الحسن-والقبح-العقليان

الحسن والقبح العقليان(6)

المبحث الحادي عشر: أقوال بعض أهل السنة

الموافقين للحسن والقبح العقلي

1- قال سعد الدين التفتازاني: “ذهب بعض أهل السنة وهم الحنفية إلى أنّ حسن بعض الأشياء وقبحها مما يدرك بالعقل … كوجوب أوّل الواجبات، ووجوب تصديق النبي، وحرمة تكذيبه دفعاً للتسلسل …”(1).

2 ـ الماتريدي، ومن أقواله الدالة على موافقته للحسن والقبح العقلي:

أوّلا : “ما حسّنه العقل وقبّحه ليس له زوال ولا تغيّر من حال إلى حال”(2).

ثانياً : “ما يدرك حسنه بالعقل وقبحه ، فلا يزال يزداد على ما فيه إدراكه ببديهة الأحوال ، ولذلك جعل اللّه العقول حجّة”(3).

ثالثاً : “وبعد، فإنّه قد حسن في العقول الصدق والعدل ، وقبح فيها الجور والكذب …

العقول آمرة بكسب ما يعلي شرف من رزق منها ، وناهية عما فيه هوان صاحبها، فيجب الأمر والنهي بضرورة العقل”(4).

3 ـ ابن قيم الجوزية: ومن أقواله الدالة على موافقته للحسن والقبح العقلي:

أوّلا : “فإن قيل: فما جوابكم عن الأدلة التي ذكرها نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها؟ قيل: قد كفونا بحمد اللّه مؤونة إبطالها بقدحهم فيها، وقد أبطلها كلّها

____________

1- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4 ، الفصل 5 ، المبحث 3 ، ص293 .

2-  كتاب التوحيد، أبو منصور الماتريدي: مسألة في أفعال الخلق وإثباتها، ص223 .

3- المصدر السابق: ص223 ـ 224 .

4- المصدر السابق: مسألة إثبات الرسالة وبيان الحاجة إليها، ص178 .

 

الصفحة 82

واعترض عليها فضلاء أتباعها وأصحابها …”(1).

ثانياً : “إنّ الكذب لا يكون قط إلاّ قبيحاً … إنّ تخلّف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجحة على الصدق لا تخرجه عن كونه قبيحاً لذاته”(2).

4- قال فخر الدين الرازي: “المختار عندنا: أنّ تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى العباد معتبر، وأمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فهو باطل .

أمّا إثباته في حقّ العباد فيدل عليه وجوه:

الأوّل :

إنّا نرى أنّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوّات مطبقون على حسن مدح المحسن، وحسن ذم المسيء .. وهذا الحكم حاصل ، سواء كان ذلك الإنسان مؤمناً يصدّق بالأنبياء أو لم يكن كذلك ، فعلمنا أنّ هذا الحسن مقرّر في عقولهم .

الثاني :

لا معنى للقبح الشرعي إلاّ أن ينهى الشرع عن ذلك الفعل ، فيقول العقل: هل يجب الانتهاء عما نهى الشرع ؟

فإن قضى بذلك فالحسن والقبح العقليان قد ثبتا .

وإن لم يقض العقل بذلك فيحتاج الأمر حينئذ إلى إيجاب آخر .

فإن كان هذا الإيجاب من الشرع ، فالكلام فيه كما في الأوّل ، فيلزم التسلسل وهو محال ، فيثبت ضرورة الاعتقاد بالحسن والقبح العقليين .

الثالث :

لابدّ من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوباً لذاته .

ولابدّ من الاعتراف بوجود شيء يكون مكروهاً لذاته .

وهذا الحكم ثابت في محض العقول سواء حصلت الشريعة أو لم تحصل”(3).

____________

1- مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية: ج2، ص342 .

2- المصدر السابق: ص354 ـ 355 .

3- انظر: المطالب العالية، فخر الدين الرازي: ج3، الباب التاسع ، الفصل السابع ، ص289 ـ 290 .

ثمّ بيّن “فخر الدين الرازي” بعض الأدلة في إثبات بطلان تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى أفعال اللّه تعالى، وهذه الأدلة منها ما هي بعيدة عن إثبات مدّعاه، ومنها ما بيّنا الردّ في البحث السابق .

 

الصفحة 83

5- إنّ الأمر الملفت للنظر من “عضد الدين الإيجي” أ نّه ذكر في كتابه “المواقف” حول دليل الأشاعرة على امتناع صدور الكذب من اللّه عزّ وجلّ: “إنّه (أي: الكذب منه تعالى) نقص، والنقص على اللّه تعالى محال”(1) .

ثمّ علّق “الإيجي” بنفسه على كلامه هذا، وقال:

“واعلم أنّه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي، فإنّ النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه، وإنّما تختلف العبارة!”(2).

ثمّ علّق شارح كتاب المواقف “الشريف الجرجاني” على هذه العبارة، وقال:

“فأصحابنا المنكرون للقبح العقلي كيف يتمسّكون في دفع الكذب … عن اللّه تعالى بلزوم النقص في أفعاله تعالى؟”(3).

____________

1- كتاب المواقف ، عضد الدين الإيجي: ج3، الموقف 5 ، المرصد 4، المقصد 7، ص140 .

2- المصدر السابق .

3- المصدر السابق .

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون