الحسن-والقبح-العقليان

الحسن والقبح العقليان(4)

المبحث الثامن: إثبات الحسن والقبح العقليّين في القرآن الكريم

توجد آيات قرآنية تدل بظاهرها على أنّ العقل البشري قادر بذاته على إدراك حسن وقبح بعض الأفعال ، ومن هذه الآيات :

1- { وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف: 28 ]

وجه الدلالة :

تبيّن هذه الآية بأنّ الكفار كانوا يفعلون القبائح مع اعترافهم بقبحها ، ولكنهم يعتذرون عن ذلك بأنّ اللّه تعالى أمرهم بها، فأبطل اللّه تعالى مقالتهم، وبيّن في هذه الآية بأ نّه تعالى لا يأمر بالفحشاء .

تنبيه :

إنّ ظاهر قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ } هو أنّ اللّه تعالى ينهى عن الفحشاء ، لأنّ الفحشاء قبيحة في نفسها ، لا أنّ الفحشاء تكون قبيحة بعد نهي اللّه تعالى عنها(1).

2 ـ { قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ } [ الأعراف: 33 ]

وجه الدلالة :

تبيّن هذه الآية بأنّ الشريعة تحرّم ما يكون قبيحاً في نفسه .

والفاحشة: “هي الفعلة أو الخصلة التي فحش قبحها في الفطر السليمة والعقول

____________

1- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج8 ، تفسير آية 10 ـ 25 من سورة الأعراف ، ص59 .

 

الصفحة 62

الراجحة التي تميّز بين الحسن والقبيح والضار والنافع”(1).

تنبيه :

لو كان القبيح ما نهى عنه الشارع فقط ـ كما ذهبت إليه الأشاعرة ـ :

فسيكون معنى قوله تعالى { قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ } : “قل إنّما حرّم ربي ما حرّم” !

وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة .

3 ـ { أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } [ الأعراف: 29 ]

وجه الدلالة :

إنّ هذه الآية تشبه الآية السابقة في وجه الدلالة .

أي: لو كان القسط عبارة عما أمر به الشارع فقط ـ كما ذهبت إليه الأشاعرة ـ :

فسيكون معنى هذه الآية: “أمر ربي ما أمر به” !

وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة .

فنستنتج بأنّ “القسط” حسن بذاته، ولهذا أمر اللّه تعالى به ، وليس “القسط” حسنٌ لأنّ اللّه تعالى أمر به .

4- { وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13 ]

وجه الدلالة :

إنّ تعليل قبح الشرك بأ نّه ظلم عظيم يدل على أنّ قبح هذا الفعل تابع لملاك عقلي وهو قبح الظلم .

فالشرك قبيح، لأ نّه ظلم .

والظلم قبيح، لأ نّه قبيح بذاته، وما هو قبيح بذاته لا يعلّل قبحه بعنوان آخر .

5 ـ { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي

____________

1- تفسير المنار، محمّد رشيد رضا : ج8 ، تفسير آية 33 من سورة الأعراف ، ص349 .

 

الصفحة 63

التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ } [ الأعراف: 157 ]

وجه الدلالة :

إنّ “المعروف” هو ما تَعرف العقول السليمة حُسنه ، وترتاح له القلوب الطاهرة لموافقته للفطرة الإنسانية .

وإنّ “المنكر” هو ما تَعرف العقول السليمة قُبحه ، وتشمَئزّ منه القلوب الطاهرة لمنافرته للفطرة الإنسانية .

وأمّا تفسير “المعروف” بما أمرت به الشريعة .

وتفسير “المنكر” بما نهت عنه الشريعة .

فهو من قبيل تفسير الماء بالماء !(1)

وإذا كان “المعروف” هو ما أمرت به الشريعة ، فسيكون معنى: { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: يأمرهم بما أمرهم به ! وهذا المعنى غير صحيح .

وإذا كان “المنكر” هو ما نهت عنه الشريعة ، فسيكون معنى: { وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي: ينهاهم عما نهاهم عنه ! وهذا المعنى غير صحيح .

فيثبت وجود ما هو حسن وقبيح قبل أمر الشارع ونهيه .

6- { أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون: 115 ]

وجه الدلالة :

إنّ هذه الآية تحتجّ على منكري القيامة ، وتبيّن لهم بأنّ إنكار القيامة يلزم كونه تعالى عابثاً في خلقه للإنسان .

ولا يتم هذا الاحتجاج إلاّ إذا كان العبث قبيحاً عندهم ، وكونه تعالى منزّهاً عن فعل القبيح .

____________

1- تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، محمّد رشيد رضا: ج9 ، تفسير آية 157 من سورة الأعراف ، ص193 (بتصرّف) .

الصفحة 64

وبما أنّ هؤلاء المنكرين لم يكونوا من المؤمنين بالرسالة ، فيكشف اعترافهم بقبح العبث أنّ هذا التقبيح نابع من عقولهم .

7 ـ { هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسانُ } [ الرحمن: 60 ]

وجه الدلالة :

يفيد الاستفهام الاستنكاري في هذه الآية “التأكيد”.

ويفيد سياق النفي والاستثناء في هذه الآية “الحصر”.

وعليه فالآية تنص على أصل كلّي ثابت في العقول وهو: “حسن جزاء الإحسان بالإحسان” و “قبح جزاء الإحسان بالإساءة” .

8- { أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم: 35 ـ 36 ]

وجه الدلالة :

تفيد هذه الآية قاعدة عقلية ثابتة، وهي حسن التفريق بين المحسن والمسيء وقبح التساوي بينهما .

وقد ترك اللّه تعالى في هاتين الآيتين القضاء والحكم إلى “العقل”، وهذا ما يدل على قدرة “العقل” على التمييز بين الحسن والقبح في هذه القضايا .

9- { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ } [ ص : 28 ]

وجه الدلالة :

يشبه وجه الدلالة في هذه الآية ما ذكرناه في وجه دلالة الآية السابقة .

10- { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ … وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ… }[ النحل: 90 ]

وجه الدلالة :

تبيّن هذه الآية وجود أُمور توصف بالعدل والإحسان والفحشاء والمنكر قبل

 

الصفحة 65

تعلّق الأمر والنهي الشرعي بها .

وتفيد هذه الآية بأنّ الإنسان يجد من صميم ذاته ومن دون استعانته بالشرع اتّصاف بعض الأفعال بهذه الأوصاف ، بحيث لا يكون دور الشرع في هذه الحالة سوى تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح .

ا

لصفحة 66

المبحث التاسع: رأي الأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال

أوّلا :

رأي الأشاعرة حول الحسن والقبح الذاتي للأفعال :

1- إنّ الحسن والقبح صفات اعتبارية لجميع الأفعال “لأنّ الأفعال كلّها سواسية ، ليس شيء منها في نفسه [ حسن أو قبيح ] بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه ، ولا ذم فاعله وعقابه ، وإنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها”(1) .

2 ـ “لا حسن ولا قبح للأفعال قبل ورود الشرع”(2) .

3- “ولو عكس الشارع القضية فحسّن ما قبّحه ، وقبّح ما حسّنه لم يكن ممتنعاً”(3) .

4- لا يوجد أيُّ حسن أو قبح ذاتي للأفعال، بل “إنّ الفعل أُمر به فَحسُن، ونُهي عنه فقَبُح”(4) .

5- “ما ورد الأمر به فهو حسن ، وما ورد النهي عنه فقبيح، من غير أن يكون للعقل جهة محسّنة أو مقبّحة في ذاته”(5).

6- “فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأ نّه قبّحه [ الشرع ] ، قيل له: أجل ولو حسّنه

____________

1- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص270 .

2- المصدر السابق: ص268 .

3- المصدر السابق .

4- شرح المقاصد، سعدالدين التفتازاني: ج4، المقصد 5، الفصل 5، المبحث 3، ص283.

5- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5، الفصل 5، المبحث 3، ص282 .

 

الصفحة 67

لكان حسناً ، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض”(1).

ثانياً :

رأي الأشاعرة حول دور العقل في إدراكه وكشفه لحسن وقبح الأفعال من دون الاستعانة بالشرع:

1- لا يستطيع العقل أن يدرك أو يكشف حسن وقبح الأفعال في جميع الأحوال “ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها”(2)، وينبغي الرجوع إلى الشرع من أجل معرفة حسن وقبح جميع الأفعال .

2- “إنّ العقل لا يحكم [ ولا يمكنه العلم ] بأنّ الفعل [ الفلاني ] حسن أو قبيح في حكم اللّه تعالى”(3).

____________

1- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع ، ص116 .

2- المواقف، عضد الدين الإيجي : ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص268 .

3- شرح المقاصد ، سعد الدين التفتازاني، ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3، ص282 .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون