الحقوق الأسرية/2

ثالثا : حقوق الوالدين :

للوالدين الدور الأساسي في بناء الأسرة والحفاظ على كيانها ابتداء وإدامة ، وهما مسؤولان عن تنشئة الجيل طبقا لموازين المنهج الاسلامي ، لذا حدد الاسلام أسس العلاقة بين الوالدين والأبناء ، طبقا للحقوق والواجبات المترتبة على أفراد الأسرة تجاه بعضهم البعض ، فقد قرن الله تعالى في كتابه الكريم بوجوب بر الوالدين والاحسان إليهما بوجوب عبادته ، وحرم جميع ألوان الإساءة إليهما صغيرها وكبيرها ، فقال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ) ( 56 ) .

وأمر بالاحسان إليهما والرحمة بهما والاستسلام لهما ، فقال تعالى : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) ( 57 ) .

وقرن الله تعالى الشكر لهما بالشكر له ، فقال : ( . . . أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) ( 58 ) .

وأمر تعالى بصحبة الوالدين بالمعروف ، فقال : ( وصاحبهما في الدنيا معروفا . . . ) ( 59 ) .

وتجب طاعة الأبناء للوالدين ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : . . . ووالديك فأطعمها وبرهما حيين كانا أو ميتين ، وان أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل ، فإن ذلك من الايمان ( 60 ) .

وقرن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بر الوالدين بالصلاة والجهاد ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قلت : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة لوقتها ، وبر الوالدين ، والجهاد في سبيل الله عز وجل ( 61 ) .

ومن حقوق الوالد على ولده كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يسميه باسمه ، ولا يمشي بين يديه ، ولا يجلس قبله ، ولا يستسب له ( 62 ) .

ومعنى ( لا يستسب له ) أي لا يفعل ما يصير سببا لسب الناس له .

وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بر الوالدة على بر الوالد لأنها أكثر منه في تحمل العناء من أجل الأولاد في الحمل والولادة والرضاع ، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، من أبر ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال ثم من ؟ قال : أباك ( 63 ) .

وكانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائمة على تكريم من يبر والديه ، فقد أتته أخته من الرضاعة ، فلما نظر إليها سر بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها ، ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها ، ثم قامت وذهبت وجاء أخوها ، فلم يصنع به ما صنع بها ، فقيل له : يا رسول الله ، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل ؟ ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لأنها كانت أبر بوالديها منه ( 64 ) .

وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الوالدين على الجهاد ، ففي رواية جاءه رجل وقال : يا رسول الله ، إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : فقر مع والديك ، فوالذي نفسي بيده لأنسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة ( 65 ) .

وورد في الحديث أنه يجب بر الوالدين وإن كانا فاجرين ، قال الإمام محمد الباقر عليه السلام : ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة : أداء الأمانة إلى البر والفاجر ، والوفاء بالعهد للبر والفاجر ، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين ( 66 ) .

وفي الآية المتقدمة ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) قال الإمام الصادق عليه السلام : لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ، ولا يدك فوق أيديهما ، ولا تقدم قدامهما ( 67 ) .

وبر الوالدين لا يقتصر على حال حياتهما ، بل يشملهما حال الحياة وحال الممات ، قال الإمام الصادق عليه السلام : ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين ، يصلي عنهما ، ويتصدق عنهما ، ويحج عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما ، وله مثل ذلك ، فيزيده الله عز وجل ببره وصلته خيرا كثيرا ( 68 ) .

ويجب على الولد الأكبر أن يقضي عن والده ما فاته من صلاة وصوم ( 69 ) ، أما بقية الأولاد فلا يجب عليهما القضاء عن والدهم ، بل يستحب للرواية المتقدمة .

وحرم الاسلام عقوق الوالدين بجميع ألوانه ومراتبه ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : من أحزن والديه فقد عقهما ( 70 ) .

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : أدنى العقوق أف ، ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه ( 71 ) .

وقال عليه السلام : . . . ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما ( 72 ) .

وقال عليه السلام : من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له ، لم يقبل الله له صلاة ( 73 ) .

وعقوق الوالدين من الكبائر التي تستلزم دخول النار ، قال الإمام الصادق عليه السلام : عقوق الوالدين من الكبائر ، لأن الله عز وجل جعل العاق عصيا شقيا ( 74 ) .

ولا يقتصر وجوب البر وحرمة العقوق على الجوانب المعنوية والروحية ، بل يتعداها إلى الجوانب المادية ، فتجب النفقة عليهما إن كانا معسرين ( 75 ) .

وتجب رعاية الوالدين رعاية صحية ، عن إبراهيم بن شعيب قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن أبي قد كبر جدا وضعف ، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة ؟ فقال : إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل ، ولقمه بيدك ، فإنه جنة لك غدا ( 76 ) .

وخلاصة القول : يجب طاعة الوالدين في جميع ما يأمرون به إلا المعصية أو ما يترتب عليه مفسدة فلا تجب طاعتهما .

ومع جميع الظروف يجب على الأبناء إحراز رضا الوالدين بأي أسلوب شرعي إن أمكن ، لأن رضاهما مقرونا برضى الله تعالى ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رضا الله مع رضى الوالدين ، وسخط الله مع سخط الوالدين ( 77 ) .

وبر الوالدين بطاعتهما والاحسان إليهما ، كفيل بإشاعة الود والحب والوئام في أجواء الأسرة وبالتالي إلى تحكيم بنائها وإنهاء جميع عوامل الاضطراب والتخلخل الطارئ عليها ، ولا يتحقق ذلك إلا بالالتزام بالحقوق والواجبات المترتبة على أفرادها .

رابعا : حقوق الأبناء :

للأبناء حقوق على الوالدين ، وقد لخصها الإمام علي بن الحسين عليهما السلام بالقول : وأما حق ولدك فإنك تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ، وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته ، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الاحسان إليه ، معاقب على الإساءة إليه ( 78 ) .

ومن حق الأبناء على الآباء الاحسان إليهم وتعليمهم وتأديبهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رحم الله عبدا أعان ولده على بره بالاحسان إليه والتألف له ، وتعليمه وتأديبه ( 79 ) .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : رحم الله من أعان ولده على بره . . . يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره ، ولا يرهقه ولا يخرق به ( 80 ) .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم ( 81 ) .

وتترتب على الوالدين جملة من الحقوق ينبغي مراعاتها من أجل اعداد الأبناء إعدادا فكريا وعاطفيا وسلوكيا منسجما مع المنهج الإلهي في الحياة ، ولا يتحقق ذلك إلا باشباع حاجات الأبناء الأساسية ، كالحاجة إلى الايمان بالغيب ، والحاجة إلى الأمان وتوكيد الذات والمكانة بالمحبة والتقدير ، والحاجة إلى التربية الصالحة .

ويمكن تحديد أهم حقوق الأبناء بما يلي :

1 – ينبغي على كل من الوالدين اختيار شريك الحياة على أساس الايمان والتدين والصلاح والسلامة من العيوب العقلية كالجنون والحمق ، لأن ذلك يؤثر على تنشئة الجيل وسلامته .

وينبغي الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية للأم أثناء الحمل ، لكي يخرج الأبناء إلى الدنيا وهم يتمتعون بالصحة الجسدية والنفسية لانعكاسها عليهم أثناء الحمل .

2 – يستحب تسمية الأبناء بأحسن الأسماء ، ورعاية الأم رعاية صالحة ، وتوفير حاجاتها اللازمة للتفرغ إلى رعاية الأبناء في مهدهم ، ويجب على الوالد اشباع حاجات الوليد من الرضاعة ، وذلك بالاعتماد على حليب الأم أو اختيار المرضعة الصالحة ، واشباع حاجاته المادية والمعنوية في فترة الحضانة .

3 – يجب على الوالدين تعليم الطفل معرفة الله تعالى ، وتعميق الايمان في قلبه وجوارحه ، وتعليمه سائر أصول الدين ليترعرع على الايمان بالله وبرسوله وبالأئمة عليهم السلام وبيوم القيامة ، ليكون الايمان عونا له في تهذيب نفسه في الحاضر والمستقبل .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أدبوا أولادكم على ثلاث خصال : حب نبيكم ، وحب أهل بيته ، وقراءة القرآن ( 82 ) .

ويجب تربية الأطفال على طاعة الوالدين .

4 – ويجب الاحسان إلى الأبناء في هذه المرحلة وتكريمهم من أجل تعميق أواصر الحب بينهم وبين الوالدين ، وذلك ضروري في كمالهم اللغوي والعقلي والعاطفي والاجتماعي ، فالطفل يقلد من يحبه ، ويتقبل التعليمات والنصائح والأوامر ممن يحبه .

والمنهج الإسلامي في التعامل مع الأبناء يؤكد على التوازن بين اللين والشدة في التربية ، ويؤكد على العدالة بين الأطفال في الحب والتقدير وفي العطاء واشباع الحاجات لكي يترعرعوا متحابين متآزرين لا عداء بينهم ولا شحناء ولا تقاطع ولا تدابر .

ويجب على الوالدين وقاية الأبناء من الانحراف الجنسي والانحراف السلوكي ، وتنمية عواطفهم اتجاه الأعمال الصالحة ، وتوجيهها توجيها سليما يقوم على أساس المنهج الاسلامي في التربية والسلوك .

ويجب الاهتمام بالطفل اليتيم ورعايته رعاية حسنة لكي يكون رجلا صالحا في المستقبل .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

56 ) سورة الإسراء : 17 / 23 .

57 ) سورة الإسراء : 17 / 24 .

58 ) سورة لقمان : 31 / 14 .

59 ) سورة لقمان : 31 / 15 .

60 ) الكافي 2 : 158 ، كتاب الايمان والكفر ، باب البر بالوالدين .

61 ) الكافي 2 : 158 / 4 .

62 ) الكافي 2 : 159 / 5 .

63 ) الكافي 2 : 159 – 160 / 9 .

64 ) الكافي 2 : 161 / 12 .

65 ) الكافي 2 : 160 / 10 .

66 ) الكافي 2 : 162 / 15 .

67 ) الكافي 2 : 158 / 1 .

68 ) الكافي 2 : 159 / 7 .

69 ) منهاج الصالحين / السيد السيستاني ، العبادات : 248 ، 338 .

70 ) بحار الأنوار 74 : 72 ، كتاب العشرة ، باب بر الوالدين / 53 .

71 ) الكافي 2 : 348 كتاب الايمان والكفر ، باب العقوق .

72 ) الكافي 2 : 349 .

73 ) الكافي 2 : 349 .

74 ) بحار الأنوار 74 : 74 .

75 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 286 .

76 ) الكافي 2 : 162 .

77 ) بحار الأنوار 74 : 80 .

78 ) بحار الأنوار 74 : 6 .

79 ) مستدرك الوسائل 2 : 626 .

80 ) الكافي 6 : 50 .

81 ) مستدرك الوسائل 2 : 625 .

82 ) كنز العمال 16 : 456 / 45409 .

المصدر: مركز الرسالة