الحل في سورية وطني بامتياز وإلا

بدأ الاطراف المعنيون بالوضع في سورية راهنا ومستقبلا يتبادلون أوراق الحل المقترحة ووجهات النظر، للخروج من المأزق الحالي الذي تعيشه سوريا، وما يهدد به من انتشار العنف الارهابي والفوضى في المنطقة، عطفا عما يتخوف منه زعماء الدول الغربية من انتقال موجات الارهاب الى بلدانهم.

ولا يعتبر الامر مفاجئا، اذ ان المؤتمرات هي مجرد اجراءات شكلية في جلساتها المعلنة، وجوهرها في انها تتيح الفرصة للمعنيين لبحث الازمات بعقلانية وجدية في كواليسها، وبما لا تتيحه الاطلالات الاعلامية وموجبات الحرب النفسية التي صارت وسائل الاعلام أهم أسلحتها.

ومن الناحية النظرية فإن لدينا معسكرين متناقضين، يفترض ان يقدم كل منهما تصوره للحل المرتقب، وحيث أن الازمة الدموية في سورية بلغت حدا بعيدا في العداوة والتناقض والمطالب غير الواقعية فإن المعول عليه هو دور الوسطاء، او الحلفاء بمعنى آخر، اذ لم يبق وسيط محايد في هذه المحنة العاصفة.

لذا فقد بات السؤال ملحا حول توجهات حلفاء النظام في سورية والحد الذي يمكن ان يصلوا اليه في الضغط على حليفهم للقبول به، لبلوغ نقطة التلاقي مع المعارضة. وهو ما يتوقع ايضا من داعمي تلك المعارضة.

فالحلفاء في حالة الحرب يصطفون خلف حليفهم لتعزيز موقعه وامداده بما يحتاجه في معركته لتحقيق النصر والقضاء على الطرف الاخر في المعادلة، وهذا امر طبيعي ومفهوم، ومن هنا فلا تكون المواقف الاعلامية من بعض الاطراف والتي تذهب الى الحد الاقصى، مستغربة باعتبارها جزءا من اسلحة المعركة.

الا ان الامر يصبح مستغربا عندما يتحول الحليف الى مشروع وسيط، بما يعكس قناعة حقيقية باستحالة حسم المعركة عسكريا، ويتحول القتال الى أعمال قتل لا افق لها سوى الانتقام، وتحركها الاحقاد واللاعقلانية، بما يستوجب البحث عن حل سياسي يرسي معادلات الواقع، في حلول مقبولة من طرفي النزاع.

ولما كان البديهي ان تسيطر العواطف على القوى المحلية المتقاتلة تبرز الحاجة الى التفكير الهادئ والعقلاني للحلفاء، لاجتراح معجزة الحل واقناع المتقاتلين به، حيث يتحول كل حليف للضغط على حليفه لاخراجه من موقع الانفعال الى موقع التفكير الموضوعي.

وباعتقادي ان الحل الوطني السوري هو الحل المنطقي والصحيح، ولو قدر للسوريين ان يجلسوا على طاولة التفاوض والحوار دون تدخلات خارجية لما اعجزهم الامر بلوغ هذا الحل. لكن الامر مجرد حلم وطوباوية لا مكان لها تبعا لما هو معروف عن طبيعة “المعارضة الافتراضية” التي يتوجب على النظام التفاهم معها، وطريقة تشكيلها وتمويلها وحجم فاعليتها الميدانية.

ومع ذلك فإن الاطراف الوطنية السورية باتت على قناعة بأن اي حل سياسي للأزمة العاصفة لا بد ان يتضمن الخطوات التالية:

۱- وقف فوري لاطلاق النار بين القوى المتقاتلة بما يسمح بتهدئة حال الانفعال والتجييش العسكري في الخطاب الاعلامي، وبما يعكس القناعة الحقيقية والثقة بأن الاطراف قد آمنت فعلا بالحل السياسي واسقطت مراهناتها على الدم والسلاح واعمال القتل الاعمى لتحقيق الاهداف السياسية.

۲- الكف عن استخدام المدنيين دروعا بشرية والسماح بحرية وصول اجهزة الدولة المدنية والمنظمات الانسانية الى كافة المناطق لتأمين العلاج والدواء والطعام والخدمات الضرورية الاخرى لجميع السوريين والمقيمين على الاراضي السورية، دون شروط او ابتزاز بهدف تعزيز الموقف العسكري.

۳- تنشيط مؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك الاحزاب السياسية والجمعيات الحقوقية لاحياء الثقافة الوطنية وازالة ما اصابها من عفن الاعلام الخارجي التقسيمي والمذهبي، واعادة اللحمة الوطنية والايمان بالدولة الواحدة والتضامن بين المواطنين، بما يشكل قاعدة ضرورية للبحث في الخلافات والمطالب والمظالم، على قاعدة الوحدة لا الانقسام، وضمن اطار الولاء للوطن لا للارادات الخارجية.

۴- نبذ العنف واستخدام القوة من اي مصدر بما في ذلك القوات الحكومية الا في مواجهة الفوضى والتعدي على حريات واملاك الآخرين، واحترام حرية الرأي والتعبير والتجمع، ورفض الاستخدام المذهبي والعنفي للدين تجاه ابناء الوطن الواحد.

۵- عزل القوى الارهابية وذات الفكر التكفيري والمرتبطة بالاجندات الخارجية الاقليمية والدولية، وتجريم الترويج لها، وتوحيد الجهد العسكري لمواجهتها واعتقال عناصرها ومحاكمتهم او طردهم الى خارج البلاد.

۶- الاستفادة من الأجواء الدولية المتجهة لانجاز التفاهمات والاتفاقيات السلمية لحل الصراعات والمشاكل الاقليمية والدولية المتعلقة بالمنطقة وخارجها، لتركيز الجهد على حل سوري سوري يحقق طموحات النخب السورية المتطلعة للعدالة والحرية والتقدم والعصرنة، في اطار دولة موحدة وقوية تستعيد كامل دورها الوطني والقومي في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي للجولان وفلسطين والمطامع الاجنبية في الحقوق العربية، والابتعاد عن اسقاط العقد والهواجس الفردية او المصالح الخارجية على الحوار الداخلي.

۷- الاستفادة من الدعم الخارجي بما يخدم هذه الاهداف وفضح القوى والجهات التي تحاول استغلال الشعب السوري وأزمته كميدان لتصفية حسابات سياسية او تحقيق نفوذ اقليمي على حساب امن وسلامة ووحدة ابناء سوريا.

۸- السوريون وحدهم لهم الحق في تحديد سياساتهم وشكل نظامهم وقياداتهم بالحوار والاتفاق اذا امكن وبالديمقراطية والاختيار الحر لحسم الخلافات بينهم.

۹- اي حل يمكن التوصل اليه لا بد من عرضه على الشعب السوري للاستفتاء عليه بعد شرحه واجراء النقاشات الضرورية حوله، ومن ثم يختار الشعب السوري عبر ارادته الحرة وبالآليات الديمقراطية المعروفة عالميا قيادته السياسية.

ان الذهاب الى المفاوضات والحوار يعني بداهة اسقاط الوسائل الاخرى لتحقيق الاهداف السياسية، ويعني الاعتراف بالآخر محاورا مكافئا أولا وشريكا في الحل المرتقب ثانيا.. وهو ما يفترض الكف عن لغة المزايدة والاستفزاز، والبحث عن الاطر الجامعة. اما التعابير التي لا يزال يرددها بعض المسؤولين الغربيين وخصوصا الاميركيين حول استبعاد هذه الشخصية او تلك فهي في احسن الاحوال شروط مسبقة لا تتناسب مع واقع الحال ولا مع منطق الحوار والحل السياسي.

فاذا كان من غير المقبول في الصراع العسكري اسقاط العقد الشخصية وتكييف السياسة مع مقتضيات الاحقاد لبعض المسؤولين، واعتباره تدخلا في الشؤون الداخلية للدول واملاء الرغبات الخارجية على الشعوب والتلاعب بارادتها، فان الامر يصبح محل استهجان واستنكار ان يحاول البعض مصادرة الحوار قبل بدئه، وفرص الحلول على المتحاورين، وحسم النتائج بناء لأجندات خارجية عجزت عن الوصول الى اهدافها ميدانيا، بعد ان تسببت بأزمة دموية عنيفة ازهقت ارواح اكثر من مئة الف مواطن سوري.

والارجح ان حلفاء المعارضة المسلحة ما زالوا عاجزين عن صياغة استراتيجية للحل السياسي وتحديد موقع حلفائهم في مستقبل سوريا، لذا فهم يهربون الى هذه العناوين غير السياسية والاستفزازية للابقاء على أجواء الازمة وتجنب الاعتراف الكامل بالهزيمة، والاقرار بفشل الحرب التي دمرت سوريا ولكنها لم تسقطها، وقتلت المدنيين الابرياء الا انها تلاشت امام ارادة السوريين وايمانهم بوطنهم وقيادتهم ومستقبلهم الأفضل.

الكاتب: يحيى حرب