الخصائص العلمية والأخلاقية للشيخ الأعظم الأنصاري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله واللعن على أعدائهم أعداء الله من اليوم إلى يوم لقائه . حيث أرى من الواجب علي ان أتحدث بكلمات عن الشيخ الأعظم إمام المحققين وأستاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ الأنصاري أعلى الله مقامه الذي جلست الحوزات العلمية ولسنوات طويلة ( أكثر من قرن من الزمان ) على مائدته ، وانتفعت بثأره وخدماته العلمية ، أقدم عدة كلمات في هذا الصدد ، ومن المؤكد ان المحققين والأساتذة العظام في الحوزة العلمية سيعطون للموضوع حقه . ان عقد مثل هذا الاجتماع تحت عنوان المؤتمر أو الندوة أو الملتقى العلمي ينطوي على منافع كثيرة مباركة على مستوى الحوزات العلمية وعلى مستوى المجتمع بأكمله ، لان مجتمعنا يتأثر بمثل هذه الشخصيات العلمية المتلالاة ، ويفتخر بها ، ويعتبرها أصله وينبوعه الذي ينتهل منه وحينما يفكر بانه وليد مثل هذا السلف وانه قد نشأ من هذا النبع يرى ضرورة النقاء والصفاء وتطهير نفسه وتزكيتها من ما يكدر صفوها ليكون طاهرا كطهارة أصله . ان وجود مثل هذه الشخصيات يذكر المرء بالقيم الكبرى فيتزكى كما يتزكى بمطالعة حياة سيرة الأنبياء والأئمة الأطهار ( ع ) ، ولهذا خصص الله تبارك وتعالى جانبا كبيرا من كتابه الكريم لتبيان قصص الأولياء وأحوالهم من الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين ، لان هذه القصص تترك تأثيرا خاصا في مجال تربية الإنسان بحيث لا يمكن ان تترك البراهين العقلية والاستدلالات العلمية مثل هذا الأثر ، لذا ، فإننا ومهما عقدنا من أمثال هذه المؤتمرات فهي ليست بالكثيرة ، ولا بد من الاكثار منها ، وهي ليست مبالغة أو تطرفا كما قد يتصور البعض وهنا ينبغي أن أقدم جزيل شكري لمقيمي المؤتمر وبخاصة إمام جمعة دزفول حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ محسن العراقي الذي لم يأل جهدا في سبيل عقد هذا المؤتمر . والحق ، إننا كطلاب للعلوم الدينية نتناول فتات المائدة العلمية للشيخ ، من ( فرائده ) في الأصول المعروفة بالرسائل و( مكاسبه ) في الفقه الذي يعتبر بحق كتابا في المكاسب وفي البيع وفي الخيارات ، إلى سائر كتبه الأخرى غير الدراسية ، لكنها مراجع علمية للعلماء والمحققين ككتاب الطهارة والصلاة والزكاة والخمس وغيرها ان حياة الشيخ الأنصاري كانت مثمرة ومباركة حقا ، وقد خلف لنا منها تراثا ثمينا جدا والان أشير باختصار الى بعض خصائص هذا الرجل الكبير :

أ ـ الخصائص العلمية أولاـ كونه مؤسساً

ان أولى خصائص الشيخ هي كونه مؤسسا ، ذلك ان الشيخ الأعظم طرح مبان ومباحث جديدة لم يطرقها قبله احد ، وهي تشكل منعطفا في تاريخ علم الأصول وله في الفقه أيضا أسلوب تحقيقي خاص به يبتني على التتبع والتحقيق ، فالشيخ يخرج الطالب في الفقه وفي الأصول من التبعية والتقليد ، ويعلمه الإبداع وكيفية الدخول الى البحث بروح التحقيق والاجتهاد . وثمة امثلة كثيرة في هذا المجال ، بيد إني اكتفي بمثالين للتيمن والتبرك احدهما في الفقه ، والأخر في الأصول ، لأننا لو أردنا أن ندخل في التفاصيل ، لوجب علينا أن نتصفح كتابي ( الرسائل والمكاسب ) من الغلاف الى الغلاف ونستقرا جل مطالبهما للاستشهاد على ذلك . ا ـ من أصول المنهج الذي أبدعه الشيخ الأعظم أعلى الله مقامه في المقارنة بين مفاد الأدلة والجمع بينها ورفع التنافي عنها هو ما اسماه ب( الحكومة ) و( الورود ) ، وهذه حقيقة أثرت على جميع أبواب الفقه وأحدثت تحولا أساسيا فيه ويعتبر هذا المنهج في علم الأصول أيضا منهجا دقيقا في تفكيك الأدلة التي يتضح من خلالها وجه تقدم الأدلة الاجتهادية على الأدلة الفقاهتية ،أي الأمارات على الأصول العملية ، ويثبت بان الثانية منهما في طول الأولى ، ولا يمكن الاستناد إليهما في عرض واحد ، كما يستنتج تقدم مجموعة من القواعد : كقاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز وقاعدة أصالة الصحة وقاعدة اليد حتى لو لم نعتبرها من باب الأمارة على جميع الأصول العملية ( حتى الاستصحاب ) ، ويتضح أيضا تقدم الاستصحاب كأصل محرز على سائر الأصول العملية . أشرت الى ان هذا الكشف المهم قد اثر على جميع الفقه ، فإذا رجعتم الى المتون المدونة قبل عصر الشيخ أو في عصره لألفيتم انه كيف تم الاستناد فيها الى الأصل العملي الى جانب رواية معتبرة ، أو رجح خبر على آخر بسبب موافقته للأصل العملي ، أو ذكر التعارض بين الاستصحاب واصالة البراءة ، أو تمسكوا بالأصل الحكمي بالرغم من وجود الأصل الموضوعي ، أو أخرى التعارض بين الأصل السببي والمسببي ، أو ان السببية كانت شرعية أيضا ، بينما لا يلاحظ أي اثر لمثل هذا الخلط أو الاشتباه أو التسامح في كتب المتأخرين عن الشيخ أو من هم من تلامذة الشيخ مباشرة أو بالواسطة وليس جزافا ان يسال الميرزا الرشتي عن معنى الحكومة ، حينما يرى الشيخ الأنصاري لأول مرة على ما يبدو في درس صاحب الجواهر أعلى الله مقامه ، ويسأله عن سر تقديم دليل على دليل ، فيجيبه الشيخ بدليل الحكومة ، فيسأله الميرزا الرشتي عن معنى الحكومة فيقول له الشيخ : لأجل ان يتضح لك ذلك لا بد لك ان تحضر عندي ما لا يقل عن ستة أشهر ( ولا يفوتنا ان نذكر ان لفظ الحكومة قد جاء في بعض الكتب المتقدمة على الشيخ ، ولكنها لم تكن بنفس المحتوى العميق الذي طرحه الشيخ ‌وقصده في كتبه ) . ۲ـ أما المثال الذي اخترناه من الفقه فهو مصطلح ( الحق والحكم ) ، فإنني وعلى حد اطلاعي وتدقيقي رغم انه لم يكن استقراءا تاما ، توصلت الى ان هذا التفصيل ( والتمييز بين الحق والحكم ) من الشيخ نفسه ، فقد اكتشف التفاوت بين المجعولات الشرعية ، ولهذا التمييز آثار كبيرة في فقه المعاملات ، ففي بداية بحث الخيارات مثلا ، اعتبر عنوان الملك الذي جاء في التفسير المشهور بان ( الخيار ملك فسخ العقد ) يشير الى هذا الأمر ، ومن خلال ذلك اعتبر الإجازة والرد في العقد الفضولي والتسلط على الفسخ في العقود الجائزة خارجين عن التعريف ، لأنهما من سنخ الحكم ومن لوازم حكم الشرع فيما يتعلق بالعقد ، ولم يشرعا بعنوان حق وسلطة للفرد ، وعنوان ( الملك ) الذي جاء في التعريف مشعر بالحق ، لان الحق مرتبة من الملك ، ففي ملك البيت مثلا ، تكون واجدية الإنسان بالنسبة للبيت مجعولة ، ففي استحقاق الفرد بالنسبة لخيار فسخ ‌المعاملة أيضا تكون تلك الواجدية مجعولة ، ثم يشير الشيخ ‌الى النقطة المذكورة في مباحث كثيرة من مبحث الخيارات على طول الخط نظير انتقال الخيار واسقاطه والمصالحة عليه وتوارثه ، ويذكر بالفرق بين الحق والحكم ويستفيد من هذا التمييز ويكرر هذا البحث في ذيل كل خيار من الخيارات بصورة مستقلة ، ولهذه الملاحظة العلمية المهمة آثار في مبحث الفضولي ومبحث العقود الجائزة ونظائرها، بينما لا نجد أثرا لهذا التحقيق المفيد والمبارك في الكلمات التي تسبق الشيخ الأنصاري .

ثانياـ التقوى العلمية

الى جانب نبوغه العلمي الذي تجلى في إبداعاته العلمية ، تلفت الأنظار خصيصة ثانية في الشيخ ألا وهي تقواه العلمية ، فمن الواضح ان الإبداع يولد في المر حالة من الغرور العلمي ، والتي تجعله منتقدا حادا للاخرين بحيث يستخدم بعض التعبيرات المستهجنة بالنسبة لسلفه ، وقد رأينا هذه الظاهرة في الأشخاص الذين تميزوا بقدرة فكرية تزيد على ما هو المتعارف عند اقرانهم بشكل اعتيادي ، الا ان الشيخ الأعظم يعاكسهم في هذه الظاهرة ، فرغم وصوله الى قمة التحقيق وتبوئه مكانة المؤسس ولاسيما في علم الأصول ، وتبحره الفائق في الفقه أيضا ، فانه يتعامل مع المتقدمين عليه بكل أدب واحترام ، ويذكر الأعاظم بتقدير كل حسب ما يستحقه ، فيصف مثلا الوحيد البهبهاني وكاشف الغطاء بالأساطين والأعاظم ، ويذكر شريف العلماء والمحقق الثاني والشهيد الأول والشهيد الثاني والعلامة والمحقق وأمثالهم من الأعاظم بنوع من العناية الخاصة والاحترام الذي يليق بهم . الملاحظة الأخرى التي يمكن ان تدرج ضمن التقوى العلمية للشيخ هي أمانته الدقيقة ، فعلى سبيل المثال ، إننا نلاحظ ان بعض الأعاظم والمحققين يطرحون الموضوع الذي يريدون طرحه ورده ، بصورة ضعيفة ويصورونه بشكل واه يمكن الرد عليه بسهولة ، الا إننا نلاحظ عكس ذلك حينما نلقي نظرة على المؤلفات العلمية للشيخ ، فهو يطرح مباني الآخرين وآراهم طرحا قويا متماسكا مما يؤدي حقها حتى ليتصور المر ان هذا هو رأي الشيخ ‌نفسه ، ولكن يجد بعد حين من القراءة عبارة الشيخ : ( لكن الإنصاف كذا وكذا ) أو ( ويرد عليه أولا وثانيا وثالثا الى آخره ) .

ثالثاـ الابتعاد عن الجزمية

السمة الثالثة في المنهج العلمي والتحقيقي للشيخ في كتبه الأصولية والفقهية ، الابتعاد عن الاتجاه الجزمي ، فالشيخ لا يتخذ رأيا معينا في المسائل التي يبحثها ليتصدى للاستدلال عليه ورد ما يخالفه من آراء وإنما يحاول اجتناب مثل هذا الأسلوب في منهجيته العلمية ، ويبدو انه كان يرى رسالته في تبيين الوجوه المختلفة لكل مسالة بشكل واف وكاف ، ثم يترك الطالب ليتخير في انتخاب احد الوجوه ، وذلك ليربي الطالب على روح التحقيق ، فإذا اعتاد الأستاذ والتلميذ على قراءة الموضوع المطروح وحفظه ، واتخاذ الرأي بشكل تقليدي واعتماد الاستدلال المحفوظ، فسوف لا يتسنى لهما نيل درجة الاجتهاد حتى وان كانا مقتدرين على طرح الموضوع وبيانه بشكل جيد لقد استهدف الشيخ تربية المحققين من أهل العلم ، لهذا نراه يمتنع من بناء نظرية واحدة ليقدمها جاهزة وفي متناول يد الطالب ، بل يضع أمامه آراء مختلفة لإحياء روح الاجتهاد فيه ، وليكتسب القدرة على الانتقاء ، ففي كثير من الأحيان يطرح الشيخ أمام طلابه الوجوه المختلفة ويحثهم على الاختيار من دون ان يدلي برأيه في ذلك . وربما عقد الأمر بعض الشئ ، فيبين الوجوه المتعددة في المسالة الواحدة كالإثبات المطلق والنفي المطلق والتفصيل حتى يشعر الإنسان انه أمام مفترق طرق ، ولا بد له من اختيار احدها ، وقد يبين الشيخ وجوه هذه الأقوال والاحتمالات المختلفة ، ثم يقول مثلا : أقواها أولها ثم الثاني ثم الثالث ، وبهذا سوف يصعب الاختيار ، لان الذي يختار حينئذ لا بد انه يفهم هذه الوجوه جيدا ، وان يقارن بينها ، ويكشف علة القوة والضعف فيها ويرجح قولا على آخر ، وهو أمر مشكل جدا .

رابعاً ـ استيعاب الوجوه في مبحث واحد

الميزة الرابعة في المنهج العلمي للشيخ استيعابه للاحتمالات المتعددة والمعاني المختلفة ، إننا نشاهد المتأخرين عن الشيخ حيث يقع اختيارهم احياناً على وجه معين ، ثم يعقبون بالعبارة التالية : وهذا هو رأينا ، خلافا لشيخنا الأعظم حيث يتوهم الباحث ان الرأي الذي وقع اختياره عليه يختلف عن رأي الشيخ ، ولم يشر إليه الشيخ في بحثه ، لكنه حينما يراجع بدقة يرى ان الشيخ ( قده ) طرح ذلك الرأي أيضا كأحد الاحتمالات في المسالة وبينه وابدى رأيه فيه ، غاية الأمر ان رأيه النهائي كان قد استقر على شي آخر .

خامساً ـ عمق العبارة

السمة الخامسة هي عمق كلمات الشيخ ، ففيها بطون ، كما ان للقرآن الكريم بطونا عديدة من دون تشبيه كامل بالقرآن طبعا ، ومن المناسب ان نورد مثالا من الأصول وآخر من الفقه . ففي الأصول نلاحظ ان المحقق النائيني ( ره ) في بحث العلم الإجمالي حيث يعتقد بتنجيز العلم الإجمالي بالنسبة لوجوب الموافقة القطعية على مسلك الاقتضاء ، ثم ينسب الموضوع الى الشيخ ، ويستند الى كلمات ينقلها عنه في تأييد مسلك الاقتضاء ، ويرى منجزية العلم الإجمالي من باب تعارض الأصول ، وليس من باب ان سببية العلم الإجمالي بنفسه سبب للتنجيز . ومن جهة أخرى نلاحظ ان المحقق العراقي ( ره ) يدافع أيضا بقوة عن مسلك العلية التامة لتنجيز العلم الإجمالي بالنسبة لوجوب الموافقة القطعية ، وينسب هذا المسلك الى الشيخ الأعظم ، ويستند الى كلمات أخرى ينقلها عنه لاحظوا هذين الاستنادين ، هل يفهم منهما ان الشيخ يقول بالعلية التامة ؟ أو يقول بالاقتضاء ؟ مع ان كلا من هاتين الشخصيتين وقفت في الجهة المعاكسة للأخرى حيال هذه المسالة ، واستندا معا على كلام الشيخ وهذا ان دل على شي فإنما يدل على العمق العلمي الملموس في كلمات الشيخ . وعلى الصعيد الفقهي ، نشاهد ان بعض العلماء الذين يراودهم شك في مسالة ولاية الفقيه ينسبون إنكارها الى الشيخ لما يفهم من بعض كلماته في كتاب البيع ، بينما يعتقد البعض الأخر من أعاظم العلماء والمحققين عكس ذلك بالضبط وينسبون إثباتها الى الشيخ بلحاظ جملة من كلماته الأخرى ولا سيما إذا لاحظنا غير ما كتبه في البيع كالخمس مثلا ، وبالتأمل في صدر كلمات الشيخ ‌في كتاب البيع نفسه وذيلها نلاحظ ان فحول العلماء يفهم كل منهم شيئا خاصا من كلمات الشيخ ، وفي ذلك دلالة على عمقها الواسع .

سادساً ـ الاعتناء بأقوال العلماء وآرائهم

الخاصية السادسة في المسلك العلمي للشيخ الأعظم اعتناؤه الخاص بأقوال العلماء ، لا سيما القدامى منهم ، إننا نلاحظ ان بعض الفضلاء والمحققين من ذوي الاتجاه المنحى الفلسفي والاستدلالي لا يعيرون أهمية لأقوال الآخرين ، بينما اهتم الشيخ بالرغم من قدرته التحقيقية العجيبة بأقوال القدامى بل والمتأخرين أيضا واعتنى بها عناية فائقة ، حتى في مجال تقوية السند ، ان كان يرى ان استناد العلماء الى الرواية وان كانت ضعيفة السند يجبر ضعفها ، والأعجب انه لتقوية الدلالة قد يطرح ابتداء عدة احتمالات ويبين لكل منها وجها لكنه يرجح احد الوجوه لأجل فهم العلماء له ، فهو يتمسك بأقوال العلماء باعتبارها شاهدا على ظهور دليل ومن الموارد البارزة لهذه السمة التفصيلات التي ذكرها الشيخ ( قده ) في مبحث أصالة البراءة في الشك بالتكليف ، فالتكليف المشكوك مثلا يكون واجبا تارة ومحرما أخرى ، ويكون حكما إلهيا كليا يطلق عليه الشبهة الحكمية ، أو حكما جزئيا نسميه بالشبهة الموضوعية ، والشبهة الحكمية قد يكون منشاها هو الشك في إجمال النص ، أو فقدان النص ، أو تعارض النصوص ، وقد يتسال الباحث عن الحاجة لكل هذه التفاصيل ما دام حكم هذه الأقسام كلها واحدا وهو أصالة البراءة ؟ فالشبهة التحريمية وان اكتسبت الأهمية بسبب لزوم التعرض لها من اجل مخالفة الإخباريين ولكن لا موجب لسائر التفاصيل . ولكن حين يتأمل المر قليلا يدرك ان هذه التفاصيل تعود الى اهتمام الشيخ ‌بأقوال السابقين وآرائهم ، فلم يتعرض الشيخ الى تفصيل الا ان يكون له مكانة وأهمية في أقوال الأعلام ويشتمل على وجه منفصل ، رغم ان الشيخ كان يرفضه ويرى ان أصالة البراءة هي الجارية في جميع الصور والأقسام ، بيد انه كان يرى انه ليس من الإنصاف التغاضي عن الأقوال المذكورة ، الأمر الذي لا نلاحظه في آثار المتأخرين عن الشيخ ( ره ) .

سابعاً ـ تنظيم المطالب

تنظيم المباحث وتقسيمها وحسن الدخول فيها والخروج منها ميزة بارزة في مصنفات الشيخ ، فقد قسم جميع كتاب الرسائل على سبيل المثال الى ثلاثة أقسام : مباحث القطع ومباحث الظن ومباحث الشك ، ثم صنف مباحث الفصل الثالث كلها على أساس تقسيم عقلي قائلا : ( الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا ، والأول مجرى الاستصحاب ، والثاني إما أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا ، والأول مجرى البراءة ، والثاني إما أن يمكن فيه الاحتياط أو لا ، فالأول مجرى قاعدة الاحتياط ، والثاني مجرى قاعدة التخيير ) . وهذا تصنيف جميل يوضح علة انحصار الأصول العملية في الأربعة المعلومة : ( الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير ) ، وهو من مبتكرات الشيخ .

ب ـ الخصائص الأخلاقية ۱ـ الصراحة في قوله لا اعلم

من الدروس الأخلاقية التي بلغتنا عن حالات الشيخ صراحته في قوله : لا اعلم ، متعمدا بالرغم من المستوى العلمي الذي بلغه ، ويكرر هذا اللفظ باستمرار من اجل ان يربي تلامذته عليه ، ولكيلا يأخذهم الغرور العلمي ويتصوروا أنهم بمنزلة الإمام علي ( ع ) حينما يقول : ( سلوني قبل أن تفقدوني ) ، فهذه الجملة خاصة بأمير المؤمنين ( ع ) ، لان علمه متصل بخزانة العلم الإلهي ، وله ان يقول : ( سلوني عن طرق السماء فاني اعلم بها من طرق الأرض ) ، أما غيره وغير الأئمة المعصومين ( ع ) ، فينبغي أن يقول فيما لا يعرف : لا اعلم ، مهما بلغ من العلم والمعرفة . وحكاية الشيخ حينما قال : لا ادري ، لثلاثة أسئلة وجهت إليه تباعا معروفة ، فما كان من احدهم الا ان قال مازحا : لم إذن ارتقيت المنبر ان كنت لا تعرف شيئا ؟ فأجابه الشيخ : إنني ارتقيته بحسب معلوماتي ( ثلاث درجات ) ، ولو شئت ان اصعده بحسب مجهولاتي لوجب علي ان اجلس في السماء ، وهذا جواب أستاذ ماهر.

۲ ـ التواضع

وحول تواضع الشيخ وعطفه نذكر شاهدا واحدا يعود الى فترة مرجعيته وزعامته العامة على ما يبدو ، حيث كان الشيخ يتأخر في الحضور الى مجلس درسه ، فسئل عن ذلك ، فأجاب الشيخ انه خصص جزءا من وقته لتدريس سيد من السادة رغب في ان يدخل في السلك الحوزوي ولم يجد من يدرسه جامع المقدمات .

۳ ـ الزهد

ومن الطبيعي ان يعيش العلماء والفلاسفة والمفكرون وأصحاب التحقيق والبحث العلمي حياة هادئة ، ويهيأ لهم فيها كل ما يحتاجونه من اجل التفرغ الى نشاطاتهم العلمية ، لكن الشيخ ورغم شخصيته العلمية وعظمته في التحقيق والتتبع عاش حياة مليئة بالإحداث والمشاكل ، واختار الزهد على الرغد في الحياة ، رغم انه كان يستطيع ان يهيئ لنفسه حياة بالمستوى المتوسط لدى عامة الناس وبالطريق السائغ الحلال من دون ان يتعرض للوم احد ، بيد إن الشيخ بلغ قمة التقوى حتى قال فيه : المحقق الكبير الميرزا حبيب الله الرشتي : انه تالي العصمة علما وعملا ، فقد كان الشيخ من أولياء الله ، وصاحب كرامات ، وذا نفس قدسية ، ومصداقا للنفس المطمئنة ومع انه كان في قمة درجات التحقيق والاجتهاد ، فقد كان من أعاظم العرفاء ، ويثمر ذكر هؤلاء العظماء وتعريفهم للمجتمع آثارا تربوية عظيمة ، وحيث كان الشيخ فريد عصره في الزهد والعبادة والصلاح ، فقد ترك بعد وفاته إرثا لا يتجاوز ۱۷ تومانا إيرانيا ، وكانت دينا عليه ، أي انه لم يترك شيئا ماديا بعده ، بحيث لم يتمكن ذووه من إقامة مجلس الفاتحة على روحه الطاهرة ، فتطوع احد الأشراف من المؤمنين بذلك ، وتكفل بنفقاته ، فأقيمت المأتم ومجالس الفاتحة له أعلى الله مقامه لعدة أيام متوالية . ينقل احد أعاظم العلماء ويقول : انه قدم على الشيخ في عصر مرجعيته العامة شخص أعطاه ۲۰۰۰ تومانا كحقوق شرعية ، واتاه شخص يطلبه أربعة تومانات ، فاستمهله الشيخ لعدة أيام أخرى ، ولما غادره قيل للشيخ : ما السبب في عدم إعطائه ديونه من المبلغ الذي استلمه لتوه ، فأجاب : ان هذا المال يعود للفقراء ولا حق لي فيه ، ولا املك حاليا ما أعطيه أياه ، فاستمهلته لأبيع سجادتي وأؤدي ديني . مثال آخر على زهد الشيخ : انه لما أراد تزويج ابنته من ابن أخيه الشيخ محمد حسن الأنصاري ، تطوع وكيل الشيخ في بغداد الحاج محمد صالح بتحمل نفقات مراسم الزواج ، وتهيئة أثاث مناسب لابنته يتناسب وشان المرجع العام للمسلمين ، الا ان الشيخ لم يسمح بذلك بأي وجه من الوجوه ، وزوج ابنته زواجا بسيطا جدا بمستوى الطلاب الفقراء . وقد دفع زهده بالمندوب السياسي الانجليزي في بغداد ويسمى ( باليوز ) إلى القول لدى رؤيته له في طريقه الى زيارة سلمان ، بعد ان فشلت جهوده لعامين لأجل اللقاء به : انه والله عيسى بن مريم أو نائبه الخاص . ويقول المحقق الرشتي بهذا الشأن : ان الشيخ تألق في ثلاثة أشياء : العلم والسياسة والزهد ، وقد أعطاني علمه ، وأعطى الميرزا محمد حسن الشيرازي المعروف بالميرزا الكبير أعلى الله مقامه سياسته ، بينما اخذ زهده معه الى القبر .

۴ـ الاهتمام بالفقراء والضعفاء

ومن السمات المميزة للشيخ اهتمامه الخاص بالفقراء والضعفاء ، حيث ينقل ان الشيخ كان يتسم بهذه الصفة منذ أيام طفولته ، فقد ذكر موثوقون بالتواتر ان الشيخ ‌كان يعطي عشاه كل ليلة الى رجل فقير عاجز يقضي أيامه في بقعة ( پير محمد ) بدزفول ، أو ينام جائعا ، ويقتنع بالشئ القليل .

۵ـ مجاهدة النفس

ومن الخصائص المعروفة عن الشيخ مجاهدته لنفسه ، ومما ينقل عنه انه كان له جار من السادة ضعيف الحال في النجف الاشرف ، يأتي كل يوم ليأخذ طعامه من منزل الشيخ ، ولما لم يحضر في احد الأيام ، حمل الشيخ طبق الطعام على الرغم من شيخوخته ومرجعيته العامة ، واتجه صوب جاره ، وفي الطريق حدثته نفسه بالعودة لما قد يؤثر هذا العمل على سمعته ، وفجأة صرخ الشيخ في نفسه : بماذا انخدعت يا مرتضى ؟ فإذا كانت السمعة هي السبب ، فسأريك فنزع العمامة من رأسه ووضع عليها الطبق وأوصله بهذه الحالة الى منزل الرجل الضعيف .

۶ـ الاستمرار على النوافل والأدعية والزيارات

أما عن عبادة الشيخ ، فيكفي ما قيل عنه انه كان مواظبا ومنذ بداية بلوغه على النوافل اليومية والأدعية الخاصة والتعقيبات وصلاة جعفر الطيار ، وكان يقرا يوميا ما لا يقل عن جزء واحد من القرآن الكريم وزيارة عاشوراء وزيارة الجامعة ، حتى قال الإمام الخميني أعلى الله مقامه عن عظمة الشيخ : انه لو لم تكن حياة الشيخ الأنصاري بهذه الصورة لما استطاع ان يربي تلامذة عظام ويقدم الى المجتمع تلك الكتب القيمة .