الحرب ضد الارهاب اعادت رسم جغرافيته

بعد اكثر من عشرة اعوام على المشروع الانجلو – امريكي تحت مسمى “الحرب على الارهاب” يتضح يوما بعد آخر ان تلك الحرب فشلت في تحقيق هدفها المعلن وهو القضاء على تلك الظاهرة الدموية المقيتة. وبدلا من ذلك انتشرت رقعة العنف واتخذت ابعادا مخيفة جدا. ومما يضاعف الخوف رفض الغربيين الاعتراف بفشل مشروعهم ونتائجه العكسية. انطلق المشروع على خلفية حوادث ۱۱ سبتمبر الارهابية التي استهدفت الولايات المتحدة ودمرت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وادت الى مقتل حوالي ۳۰۰۰ شخص.

الغضب الامريكي آنذاك دفع البيت الابيض لاتخاذ قرار الحرب ضد افغانستان، واسقاط حكومة طالبان التي رفضت، يومها، تسليم اسامة بن لادن. وقد تعهد الرئيس الامريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، بشن حرب ضد تنظيم القاعدة تحت مسمى “الحرب ضد الارهاب”. وطلب بوش من دول العالم الاشتراك معه في تلك الحرب، واطلق عبارته الشهيرة: من ليس معنا فهو مع الارهاب. وخلال السنوات التالية بدا ان واشنطن وحلفاءها قد اصابوا الارهاب في مقتل. فقد اعتقلوا الآلاف بذرائع من بينها الانتماء لتنظيم القاعدة، وأنشأوا السجون السرية في اكثر من ۳۰ بلدا، ونظموا الرحلات الجوية السرية لنقل المعتقلين، الذين اختطف بعضهم من الشوارع في وضح النهار، من سجن لآخر. واصبح سجن “جوانتنامو” رمزا للهيمنة الامنية الامريكية العالمية. حدث ذلك كله برغم الاصوات الحقوقية الدولية التي شجبت ما تفعله امريكا بالسجناء، خصوصا عندما تمت شرعنة التعذيب رسميا، باعتراف الرئيس بوش نفسه، خصوصا استخدام اسلوب “الايحاء بالغرق” لنزع الاعترافات من السجناء مثل خالد الشيخ محمد. وساد الاعتقاد بان السياسة الامريكية المدعومة من حلفائها خصوصا بريطانيا، قد قطعت اشواطا كبيرة في القضاء على الارهاب الذي كان تنظيم القاعدة رمزه الكبير.

واليوم، كيف يبدو مشهد الحرب على الارهاب؟ وهل حقا استطاع التحالف الذي قادته الولايات المتحدة تحقيق ما وعد العالم به؟ تقريران صدرا الاسبوع الماضي يؤكدان الفشل الذريع لمشروع “الحرب ضد الارهاب” ويعمقان القلق من استمرار الاضطراب السياسي والامني خصوصا في المنطقتين العربية والاسلامية. اولهما، جاء في ۲۸ مايو بعض محتوياته على لسان رئيس لجنة اللامم المتحدة لمراقبة الحصار المفروض على القاعدة، وثانيهما صدر في ۲۱ مايو على موقع “معهد واشنطن” المعني بدراسة السياسة الامريكية في الشرق الا وسط، كتبه هارون زيلين، الباحث في قضايا المجموعات الجهادية وكيف انها اصبحت تتكيف مع البيئة السياسية الجديدة في فترة الربيع العربي والانتشار السلفي. وكلاهما يعكس جانبا مرتبطا، بشكل او آخر بالصراع مع ظاهرة الارهاب. التقرير الاول يتحدث عن توسع انتشار مقاتلي تنظيم القاعدة في مناطق واسعة من العالم، وان عددهم في تصاعد مستمر. يقول التقرير ان سعي القاعدة لتجنيد مقاتلين اجانب وسع الشبكة الدولية للمجموعة ويمكن ان يؤدي الى شبكات للمتطرفين في اوروبا ومثلها في العالم العربي. هذا الدبلوماسي الاسترالي المكلف متابعة الملف يقول ان المسؤولين بدول شمال افريقيا والشرق الاوسط واوروبا اصبحوا يتدبرون في تبعات عودة المقاتلين الى بلدانهم بعد ان اكتسبوا خبرات ميدانية واسعة. واكد السفير الاسترالي، جاري كوينلان، الذي انيطت به هذه المهمة ان هناك منحى تصاعديا لتجنيد المقاتلين الاجانب من قبل تنظيم القاعدة والمجموعات التابعة لها في العديد من مسارح العمليات، خصوصا سوريا. وقال ان القاعدة اصبحت قادرة على استغلال الظروف والتحالفات المتغيرة والانتقال من جبهة لاخرى. فمثلا استطاع مقاتلو القاعدة الانتقال بسهولة من مالي والجزائر الى جنوب ليبيا حيث اعادوا تجمعهم هناك. كما اشار تقرير الخبراء الى تغير اعمار قيادات التنظيم، وان الكثيرين منهم في عمر الثلاثينات والاربعينات وان لديهم اساليب ونظرات فلسفية جديدة تمكنهم من التعاطي بسهولة مع العناصر الواعدة. وكما اظهرت تجربة مجموعة “بوكو حرام” مؤخرا في نيجيريا، فقد اصبح هناك نشطاء شباب وفرت لاعمال العنف مجالا اوسع، وضيقت آفاق التعامل والتعاون مع القيادات الدينية المحلية. كما ان القيادات المتوسطة بتنظيم القاعدة في افريقيا وآسيا تمتلك معرفة تكنولوجية تساعدها على تطوير اساليب الهجمات بشكل اكثر ابداعا. ونظرا لقدرة شبكات القاعدة على التوزع فان وسائل التجنيد المحلية والعالمية جعلتها اقدر على الاستمرار مما كانت عليه من قبل. هذه النظرة تؤكد ان نتيجة الحرب ضد الارهاب التي فرضتها ادارة جورج بوش على العالم جاءت بعكس ما كان يريد، واصبحت ظاهرة العنف والارهاب اليوم اوسع مدى واقدر على الوصول الى مناطق نائية في افريقيا وآسيا.

امر واحد تحقق للغربيين حتى الآن، وهو انهم استطاعوا منع وصول العمليات العسكرية لتنظيم القاعدة الى العواصم الغربية، وان العمل الاستخباراتي الغربي تضافر مع سياسات الرصد والمتابعة، ليقلل احتمالات تقجر الاوضاع الامنية في الدول الاوروبية في المستقبل المنظور. ولكن الخبراء الاستراتيجيين لا يمكن ان يطمئنوا الى سياسة احتواء الارهاب وتنظيماته ضمن مساحات جغرافية بعيدة عن الغرب كسوريا والعراق وافغانستان وافريقيا. فهذا ما كان الوضع عليه بعد انسحاب القوات السوفياتية من افغانستان. صحيح ان الغربيين اصابوا انفسهم بسلاحهم، عندما ضغطوا على الرئيس الافغاني آنذاك، برهان الدين رباني، لطرد من كانوا يسمون “الافغان العرب” من بلاده، فانتشروا في البلدان، ولكن أليس هذا ما سيحدث في المستقبل غير البعيد؟ فبعد انسحاب القوات الامريكية من افغانستان في نهاية العام الحالي ستبقى افغانستان ارضا خصبة للمجموعات المسلحة، وسيتكرر سيناريو انتشار الارهاب وتوسع دوائره. كما ان الوضع في العراق ليس مرشحا للبقاء الى الابد، خصوصا مع دخول العشائر العراقية في محافظات الانبار والفلوجة في صراع مفتوح مع “داعش” وتفرغ القيادات السياسية في البلاد للتصدي للعنف والارهاب بشكل جاد. وتبقى سوريا هي الحاضنة الرئيسية للمجموعات المسلحة التي يرتبط اغلبها بتنظيم القاعدة. وهنا يتضح بدون اي لبس او غموض، تناقض السياسات الغربية والحلفاء الاقليميين ازاء ظاهرة الارهاب، من خلال الاصرار على تكرار سيناريو افغانستان. اللاعبون لم يتغيروا: الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية وربما حلفاء آخرون، يدعمون المسلحين ويصرون على اسقاط نظام بشار الاسد. فقبل ربع قرن كان هؤلاء الحلفاء يدعمون الجماعات السلفية التي كانت آنذاك في بدايات تحولها الى مجموعات مسلحة. مع ذلك فما ان انسحب السوفيات حتى انطلق الارهاب المنظم بقيادة القاعدة التي ساهمت الدول المتحالفة المذكورة في انشائها وتمويلها. ربع قرن من المعاناة لا تبدو كافية لاقناع هذا التحالف بان العنف لا يولد الا العنف، وان من قاتلوا السوفيات هم من استهدف الامريكيين لاحقا. فلماذا الاصرار على تكرار التجربة بعد ان عانى الكثيرون منها ومن تداعياتها؟

التقرير الثاني الذي نشره معهد واشنطن قدم نبذة عن المقاتلين الاجانب الذين تدفقوا على سوريا، من حيث الخلفيات والعوامل المشجعة لهم ومواقف الغربيين ازاء ذلك. يقول التقرير ان تعبئة هؤلاء غير مسبوقة سواء من حيث عدد المقاتلين ام عدد البلدان التي جاؤوا منها. يقدر التقرير عدد هؤلاء بحوالي ۹۰۰۰ شخص من ۸۰ بلدا، اغلبهم من البلدان العربية واوروبا الغربية (۵۰۰۰ و ۳۰۰۰ على التوالي). كما ان اغلب هؤلاء مرتبط باحدى المجموعتين اللتين يصفهما التقرير بـ “الارهابيتين”: الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة، وهي الاقرب لتنظيم القاعدة. ويقول التقرير كذلك ان هذا العدد يعتبر الاكبر منذ بروز ظاهرة تجنيد المقاتلين الاجانب للمشاركة في البؤر الساخنة في الثمانينات، في فترة أقصر. فلم يتجاوز عدد الذين شاركوا في الحرب الافغانية ما بين ۱۹۷۹ و ۱۹۹۲ الـ ۵۰۰۰ شخص، وفي العراق ۴۰۰۰ شخصا ما بين ۲۰۰۳ ۲۰۰۷٫ بينما في سوريا بلغ العدد ضعف ذلك، الامر الذي يشغل بال الغربيين، حسب ما يقول الكاتب. مع ذلك فهناك اصرار غربي على الاستمرار في السياسة التي سبق ان انتهجت في افغانستان، وكان لها تبعات غير حميدة. فالامريكيون امدوا الجيش الحر بمساعدات عسكرية كبيرة، بينما وفرت السعودية للمجموعات المحسوبة عليها في “الجبهة الاسلامية” امدادات عسكرية كبرى. ومع ان الوضع العسكري في الوقت الحاضر مال لغير صالح المجموعات المسلحة، فهناك اصرار على ابقاء الجبهة السورية ساخنة بتوفير السلاح لهذه المجموعات بدون حساب. وفي حواره في ۲۸ مايو مع بعاموس يادلين مدير معهد دراسات الأمن القومي الاسرائيلي في تل أبيب، قال الامير تركي الفيصل واصفا سوريا “إن الوضع فيها يشبه الجرح الذي يحتاج إلى تنظيف”، مقترحا إجراء عملية التنظيف تلك من خلال تسليح المعارضة، وهو ما وافق عليه المسؤول الإسرائيلي السابق، مؤكدا “ضرورة تحييد دعم الحكومة السورية”. وأضاف” إن التغيير في سوريا سيحدث عبر الخارج وبدعم خارجي وليس من الداخل فقط ولا بد من قوة خارجية تدعم الطرف الداخلي كي يحدث التغيير”.

في ضوء توسع دائرة الارهاب وفشل الحرب عليه، لماذا الاصرار على توسيع دائرة العنف في سوريا؟ أهي الرغبة في اقامة ديمقراطية حقيقية في الشرق الاوسط؟ هل السعودية تدعم التحول الديمقراطي؟ اذا كان الامر كذلك فلماذا استهدفت ثورة البحرين وبعثت قواتها عبر الحدود لقمع شعبها الذي يطالب بحقوق مشروعة؟ ولماذا الدعم السعودي المفتوح للمجموعات التي تمارس العنف في العراق وقتل العشرات من الابرياء يوميا؟ وهنا يطرح البعد الطائفي ويفسر موقف السعودية في العراق بانه يهدف لـ “حماية حقوق السنة والحد من نفوذ الشيعة”. اذا كان الامر كذلك، فلماذا تدخلوا لدعم الانقلاب العسكري ضد الاخوان المسلمين؟ هناك تفسيران للاصرار السعودي على ابقاء الازمة السورية مستمرة في دمويتها. الاول منع قيام نظام سياسي يؤسس لديمقراطية حقيقية، لان ذلك سيؤدي حتما لتغييرات كبيرة في الجزيرة العربية التي تصر على البقاء خارج منظومة الحرية والديمقراطية. والطائفية سلاح استخدم لاشغال الشعوب العربية (غير الشيعية) بحرب طائفية لا طائل فيها لاشغالهم عن التغيير الديمقراطي الذي تأخر كثيرا. والثاني ضرب المجموعات المسلحة والعناصر التي تختزن داخلها خليطا من الغضب واليأس بسبب الوضع السياسي المتخلف جدا في المنطقة. فابقاء جبهتي سوريا والعراق ملتهبتين يوفر مقبرة للعناصر المقاتلة المخدوعة بمشروع قوى الثورة المضادة الهادف لمنع التغيير او الاصلاح. فغلق مسارح العمليات العسكرية يعني عودة المسلحين بخبراتهم الى الجزيرة العربية، وفي ذلك بلاء عظيم لانظمة الحكم التي ترفض التغير والاصلاح. الغربيون يعلمون ذلك، ولكنهم يسايرون حلفاءهم ويأملون كذلك بمنع المقاتلين من التوجه للعواصم الغربية. الحرب ضد الارهاب فشلت في القضاء عليه، فتغير هدفها لتصبح حربا لمنع الارهاب من الوصول للغرب، فليدفع العرب والمسلمون فواتير العنف المدعوم بالمال النفطي الهائل والدعم السياسي من دول “العالم الحر” التي طالما تشدقت بالديمقراطية وحقوق الانسان. سؤال واحد أخير: لماذا تنشط طائرات “درون” في افغانستان وباكستان واليمن، ولا تقوم بطلعة واحدة في اجواء العراق او سوريا؟ فهل نعي حقيقة الواقع؟

الكاتب: دكتور سعيد الشهابي