الحسن-والقبح-العقليان

الحسن والقبح العقليان(1)

المبحث الأوّل: معنى الحسن والقبح

معنى الحسن والقبح (في اللغة) :

إنّ للحُسن والقبح ـ في اللغة ـ عدّة معان منها :

1- “الحسن” ما هو كمال ، و”القبيح” ما هو نقص .

2 ـ “الحسن” ما يلائم الطبع ، و”القبيح” ما ينافره .

3 ـ “الحسن” ما يوافق المصلحة ، و”القبيح” ما يخالفها .

4 ـ “الحسن” ما يتعلّق به المدح ، و”القبيح” ما يتعلّق به الذم .

وسنشير إلى هذه المعاني في المبحث الرابع من هذا الفصل .

معنى الحسن والقبح (في الاصطلاح العقائدي) :

الفعل الحسن :

التعريف الأوّل: هو الفعل الذي لا يستحق فاعله الذم(1).

التعريف الثاني: هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح(2) (3).

____________

1- انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة ، السيّد المرتضى: ج2 ، باب الكلام في الأفعال ، ص563 .

المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص85 .

الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل ، المسألة السادسة ، البحث الأوّل ، ص53 .

2- انظر: تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة في الحسن والقبح ، ص97 .

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الأوّل ، ص 104 .

3- بشرط أن يكون الفاعل قاصداً إلى ما يفعل .

انظر: تقريب المعارف كما في (المصدر السابق) .

 

الصفحة 36

الفعل القبيح :

هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم(1) (2).

صلة المدح والذم بالثواب والعقاب الأخروي :

الرأي الأوّل :

إنّ “الفعل الحسن” هو الفعل الذي يستحق فاعله “المدح” ، ولا شكّ أنّ مدح اللّه تعالى يتبعه في الآخرة “إثابة” فاعل الفعل الحسن .

وإنّ “الفعل القبيح” هو الفعل الذي يستحق فاعله “الذم” ، ولا شكّ أنّ ذمّ اللّه تعالى يتبعه في الآخرة “معاقبة” فاعل الفعل القبيح .

ولهذا ذكر أغلب علماء الإمامية في تعريفهم للحسن والقبح :

“الحسن” ما يستحق فاعله المدح عاجلا والثواب آجلا(3) .

و”القبيح” ما يستحق فاعله الذم عاجلا والعقاب آجلا(4) .

الرأي الثاني :

إنّ الثواب والعقاب الأخروي أمر غير ملازم للحسن والقبح .

لأنّ شرط حصول فاعل الفعل الحسن على “الثواب” هو: إيمانه باللّه وقصده للقربة ونحوها .

وشرط حصول فاعل الفعل القبيح على “العقاب” هو: عدم وجود العفو والشفاعة الإلهية، وعدم مبادرة فاعل القبيح إلى التوبة ونحوها .

فلا ربط للعقاب والثواب بالمدح والذم .

____________

1- انظر: المصدر السابق (مصدري تعريف الفعل الحسن) .

2- بشرط أن يكون الفاعل عالماً بقبح ما يفعله، أو متمكّناً من العلم به ، ولم يكن أي اضطرار إلى فعله .

انظر: تمهيد الأصول ، الشيخ الطوسي: فصل في بيان حقيقة الفعل ، وشرح أقسامه: ص 98 .

3 و 4) انظر: قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص104 .

النافع يوم الحشر ، مقداد السيوري: الفصل الرابع : في العدل ، ص 64 .

إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص 254 .

الصفحة 37

ولهذا قال الشيخ محمّد حسن المظفر :

“إدخال كلمة الثواب والعقاب في تعريفهما [ أي: تعريف الحُسن والقبح ] خطأ ظاهر”(1) .

____________

1- دلائل الصدق ، محمّد حسن المظفر : ج 1 ، المسألة 3 ، المبحث 11 ، المطلب 2 ، ص 363 .

الصفحة 38

المبحث الثاني: أقسام الفعل من حيث الاتّصاف بالحسن والقبح(1)

1- الفعل غير الاختياري(2) : وهو الفعل الذي لا يوصف بالحسن والقبح ، لأنّ استحقاق المدح والذم يرتبط بالفعل الاختياري فقط . وهو لا يتعلّق بالفعل غير الاختياري أبداً(3) .

2 ـ الفعل الاختياري : وهو الفعل الذي يوصف بالحُسن والقبح كما يلي:

أوّلا: الحُسن : وهو على نحوين:

أ ـ يكون له وصف زائد على حسنه، وهو:

الواجب: وهو ما يستحقّ فاعله المدح، ويستحقّ تاركه الذم .

المندوب: وهو ما يستحقّ فاعله المدح، ولا يستحقّ تاركه الذم .

ب ـ لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو :

المباح(4): وهو ما لا مدح فيه على الفعل والترك .

____________

1- انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة ، السيّد المرتضى: ج2، باب: الكلام في الأفعال، ص 563 .

تجريد الاعتقاد ، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، ص 197 .

قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الأوّل ، ص103 .

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص64 .

كشف المراد ، العلاّمة الحلّي : المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الاُولى ، ص418 .

2- من قبيل فعل الساهي وفعل النائم .

3- انظر: تكملة شوارق الإلهام، محمّد المحمدي الجيلاني: الفصل الثالث ، المسألة الاُولى ، ص 25 .

4- إنّ “المباح” يكون من أقسام “الحسن” فيما لو عرّفنا “الحسن” بأ نّه ما لا يستحقّ فاعله الذم ، لأنّ المباح أيضاً لا يستحقّ فاعله الذم .

 

الصفحة 39

ثانياً: القبيح : وهو ما يستحقّ فاعله الذم .

تنبيهان :

1- اختلف علماء الإمامية في أنّ “المكروه” هل هو من أقسام القبيح أو الحسن:

فمن عرّف الحسن بـ “ما لا يستحقّ فاعله الذم” (وفق التعريف الأوّل الذي ذكرناه) اعتبر المكروه من الأمور الحسنة .

ومن عرّف الحسن بـ “ما يستحقّ فاعله المدح” (وفق التعريف الثاني الذي ذكرناه) اعتبر المكروه من الأمور القبيحة(1) .

2- الأصح اعتبار المكروه من الأفعال القبيحة، لترتّب الذم على فعله ، وإن كان هذا الذم أضعف من الذم المتعلّق بالحرام .

____________

1- للمزيد راجع: الكلام المقارن ، علي الرباني الكلبايكاني: الباب السادس ، الفصل الثاني، ص164 .

الصفحة 40

المبحث الثالث: منشأ حسن وقبح الأفعال

تنقسم الأفعال في كيفية اتّصافها بالحسن والقبح على ثلاثة أقسام :

1- يكون الفعل بنفسه علّة تامة للحسن والقبح ، فلا يتغيّر حسنه ولا قبحه بعروض العوارض .

ويشمل هذا الأمر الأفعال التي يدرك العقل ـ عند لحاظها ـ أنّها حسنة أو قبيحة ، بغض النظر عن جميع الجهات الطارئة عليها.

وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتي(1) .

مثال :

العدل والظلم .

فالعدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسناً .

والظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحاً .

ويستحيل ـ في جميع الأحوال ـ أن يكون العدل قبيحاً والظلم حسناً .

ومثله حسن الإحسان وقبح الإساءة .

2- لا يكون الفعل علّة تامة لحسنه أو قبحه ، بل يكون مقتضياً للاتّصاف بالحسن أو القبح ، بحيث يكون الفعل بنفسه حسناً أو قبيحاً ، ولكن قد يتحوّل حُسن هذا الفعل إلى القبح ، أو يتحوّل قبحه إلى الحسن فيما لو عرض عليه عنوان آخر .

____________

1- انظر: مطارح الأنظار ، الشيخ الأنصاري: 245، نقلا عن المباحث الكلامية في مصنفات الشيخ الأنصاري ، إبراهيم الأنصاري الخوئيني: العدل ، هل الحسن والقبح ذاتيان أم لا ، ص62 .

الالهيات ، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 1 / 232 ـ 233 .

الصفحة 41

مثال :

إنّ تعظيم الصديق بصورة عامة فعل حسن ، ولكنه قد يصبح قبيحاً فيما لو عرض عليه عنوان آخر ، كما لو أصبح هذا التعظيم سبباً لإيذاء هذا الصديق من قبل الآخرين .

وفي المقابل فإنّ تحقير الصديق بصورة عامة فعل قبيح ، ولكنه قد يصبح حسناً فيما لو عرض عليه عنوان آخر ، كما لو أصبح هذا التحقير سبباً لإنقاذه من أيدي الظالمين، ومثله الصدق والكذب .

3- يكون الفعل لا علّية له ولا اقتضاء في نفسه للاتّصاف بالحسن أو القبح ، وإنّما يتبع الوجوه والجهات الطارئة والعناوين المنطبقة عليه .

مثال :

الضرب ، فإنّه حسن للتأديب وقبيح للإيذاء .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون