المذهب الشیعي » أصول الدین » العدل »

الحسن والقبح العقليان(5)

المبحث العاشر: أدلّة الأشاعرة على إنكار

الحسن والقبح العقليّين ومناقشتها

الدليل الأوّل :

لو كان العقل هو الذي يحكم بحسن وقبح بعض الأفعال ، لما حصل تفاوت:

بين حكم العقل في مجال التحسين والتقبيح .

وبين حكم العقل بأنّ الواحد نصف الاثنين .

ولكن وقع الخلاف ، وهذا ما يدل على نفي كون التحسين والتقبيح عقليين(1) .

يرد عليه :

إنّ هذا الاستدلال مبني على أصل خاطئ وهو عدم وجود التفاوت في حكم العقل ، في حين ينقسم حكم العقل إلى عدّة أقسام تتفاوت فيما بينها(2) .

ولا يصح القول بأنّ اختلاف العقلاء وتفاوتهم في الحكم بحسن أو قبح شيء، يؤدّي إلى إخراج هذا الحكم عن كونه حكماً عقلياً .

بعبارة أُخرى :

إنّ أحكام العقل تنقسم تبعاً لأقسام العلوم اليقينية إلى عدّة أقسام .

وإنّ هذه الأحكام العقلية المتعدّدة ليست على نمط واحد، بل لها مراتب

____________

1 و 2) انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى ، ص419 .

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقلي ، ص259 .

الصفحة 69

ودرجات بحيث تكون بعض أحكام العقل أوضح وأكثر بداهة من البعض الآخر(1) .

أقسام العلوم اليقينية(2):

1 ـ الأوّليّات: وهي ما يحكم بها العقل من دون توسّط شيء آخر معها.

المثال: حكم العقل بأنّ الواحد نصف الاثنين .

2 ـ المشاهدات: وهي ما يحكم بها العقل بواسطة الحسّ .

المثال: حكم العقل بوجود “زيد” في المسجد بعد رؤيته فيه .

3- التجربيات: وهي التي يكون مبدأ الحكم بها التجربة التي يزول معها الشكّ .

المثال: حكم العقل بوجود جاذبة في الأرض .

4- الحدسيات: وهي التي يكون مبدأ الحكم بها حدس في النفس يزول معه الشكّ .

المثال: حكم العقل بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس .

5- المتواترات: وهي التي تسكن إليها النفس سكوناً يزول معه الشكّ ويحصل الجزم القاطع بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب .

المثال: حكم العقل بوجود بلدة تسمى الهند .

مراتب العلوم اليقينية(3) :

إنّ “الأوّليّات” أكثر بداهة من “المشاهدات” .

وإنّ “المشاهدات” أكثر بداهة من “التجربيات” .

وإنّ “التجربيات” أكثر بداهة من “الحدسيات” .

وإنّ “الحدسيات” أكثر بداهة من “المتواترات” .

____________

1- انظر: قواعد المرام ، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص105 .

مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي : المنهج السادس ، ص233 .

2- المنطق ، محمّد رضا المظفر: الجزء الثالث ، الباب السادس: الصناعات الخمس، ص314 ـ 323 .

3- انظر: الفوائد البهية ، محمّد حمود العاملي: ج1 ، الفصل الأوّل ، الباب الرابع ، ص283 .

 

الصفحة 70

ردّ الفلاسفة على دليل الأشاعرة(1) :

إنّ الأشاعرة قاسوا مسألة الحسن والقبح مع مسألة أنّ الواحد نصف الاثنين .

وهذا قياس مع الفارق لأنّ :

الحاكم في قضية “الحسن والقبح” هو “العقل العملي” .

والحاكم في قضية “الواحد نصف الاثنين” هو “العقل النظري” .

الفرق بين العقل النظري والعقل العملي(2):

إنّ الفرق بينهما يعود إلى تفاوت المدركات .

فإذا كانت المدركات من الأُمور النظرية التي لا صلة لها بالعمل والفعل ، سُمّي العقل عقلا نظرياً .

وإذا كانت المدركات من الأُمور العملية التي “ينبغي” أو “لا ينبغي” أن تفعل ، سُمّي العقل عقلا عملياً .

الدليل الثاني للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

لو كان الحسن والقبح ذاتيين :

لما جاز أن ينقلب الحسن قبيحاً .

ولما جاز أن ينقلب القبيح حسناً .

لكنه ينقلب .

وهذا ما يدل على عدم كون الحسن والقبح ذاتيين(3) .

مثال :

إنّ الكذب ـ كفعل قبيح عقلا ـ قد يحسن فيما لو اشتمل على مصلحة عامة من قبيل إنقاذ نبي من يد ظالم .

وإنّ الصدق ـ كفعل حسن عقلا ـ قد يقبح فيما لو اشتمل على مفسدة عامة من قبيل هلاك نبي على يد ظالم(4) .

____________

1- انظر: قواعد العقائد، نصير الدين الطوسي: الباب الثالث ، ص63 .

2- انظر: الفوائد البهية ، محمّد حمود العاملي: ج1، الفصل الأوّل ، الباب الرابع ، ص282 ـ 284 .

3 و 4) انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص 284 .

المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص275 .

 

الصفحة 71

النتيجة :

لو كان حسن الصدق وقبح الكذب ذاتياً لما زال هذا الحسن والقبح ، ولما حسن الكذب وقبح الصدق أبداً .

يرد عليه :

الرأي الأوّل :

إنّ الكذب ـ في الصورتين المذكورتين ـ باق على قبحه .

وإنّ الصدق ـ في الصورتين المذكورتين ـ باق على حسنه .

إلاّ أنّ إنقاذ النبي أرجح من الصدق .

وإنّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب .

فيحكم العقل بارتكاب أقل القبيحين ـ وهو الكذب ـ تخلّصاً من ارتكاب الأقبح وهو هلاك النبي(1).

بعبارة أُخرى :

ألف ـ إنّ قبح الكذب لا يزول أبداً .

وإنّ القول بحسن الكذب عند اشتماله على مصلحة عامة ليس لكونه كذباً ، بل لاشتماله على المصلحة العامة، فيكون الحُسن للمصلحة العامة لا للكذب.

ب ـ إنّ حسن الصدق لا يزول أبداً .

وإنّ القول بقبح الصدق عند اشتماله على مفسدة عامة ليس لكونه صدقاً ، بل لاشتماله على المفسدة العامة ، فيكون القبح للمفسدة العامة لا للصدق .

____________

1- انظر: كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، المسألة الأُولى ، ص419 ـ 420 .

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقلي، ص259 ـ 260 .

الصفحة 72

النتيجة :

لا ينقلب الحسن قبيحاً، ولا ينقلب القبيح حسناً في هذا المقام .

بل “الحسن” باق على حسنه، و”القبيح” باق على قبحه .

ولهذا لا يدل مثال الأشاعرة على عدم كون الحسن والقبح ذاتيين .

الرأي الثاني :

إنّ هذا الاستدلال مبني على اعتبار قبح الكذب وحسن الصدق كقبح الظلم وحسن العدل ذاتيّان لا يتغيّران .

ولكن قبح الكذب وحسن الصدق ـ في الواقع ـ ليسا ذاتيين، بل هما من الأُمور التي تتغيّر بتغيّر العوارض التي تطرأ عليها ..(1) .

بعبارة أُخرى :

إنّ “الحُسن” و “القُبح” ليسا ذاتيين لعنواني “الصدق” و”الكذب”.

لأنّ “الصدق” و”الكذب” من الأُمور التي يختلف حسنها وقبحها بالوجوه والاعتبارات .

فلا يوصف “الصدق” و “الكذب” بالحسن والقبح إلاّ بتوسيط عنوان آخر بحيث يكون الحسن أو القبح ذاتيّاً لهذا العنوان(2) وعرضيّاً لعنوان الصدق والكذب .

توضيح ذلك :

1- إنّ ما يحكم به العقل هو “حسن الصدق النافع” و”قبح الكذب الضار” فقط ، وأمّا الصدق والكذب المذكوران في مثال الأشاعرة خارجان عن البحث .

2 ـ إنّ عنوان الكذب ليس علّة تامة للقبح، بل مقتضياً له .

وإنّ وصف الكذب بالقبح مشروط بأن لا يطرء عليه عنوان آخر أقبح منه كهلاك النبي ونحوه .

____________

1- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج1، عقيدتنا بالعدل ، ص108 .

2- من أمثلة العناوين التي تمتلك الحسن والقبح الذاتي: “العدل” و”الظلم” .

 

الصفحة 73

الدليل الثالث للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

لو كان الحُسن والقبح ذاتيين لزم اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد وهو قول القائل: “لأكذبن غداً” لأنّ هذا القائل :

ألف ـ إذا وفى بوعده غداً وكذب ، فسيكون فاعلا ـ في نفس الوقت ـ للفعل :

1 ـ الحسن ، وهو الوفاء بالوعد .

2 ـ القبيح ، وهو الكذب .

ب ـ إذا أخلف بوعده غداً وترك الكذب، فسيكون فاعلا ـ في نفس الوقت ـ للفعل:

1 ـ الحسن ، وهو ترك الكذب .

2 ـ القبيح ، وهو خلف الوعد .

فيكون هذا القول متضمّناً للحسن والقبح في آن واحد .

وهذا ما يدل على أنّ الحسن والقبح أمران اعتباريان وغير ذاتيين ، لأ نّهما لو كانا ذاتيين لما اجتمعا في شيء واحد(1).

يرد عليه :

الرأي الأوّل :

إنّ اجتماع الحسن والقبيح في الشيء الواحد لا يدل على كون الحسن والقبح غير ذاتيين إلاّ إذا كان هذا الاجتماع من جهة واحدة .

ولكن اجتماع الحسن والقبح في قول القائل: “لأكذبنّ غداً” ليس من جهة واحدة ليثبت به مدّعى الأشاعرة ، بل هو من جهتين ، فلا يثبت به نفي ذاتية الحسن والقبح .

____________

1- انظر : شرح المقاصد ، سعد الدين التفتازاني : ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص 284 .

المواقف، عضد الدين الإيجي ، شرح: ج3، الموقف 5 ، المرصد 6 ، المقصد 5 ، ص 275 ـ 276 .

 

الصفحة 74

توضيح ذلك :

إنّ عدم عمل هذا الشخص بقوله “لأكذبن غداً” يشتمل على جهتين:

1 ـ حسن ، من حيث إنّه ترك الكذب .

2 ـ قبيح ، من حيث إنّه أخلف الوعد .

وإنّ عمل هذا الشخص بقوله “لأكذبن غداً” يشتمل على جهتين:

1 ـ حسن ، من حيث إنّه وفى بوعده .

2 ـ قبيح ، من حيث إنّه كذب .

فالحسن والقبح ـ في هذا المقام ـ يختلفان من ناحية الجهة .

ولهذا لا يكون وصف الحسن والقبح ـ هنا ـ للشيء الواحد من جهة واحدة، ليستلزم القول بأنّ الحسن والقبح أمران اعتباريان وغير ذاتيين(1).

الموقف الصحيح :

إنّ هذا الشخص يجب عليه ـ بحكم العقل ـ ترك الكذب غداً، لأ نّه :

1 ـ إذا كذب غداً ، فقد فعل فعلين قبيحين وفعل حسناً واحداً :

الفعل القبيح الأوّل: العزم على الكذب .

الفعل القبيح الثاني: الكذب .

الفعل الحسن: الوفاء بالوعد .

2 ـ إذا ترك الكذب غداً ، فقد فعل فعلين حسنين وفعل قبيحاً واحداً:

الفعل الحسن الأوّل: ترك العزم على الكذب .

الفعل الحسن الثاني: ترك الكذب .

الفعل القبيح: خلف الوعد .

ويحكم العقل ـ في هذه الحالة ـ باجتناب أكثر هذين الموردين قبحاً، فيتعيّن على هذا الشخص القائل: “لأكذبن غداً” أن يترك الكذب غداً ، لأنّ ذلك أقل قبحاً

____________

1- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح، ص260 .

 

الصفحة 75

من المورد الآخر(1).

النتيجة :

لا يكون اجتماع الحسن والقبح ـ في هذا المقام ـ من جهة واحدة ليستلزم الدلالة على أنّ الحسن والقبح غير ذاتيين، بل هو اجتماع من عدّة جهات وعدّة حيثيّات .

ويكون حكم العقل ـ في مثل هذه الموارد ـ لزوم اجتناب أكثر الموارد قبحاً .

الرأي الثاني :

لا يستلزم قول: “لأكذبن غداً” اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد ، بل هو كلام قبيح مطلقاً ، وينبغي لقائله أن يترك الكذب غداً .

وأمّا مسألة خلف الوعد :

فليس الوفاء بالوعد ـ في هذا المقام ـ حسناً ليكون تركه قبيحاً .

لأنّ الحسن إنّما يحسن فيمالو لم يستلزم القبيح .

وإنّ الوفاء بالوعد ـ هنا ـ يستلزم القبيح (وهو الكذب) ، فيكون قبيحاً وينبغي الاجتناب عنه .

تنبيه :

إنّ استدلال الأشاعرة في هذا المقام مبني ـ كاستدلالهم السابق ـ على كون:

حسن “الصدق” وحسن “الوفاء بالوعد” مثل حسن “العدل” .

وقبح “الكذب” وقبح “خلف الوعد” مثل قبح “الظلم” .

ولكن هذين الحسنين والقبيحين يختلفان .

لأنّ حسن “العدل” وقبح “الظلم” يجب الالتزام بهما دائماً .

ولكن حسن وقبح الموارد المذكورة في هذا الاستدلال لا يجب الالتزام بهما فيما لو تعارضا مع حسن وقبح النوع الأوّل (أي: إذا تعارضا مع العدل والظلم) .

توضيح :

____________

1- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، المبحث الأوّل ، ص234 .

 

الصفحة 76

إنّ “العدل” حسن دائماً ، ولهذا ينبغي الالتزام به في جميع الأحوال .

وإنّ “الظلم” قبيح دائماً ، ولهذا ينبغي الاجتناب عنه في جميع الأحوال .

وأمّا “الصدق” فهو “حسن” ، ولكنه إذا أدّى إلى الظلم فيجب الاجتناب عنه .

وأيضاً “الكذب” فهو “قبيح” ، ولكن إذا استوجبه العدل فيجب العمل به .

الدليل الرابع للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

لو كان حُسن بعض الأفعال وقبحها ثابتاً بالعقل قبل الشرع لزم القول:

باستحقاق العقاب لتارك ما يستوجبه العقل .

واستحقاق العقاب لمرتكب ما يستقبحه العقل .

ولكن اللّه تعالى نفى استحقاق العقاب والتعذيب قبل بعثه للرسل بقوله تعالى(1):

الآية الأُولى :

{ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء: 15 ]

الرد على تفسير الأشاعرة :

1- يدل ظاهر سياق هذه الآية على أنّ المراد من التعذيب في هذه الآية هو التعذيب الدنيوي المتمثّل بعذاب الاستئصال ، وليس المقصود منه العذاب الأُخروي(2).

2- إنّ هذه الآية لا تدل على نفي حجية تحسين وتقبيح العقل ، بل تكشف عن امتنان من اللّه تعالى على العباد واقتضاء العناية الإلهية أن لا يعذّب قوماً (سواء كان هذا العذاب من نوع العذاب الاستئصالي أو العذاب الأخروي) إلاّ بعد أن يبعث إليهم رسولا يؤكّد عليهم الحجّة إضافة إلى الحجّة العقلية التي تمّت عليهم قبل مجيء الشرع (3).

____________

1- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص284 .

2-  للمزيد راجع: الميزان ، العلاّمة الطباطبائي: ج13، تفسير آية 15 من سورة الإسراء، ص57 ـ 58 .

3- انظر: المصدر السابق .

 

الصفحة 77

الآية الثانية :

{ وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً } [ القصص: 59 ]

الردّ على تفسير الأشاعرة :

إنّ هذه الآية أيضاً ـ كالآية السابقة ـ يدل سياقها على بيان السنّة الإلهية في عذاب الاستئصال. وقد بيّنت هذه الآية بأنّ عذاب الاستئصال لا يقع امتناناً منه تعالى إلاّ بعد تأكيد الحجّة على أهل القرى بإرسال الرسل .

الآية الثالثة :

{ رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ }[ النساء: 165 ]

الردّ على تفسير الأشاعرة :

1- لا تدل هذه الآية على نفي حجية تحسين وتقبيح العقل ، بل تدل على أنّ في إرسال الرسل “إتماماً لالزام الحجّة لئلا يقول الناس [ للّه تعالى ]: لولا أرسلت إلينا رسولا يوصل إلى المحجّة وينبّه على الحجّة ويوقظ من سنة الغفلة”(1).

2- إنّ الاعتقاد بالرسول لا يتم إلاّ عن طريق العقل ، لأنّ صدق الرسول لا يمكن الاعتقاد به إلاّ عن طريق حكم العقل .

بعبارة أُخرى :

لو كانت الحجّة الإلهية لا تتم إلاّ بالرسول لاحتاج هذا الرسول لإثبات لزوم اتّباعه إلى رسول آخر، والكلام في رسوله كالكلام فيه حتّى يتسلسل وهو باطل . ولهذا لا سبيل لإثبات لزوم اتّباع الرسول الإلهي إلاّ عن طريق حجية العقل(2) .

ولهذا قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

____________

1- تفسير جوامع الجامع ، الشيخ الطبرسي: ج1 ، تفسير آية 165 من سورة النساء ، ص462 .

2- انظر مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج3 ، تفسير آية 165 من سورة النساء، ص218 .

 

الصفحة 78

“حجّة اللّه على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين اللّه العقل”(1).

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام):

“إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة(عليهم السلام) ، وأمّا الباطنة فالعقول”(2).

الدليل الخامس للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين :

1 ـ لو كان “الحُسن” أمراً ذاتياً لبعض الأفعال ، وهو الداعي للعمل بها:

فسيكون الداعي (وهو “حُسن” الفعل) سابقاً على “الفعل”.

أي: يكون المعدوم (وهو “الحُسن” الذي سيحقّقه هذا الفعل) هو الذي يدفع الإنسان إلى تحقّق هذا الفعل .

فيلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم وهو باطل، فيثبت بطلان كون “الحسن” أمراً ذاتياً للفعل(3) .

2- لو كان “القبح” أمراً ذاتياً لبعض الأفعال ، وهو الصارف عن العمل بها :

فسيكون الصارف (وهو “قبح” الفعل) سابقاً على “الفعل” .

أي: يكون المعدوم (وهو “القبح” الذي سيحقّقه هذا الفعل) هو الذي يردع الإنسان عن تحقّق هذا الفعل .

فيلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم وهو باطل ، فيثبت بطلان كون “القبح” أمراً ذاتياً للفعل(4) .

يرد عليه :

1- ليس “الداعي” ـ في هذه الحالة ـ هو “الحُسن” بنفسه ليقال: يلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم ، بل :

____________

1- الأصول من الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب العقل والجهل، ج22 ص25 .

2- المصدر السابق: ح12، ص16 .

3- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، المقصد 5 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص289 .

4- انظر: المصدر السابق .

 

الصفحة 79

إنّ “الداعي” هو علم الشخص بأ نّه إذا فعل هذا الفعل فإنّه سيفعل ما هو “حسن” ، وسيستحق بذلك “المدح”، وهذا “العلم” أمر وجودي .

2- ليس “الصارف” ـ في هذه الحالة ـ هو “القبح” بنفسه ليقال: يلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم ، بل:

إنّ “الصارف” هو علم الشخص بأ نّه إذا فعل هذا الفعل فإنّه سيفعل ما هو “قبيح” ، وسيستحق بذلك “الذم”، وهذا “العلم” أمر وجودي(1).

الدليل السادس للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي :

“إنّ الذي عقلناه من معنى الحسن ، ما يكون نفعاً أو مؤدّياً إليه .

والذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضرراً أو مؤدياً إليه .

والرغبة في المنفعة ، والرهبة عن المضرّة إنّما يعقل حصولهما في حقّ من يصح عليه النفع والضرر .

ولمّا كان ذلك في حقّ اللّه تعالى محالا ، كان القول بثبوت الحسن والقبح في حقّ اللّه محالا”(2).

يرد عليه :

لا يعني حسن وقبح أفعال اللّه تعالى حصول المنفعة والمضرّة له تعالى ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ منزّه عن ذلك ، وإنّما المنفعة والمضرّة متوجّهة لغيره من مخلوقاته.

ومن هذا المنطلق:

إنّ الفعل الإلهي الذي فيه المنفعة لغيره يوصف بالحسن .

وإنّ الفعل الإلهي الذي فيه مضرّة لغيره يوصف بالقبح .

ويحكم العقل بأ نّه تعالى حكيم:

وأنّ كلّ أفعال اللّه تعالى فيها منفعة لمخلوقاته .

____________

1- انظر: المصدر السابق .

2- المطالب العالية، فخر الدين الرازي: ج3، الباب التاسع ، الفصل السابع ، ص290 .

 

الصفحة 80

وأنّ كلّ أفعال اللّه تعالى منزّهة عن المضرّة لمخلوقاته .

فيثبت بذلك الحسن والقبح للفعل الإلهي .

الدليل السابع للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي :

إنّ الاعتقاد بوجود الحسن والقبح الذاتي يستلزم وجوب:

قيامه تعالى ببعض الأفعال .

واجتنابه تعالى عن البعض الآخر .

ويتضمّن هذا الأمر تقييد اللّه تعالى في أفعاله ونفي حرّيته المطلقة .

ولهذا ينبغي حفاظاً على “الحرّية الإلهية المطلقة” إنكار وجود “الحسن والقبح الذاتي”.

يرد عليه :

1 ـ إنّ القول بالحسن والقبح الذاتي لبعض الأفعال

وضرورة فعله تعالى لبعض الأفعال الحسنة

وضرورة اجتنابه عن الأفعال القبيحة

لا يعني فرض التكليف على اللّه تعالى .

بل يعني أنّ العقل يكتشف عن طريق التدبّر في صفاته تعالى أ نّه حكيم، وتقتضي حكمته تعالى أن يفعل ما يليق بها وأن يجتنب عما لا يليق بها .

2- إنّ الحرّية الإلهية منزّهة عن النقائص والقبائح، ولهذا لا ينبغي أن يدفعنا الحفاظ على حرّية اللّه تعالى إلى نسبة الأُمور القبيحة إليه تعالى .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون