الفرد والمجتمع بناءً جديداً على أسس ومقاييس جديدة تماماً على أفكارالناس… وهذا ميراث (تشريعيّ) و (قيمي) و (عقائدي) عظيم، خلّفه رسول الله (ص) من بعده في هذه الأمّة.

ولحمايّة هذا الميراث الحضاريّ والتشريعيّ العظيم لابدّ من وجود قيادة أمينة، مستوعبة لشريعة الله وأحكامه وقيم هذه الشريعة ومعاييرها في التنظيم والتقييم. .. وفي غير هذه الصورة إذا حدثت انتكاسة في المواقع القياديّة في المجتمع، وتولّى قيادة الأمّة الناشئة اناس من نفس الطبقة التي كانت تحكم المجتمع الجاهلي من قبل، فقد تكوّنت عقولهم ونفوسهم في الحضارة الجاهلية … فسوف يكون لهذه الانتكاسة تأثير كبير في تحريف دين الله وأحكامه وقيمه، ولعلّ اهتمام الإسلام بسلامة المواقع القياديّة (الإمامة) في المجتمع لهذا السبب.

وقد طلب إبراهيم (ع ) بعد أن امتحنه الله بالكلمات الصعبة، ( وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُن) ورزقه ، الإمامة العامّة في حياة الناس ( قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) طلب إبراهيم (ع ) من الله أن يجعل الإمامة في ( ذرّيته قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) .

فاستجاب الله تعالى لدعاء عبده وخليله إبراهيم، ولكن الله تعالى ذكّره بأن عهده في الإمامة وقيادة الأمّة، لا ينال الظالمين ( قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِين ) ، ولن يكون الظالمون أهلًا لاستلام موقع الإمامة والقيادة في المجتمع الإسلاميّ.

3ـ الأمّة، وهي الكيان الحضاريّ المبارك الذي جعله الله أمّة وسطاً، وأمّة شاهدة على الناس، وحاملة للتوحيد، وقيّمة على البشريّة (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)، وبناء هذا الكيان هو كلّ عمل الأنبياء وجهدهم وجهادهم في التاريخ.

وهذه الأمّة هي التي حملت كلمة التوحيد إلى أرجاء المعمورة، وحملت عن رسول الله (ص) تبليغ هذه الرسالة، وتحمّلت مسؤوليّة إزالة الاستكبار والشرك والكفر والفساد من وجه الأرض.

تلك هي المواريث الثلاثة الكبيرة التي أورثها رسول الله (ص) أجيال المسلمين من أمّته من بعده.

الانتكاسة:

إلا أن هذه المواريث العظيمة تعرّضت لانتكاسة شديدة على يد بني أمية، منذ عهد معاوية، وتحوّلت القيادة الإسلاميّة إلى ملك عضوض، وفقدت مقوّماتها الدينية، وتحوّلت إلى سلطة زمنيّة ظالمة، استخدمت لتحقيق أهدافها السياسيّة في بسط سلطانها ونفوذها بكل الوسائل الممكنة، ما حظرها الله على أصحاب السلطان وما لم يحظر، وحكّم بنو أميّة أتباعهم وأزلامهم في مرافق الدولة ومصالح المسلمين والولايات الإسلاميّة، بشكل واسع.

وصدقت في ذلك نبوءة أبي سفيان وغايته التي كان يسعى إليها.

يقول ابن عبد البرّ في الاستيعاب:

إن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه، فقال: ( قد صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنّة ولا نار.

فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل).

ومرّ أبو سفيان بقبر حمزة (رض)، عندما صارت الخلافة إلى عثمان، فضربه برجله، وقال: (يا أبا عمارة، إن الأمر الذي تجالدنا عليه، أصبح بيد صبياننا).

… وهكذا كان، فقد تمكن بنو أميّة من بسط سلطانهم على كلّ أقاليم العالم الإسلاميّ، وتمكنوا من القضاء على أكثر خصومهم السياسيّ ين والفكريّين، وقضوا بما نشروا في الناس من الإفساد والإرهاب على حالات المقاومة والرفض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمّة.

فلا يحدّثنا التاريخ أن المجازر التي قام بها (مسرف) بن عقبة في حرم رسول الله (ص) بالمدينة أحدثت ردود فعل بحجم الجريمة التي ارتكبها ابن معاويّة في الأوساط الإسلاميّة يومذاك. وهو أمر غريب، أن تحدث جريمة بهذه البشاعة والسعة في حرم رسول الله (ص) فلا ينهض المسلمون للإنكار على بني أمية، ولم تحدث ثورات وانتفاضات رافضة ومستنكرة لهذه الجريمة!

ويدخل الغناء والطرب في صلب فريضة الحجّ، وفي منى، ويشغل حكّام بني أميّة المسلمين عن حجّهم وعبادتهم باللهو الذي حرّمه الله، ويتسابق المطربون والمطربات في ليالي البيض في منى إلى عرض كفاءاتهم ومهاراتهم الفنيّة في فنون الغناء، ثمّ لا تجد من يستنكر ويثور وينتفض لهذا الانحراف الشديد عن فريضة الحجّ، وللخواء الذي أصاب الحجّ أيّام بني أميّة!

وكان عمر بن ربيعة شاعرهم ينتهك أعراض المسلمين ويتغزّل بالنساء في طواف الحجّ، فلا يستطيع أحد أن يناله بسوء، لموقعه من بني أميّة وحمايتهم له!

ويشرب الخليفة، ويسكر، ويرتاد قصره أصحاب المجون والخلاعة، ويمارس ألواناً من المجون، والخلاعة، والاستهتار، والسكر، والشرب وغير ذلك ممّا حرّمه الله، فلا ينكر ذلك عليه أحد غير أصوات معترضة محدودة هنا وهناك.

ويقوم بنو أميّة بتحريق الكعبة المشرّفة وهدمها، ثمّ لا تجد لهذه الجريمة أصداء استنكار ورفض في العالم الإسلامي.

لقد كان للانحراف الذي حدث في موقع القيادة في هذه الأمّة تأثير واسع على الأمّة، وإرادتها، ووعيها، ومقاومتها، وقدرتها على الرفض والاستنكار، والتزامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كان له تأثير سلبيّ على القيم والأفكار والأحكام والحدود التي تعتبر المحتوى والإطار الحضاري لهذه الأمّة.

وهو أمر طبيعي، فإن الفساد الذي يجري في قمة الهرم الاجتماعي في أيّة أمة ينسحب بالضرورة على كلّ المؤسّسات والبُنى والكيانات التي يتضمّنها الهرم الاجتماعي، بقدر ما تفقد الأمّة في هذا الفساد القيادي من حصانتها ومقاومتها وإرادتها.. وكلّما يكون تأثير هذا الإفساد أكثر في سلب حصانة الأمّة ومقاومتها، يكون مداه أوسع وحجمه أكبر …

وقد رأينا قريباً أن بني أميّة بسطوا نفوذهم السياسيّ في العالم الإسلاميّ عن طريق الإرهاب والإفساد، وقد بسطت الكلام في ذلك في كتاب (وراث الأنبياء) بشكل موثّق … وكان لأعمال الإرهاب والإفساد الذي مارسه بنو أميّة في وسط هذه الأمّة دور كبير في تجريد الأمّة عن المقاومة والمعارضة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ورأينا فقهاء هذه الفترة يحمون البلاط الأمويّ من غضب الناس وثورتهم بالافتاء بحرمة الخروج على الظالم، مهما بلغ ظلمه مثل عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والزهري، وغيرهم.

هذه بالإجمال صورة مصغّرة عن عصر الإمام زين العابدين (ع).

الواقع السياسيّ والدينيّ الذي عاشه عليّ بن الحسين (ع):

لقد عاد الإمام (ع) من الشام إلى الحجاز بتصوّر كامل عن المنهج السياسيّ والاجتماعي والتربوي والتثقيفي الذي يفرضه عليه الظرف الصعب الذي ابتلاه الله تعالى به، في موقع الإمامة بعد مأساة الطف المروّعة.

عاد الإمام (ع) إلى الحجاز ليواجه هذه الحقائق المؤسفة ماثلة أمامه في الحرمين الشريفين وفي الحجاز وعند عامة المسلمين.

لقد رأى عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) بغي بني أميّة في العراق والحجاز، وانتهاك حرمات الإسلام في كربلاء والمدينة ومكّة، وسكوت المسلمين عن جرائم بني أميّة وانتهاكاتهم، ورأى انتشار الفساد واللهو في بلاد المسلمين بدءاً بقصور الخليفة نفسه، مروراً بالحرمين الشريفين إلى سائر مناطق العالم الإسلاميّ دون أن تكون هناك مقاومة تذكر لهذا كلّه في المسلمين.

وكانت خيارات الإمام (ع) محدودة جدّاً في ظروف القهر والإرهاب الأمويّين لاستعادة الإسلام إلى مجاريه الطبيعيّة في وسط هذه الأمّة، وإعادة بناء الأمّة التي أفسدها بنو أميّة إلى الخطّ الإسلاميّ الصحيح الذي نزل به الروح الأمين على رسول الله (ص).

بناء الجماعة الصالحة:

لقد توجّه الإمام يومئذٍ إلى بناء (الجماعة الصالحة) التي تحمّل قيم هذا الدين وثقافته وتجسّد اهتماماته، وتنهض برسالته، وتلتزم بالتزاماته وتعهداته، وتسلك مسالك الأنبياء والصالحين في الحياة، لتكون هذه الجماعة هي الجماعة النموذجيّة الواقعيّة التي تتحرّك على الأرض، وهي الأساس ونقطة البدايّة لإعادة بناء الأمّة على الخطّ الإسلاميّ الصحيح النقيّ الذي جاء به رسول الله (ص) من عند ربّ العالمين.

كانت هذه الخطوة هي الخطوة الأولى في عمل عليّ بن الحسين (ع) واللبنة الأساسيّة التي بنى عليها أهل البيت (عليهم السلام) بنيانهم الثقافيّ والسياسيّ.

وكذلك نجد أن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يواصلون هذه الرسالة في بناء الجماعة الصالحة منذ عهد عليّ بن الحسين )ع) حتى أيّام الغيبة الصغرى.

واتّسعت فيما بعد رقعة هذه الجماعة في أيّام عليّ الهادي وأبي محمّد العسكري (عليهماالسلام)، وأصبح لها مراكز وتجمّعات في الحجاز وبشكل خاصّ في المدينة، وفي اليمن، والكوفة، والبصرة، وبغداد (الكرخ)، وجبل عامل، وخراسان، وقم، وري، وأهواز، وسجستان، وبُست، وواسط، وما وراء النهر، ومصر، والمغرب العربي.. وعلى العموم اتّسعت رقعة هذه الجماعة شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في القرن الثالث الهجري إلى أغلب المناطق الإسلاميّة، وكان لهم فيها تجمّعات، ومراكز، وحوزات علمية، وعلماء، ومحدّثون، وشبكة منظمة وواسعة من الوكلاء، وجباة للأموال، والدعاة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وكانت لهم ثقافة ومدارس، وكانوا يلتزمون بالتزامات أمنيّة متشدّدة، وبالسريّة والتقيّة في العمل ..وكان لهذه الضوابط دور كبير في حفظهم وإبقائهم، رغم كلّ الإرهاب الذي كان يمارسه بحقّهم بنو أمية، ومن بعدهم بنو العباس، حتى في أشدّ مراحل ضعفهم.

وكانت هذه الجماعة أساساً صالحاً لبناء ثقافيّ وسياسيّ وحركيّ داخل هذه الأمّة.

ونتوقف قليلًا عند هذه الكلمة (داخل هذه الأمّة). فلم تكن الغايّة من هذه الحركة التربويّة التي بدأها الإمام عليّ بن الحسين )ع)، واستمرّت حتى حياة الإمام أبي محمّد العسكريّ (ع)، ومن بعده في فترة الغيبة الصغرى، ثمّ آتت ثمارها من بعد ذلك في الغيبة الكبرى، أقول: لم تكن الغايّة من هذه الحركة، بناء جماعة صالحة بمعزل عن الأمّة، وخارج هذه الأمّة، أو بناء أمة داخل الأمّة، وإنما كانت الغايّة- كما سوف نتحدّث عنها إن شاء الله- هي أن تكون هذه الجماعة الصالحة نموذجاً صالحاً للتكامل والصلاح في هذه الأمّة.

ففي جميع مراحل الصراع بين أئمّة أهل البيت (عليهم السلام ) وشيعتهم، وبين السلطة الأمويّة والعباسيّة كان أئمّة أهل البيت )عليهم السلام ) يؤكّدون على أمور ثلاثة، نجدها واضحة في كلماتهم وتعليماتهم:

مقاطعة حكّام بني أميّة وبني العبّاس الظلمة المنحرفين عن الإسلام، والابتعاد عنهم، وعدم الدخول في أعمّالهم إلا بقدر ما تقتضيه المصلحة الإسلاميّة في تسيير الأمور … هذا أوّلًا.

وعلى حضور الجماعة الصالحة في وسط الأمّة، وعدم اعتزالهم لأوساط الجمهور من هذه الأمّة .. ثانياً.

وبناء الجماعة الصالحة الملتزمة بحدود الله، وقيم هذا الدين وأخلاقه وبالتواصل والتكافل فيما بينهما، وبالصبر والالتزام بالسريّة (التقيّة) في حركتهم وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع الإسلاميّ الكبير … ثالثاً.

إن إعداد الجماعة الصالحة كان من أولويّات عمل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، بدءاً من الإمام زين العابدين ( ع ) إلى فترة الغيبة الصغرى … وكان لهذه الجماعة تأثير واسع في حركة أهل البيت الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعية… ولا نستطيع أن نفهم دور أهل البيت (عليهم السلام) وحركتهم بعد مصرع الحسين (ع ) إلى الغيبة الصغرى في مرحلة إمامة الإمام محمّد المهدي ما لم نفهم قيمة هذه الجماعة في حركتها الثقافيّة والسياسية.

ولم تكن الغايّة من هذه الجماعة ( شيعة أهل البيت عليهم السلام ) أن تكون بديلة عن الأمّة، وإنما كانت الغايّة أن تكون سبيلًا إلى تغيير الأمّة سياسياً وثقافياً وحركياً … وهذه الجماعة- كما قلنا- هي الجماعة التي غلب عليها اسم ( شيعة أهل البيت عليهم السلام) في تاريخ الإسلام، وتعرضت لاتهامات ظالمة وعدوان ومقاطعة ومطاردة من قبل الحكّام الظالمين وأزلامهم في التاريخ.

وهذه مسألة مهمّة جدّاً في فهم التخطيط السياسيّ والثقافي لحركة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن دون أن نأخذ هذه النقطة الأخيرة بنظر الاعتبار لا نستطيع أن نفهم الأهداف التي كان يتوخّاها أهل البيت (عليهم السلام) بعد مصرع الحسين(ع) إلى الغيبة الصغرى.

الكاتب: محمد مهدي الآصفي