الخلافات الزوجية/1

الخلافات بين الزوجين تخلق في الأسرة أجواء متوترة ومتشنجة تهدد استقرارها وتماسكها ، وقد تؤدي إلى انفصام العلاقة الزوجية وتهديم أركان الأسرة ، وهي عامل قلق لجميع أفراد الأسرة بما فيهم الأطفال ، ولها تأثيراتها السلبية على المجتمع أيضا ، لأن الخلافات الدائمة تزرع القلق في النفوس ، والاضطراب في التفكير والسلوك ، فتكثر التعقيدات والاضطرابات النفسية في أوساط المنحدرين من أسر مفككة بسبب كثرة الخلافات والتشنجات ، فتنعدم فيهم الثقة بالنفس وبالمجتمع ، لذا حث الاسلام على إنهاء الخلافات الزوجية وإعادة التماسك الأسري ، قال تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير . . . ) ( 1 ) .

وأمر القرآن الكريم الزوج بالمعاشرة بالمعروف فقال : ( . . . وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) ( 2 ) .

وحذر الاسلام من الطلاق وإنهاء العلاقة الزوجية ، قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ما من شئ مما أحله الله عز وجل أبغض إليه من الطلاق ، وإن الله يبغض المطلاق الذواق ( 3 ) .

وقال عليه السلام : إن الله عز وجل يحب البيت الذي فيه العرس ، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق ، وما من شئ أبغض إلى الله عز وجل من الطلاق ( 4 ) .

وإذا لم تنفع جميع محاولات الاصلاح وإعادة العلاقات إلى مجاريها ، وإذا لم تتوقف المشاكل والتوترات إلا بالطلاق ، فقد يكون الطلاق سعادة لكلا الزوجين ، ومع ذلك فقد منح الاسلام الفرصة للعودة إلى التماسك الأسري ، فأعطى للزوج حق العودة أثناء العدة دون عقد جديد ، وبعد العدة بعقد جديد ، وجعل له حق العودة بعد الطلاق الأول والثاني ، وفيما يلي نستعرض المواقف والمظاهر المتعلقة بالخلافات الزوجية .

الشقاق والنشوز :

إذا حدث الشقاق ، وضع الاسلام أسسا وقواعد موضوعية لانهائه في مهده ، أو التخفيف من وطأته على كلا الزوجين ، فإذا كانت الزوجة هي المسببة للشقاق والنشوز بعدم طاعتها للزوج وعدم احترامه ، فللزوج حق استخدام بعض الأساليب كالوعظ أولا ، والهجران ثانيا ، والضرب الرقيق أخيرا ( 5 ) .

قال تعالى : ( . . . واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ) ( 6 ) .

ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة السعي في المصالحة ببعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة ، كما جاء في قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) ( 7 ) .

وينبغي على الحكمين مراجعة الزوج والزوجة قبل بدء التشاور ، فان جعلا إليهما الاصلاح والطلاق ، أنفذوا ما رأياه صلاحا من غير مراجعة ، وإن رأيا التفريق بينهما بطلاق أو خلع ، لا يحق لهما امضاء ذلك إلا بعد مراجعة الزوجين ( 8 ) .

قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا الرجل والمرأة ، ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا ، وإن شئنا فرقنا ، فان جمعا فجائز ، وإن فرقا فجائز ( 9 ) .

ويجوز للحاكم الشرعي أن يبعث الحكمين من غير أهلهما ( 10 ) .

ومهما اتفق الحكمان فلا يجوز الفصل بين الزوجين في حال غياب أحدهما ( 11 ) .

وإن كان أحد الزوجين مغلوبا على عقله بطل حكم الشقاق ( 12 ) .

وفي جميع مراحل عمل الحكمين يستحب لهما الاصلاح إن أمكن ذلك ، لعموم أدلة بغض الطلاق وكراهيته من قبل الله تعالى .

ومن الأفضل اختيار الحكمين على أساس العلم والتقوى والكفاءة في مواجهة الأمور ، والقدرة على استيعاب المواقف المتشنجة ، والصبر عليها ، وأن يقولا الحق ولو على أنفسهما .

وينبغي على الحكمين أن يمنحا الفرص المتاحة لإعادة مسار العلاقات الزوجية إلى حالتها قبل الشقاق والنشوز ، وإن طالت مدة الاصلاح والمفاوضات المتقابلة .

الايلاء :

الايلاء : هو حلف الزوج على أن لا يطأ زوجته ( 13 ) .

والايلاء مظهر من مظاهر الانحراف عن الفطرة ، وهو مقدمة من مقدمات التنافر والتدابر بين الزوجين .

وليس أمام الزوجة إزاء هذه الحالة إلا أحد خيارين ، إما الصبر على ذلك حفاظا على كيان الأسرة من التفكك ، وإما اللجوء إلى الحاكم الشرعي ، فإن رفعت خصومتها إليه أنظر الحاكم زوجها أربعة أشهر لمراجعة نفسه في ذلك ، فان أبى الرجوع والطلاق جميعا حبسه الحاكم وضيق عليه في المطعم والمشرب ، حتى يفئ إلى أمر الله تعالى بالرجوع إلى معاشرة زوجته أو طلاقها ( 14 ) .

قال تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) ( 15 ) .

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ولا يمسها ولا يجمع رأسه ورأسها ، فهو في سعة ما لم تمض الأربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة أشهر وقف ، فإما أن يفئ فيمسها ، وإما أن يعزم على الطلاق فيخلي عنها ، حتى إذا حاضت وتطهرت من حيضها طلقها تطليقة قبل أن يجامعها بشهادة عدلين ، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض الثلاثة أقراء ( 16 ) .

اللعان :

إذا قذف الرجل زوجته الحرة بالفجور ، وادعى أنه رأى معها رجلا يطأها ، فان لم يأت بشهود أربعة ، لاعن الزوجة ( 17 ) .

والذي يوجب اللعان أن يقول : رأيتك تزنين ، ويضيف الفاحشة منها إلى مشاهدته ، أو ينفي ولدا أو حملا ( 18 ) .

أما إذا قال لها : يا زانية ، ولم يدع المشاهدة ، فلا لعان بينهما ، وإنما يكون الزوج قاذفا ( 19 ) .

قال الإمام الصادق عليه السلام : لا يكون لعان حتى يزعم أنه قد عاين ( 20 ) .

وصيغة الملاعنة كما ورد في القرآن الكريم : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) ( 21 ) .

فيقول له الحاكم قل : ( أشهد بالله إني لمن الصادقين فيمن ذكرته عن هذه المرأة من الفجور ) .

ويكرر ذلك أربع مرات ، فإن رجع عن قوله ، جلده حد المفتري ثمانين جلدة ، ورد امرأته عليه .

وإن أصر على ما ادعاه ، قال له قل : ( إن لعنة الله علي ان كنت من الكاذبين ) .

ويقول الحاكم لزوجته قولي : ( أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به ) وتكرر القول أربع مرات .

وتقول في الخامسة : ( إن غضب الله علي إن كان من الصادقين ) .

فإذا قالت الزوجة ذلك ، فرق الحاكم بينهما ، ولم تحل له أبدا ، وقضت منه العدة منذ تمام لعانها له ( 22 ) .

أما إذا كانت الزوجة خرساء ، فرق بينهما ، وأقيم عليه الحد ، ولا تحل له أبدا ، ولا لعان بينهما ( 23 ) .

الطلاق :

الطلاق : من حيث الأحكام الشرعية على أربعة أنواع ( 24 ) .

الأول : الطلاق الواجب ، وهو الطلاق الناتج عن الايلاء – كما تقدم – .

الثاني : الطلاق المستحب ، وهو طلاق الزوج زوجته حال الشقاق والحال بينهما غير عامرة ، ولا يقوم كل واحد منهما بحق صاحبه .

الثالث : الطلاق المحظور ، وهو طلاق الزوج زوجته في أحد موضعين :

1 – طلاق الحائض المدخول بها ، ولم يغب عنها زوجها .

2 – طلاق الخارجة من المحيض بعد مواقعة زوجها لها في ذلك الطهر ، قبل أن يستبين حملها .

الرابع : الطلاق المكروه ، وهو طلاق الزوج زوجته والحال عامرة بينهما ، ويقوم كل منهما بحق صاحبه .

شروط الطلاق :

لا يقع الطلاق إلا باللفظ ، وهو قول الزوج : أنت طالق ، ولا يقع بقوله : فارقتك وسرحتك ، أو بقوله : اعتدي ، وحبلك على غاربك ( 25 ) .

ولا يقع الطلاق في الحيض ( 26 ) وإنما يقع في طهر لم يجامعها فيه .

ولا يقع الطلاق إلا بشهادة مسلمين عدلين ( 27 ) .

ومن كان غائبا عن زوجته ، فليس يحتاج في طلاقها إلى ما يحتاج إليه الحاضر من الاستبراء ، لكنه لا بد له من الاشهاد ، فإذا أشهد رجلين من المسلمين على طلاقه لها ، وقع بها الطلاق سواء كانت طاهرا أو حائضا ، ومن أراد أن يطلق زوجته غير المدخول بها ، طلقها في أي وقت شاء بمحضر من رجلين مسلمين عدلين ، ولم ينتظر بها طهرا ( 28 ) .

ولا يقع الطلاق إن كان مشروطا ( 29 ) كأن يقول : أنت طالق إن دخلت الدار .

شروط المطلق ( 30 ) :

يشترط في صحة الطلاق بعدما تقدم ، عدة أمور ، أهمها :

1 – كون المطلق ممن يصح تصرفه ، وهو العاقل البالغ ، فلا يصح طلاق المجنون والسكران والصبي .

قال الإمام الصادق عليه السلام : ليس طلاق السكران بشئ ( 31 ) .

2 – أن لا يكون الزوج مكرها على الطلاق ، فلا بد من اختياره هو .

عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لو أن رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل ، فلم يكن عليه شئ ( 32 ) .

3 – أن يكون قاصدا للطلاق .

قال الإمام الباقر عليه السلام : لا طلاق إلا لمن أراد الطلاق ( 33 ) .

4 – أن يكون تلفظه بصريح القول دون الكناية .

عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : رجل كتب بطلاق امرأته ثم بدا له فمحاه ، قال : ليس ذلك بطلاق حتى يتكلم به ( 34 ) .

وتجوز الوكالة في الطلاق ، فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن رجل جعل أمر امرأته إلى رجل ، فقال : اشهدوا أني جعلت أمر فلانة إلى فلان ، أيجوز ذلك للرجل ؟ فقال : نعم ( 35 ) .

طلاق السنة :

طلاق السنة هو الطلاق المستوفي للشروط المتقدمة ، من كون المطلق عاقلا مميزا مالكا أمره غير مكره ولا غضبان ولا فاقد العقل ، وأن يكون الطلاق واقعا في طهر لم يواقع زوجته فيه ، وأن يكون التلفظ بصريح القول ، وأن يكون الطلاق مطلقا غير مشروط ، وأن يتم بحضور شاهدين عدلين في مجلس واحد ( 36 ) .

سئل الإمام الرضا عليه السلام عن طلاق السنة ، فقال : يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشهادة عدلين كما قال الله عز وجل في كتابه ، فإن خالف ذلك رد إلى كتاب الله ( 37 ) .

طلاق البدعة :

وهو الطلاق غير المستوفي للشروط ، كطلاق الحائض أو طلاق الطاهرة من الحيض بعد مواقعتها في طهرها ، وكالطلاق المعلق بشرط ، وإيقاع الطلاق ثلاثا بلفظة واحدة ( 38 ) .

عن الحلبي ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طلق امرأته وهي حائض ، فقال : الطلاق لغير السنة باطل ( 39 ) .

وقال الإمام الرضا عليه السلام : طلق عبد الله بن عمر امرأته ثلاثا ، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدة ، وردها إلى الكتاب والسنة ( 40 ) .

ومن طلاق البدعة ، الطلاق بغير شهود ، قال الإمام الصادق عليه السلام : من طلق بغير شهود فليس بشئ ( 41 ) .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ) النساء : 4 / 128 .

2 ) النساء : 4 / 19 .

3 ) الكافي 6 : 54 .

4 ) الكافي 6 : 54 .

5 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 333 . وجواهر الكلام 31 : 202 وما بعدها .

6 ) سورة النساء : 4 / 34 .

7 ) سورة النساء : 4 / 35 .

8 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 333 . وجواهر الكلام 31 : 210 ، 215 .

9 ) تهذيب الأحكام 8 : 103 .

10 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 333 .

11 ) المصدر السابق نفسه .

12 ) المصدر السابق نفسه .

13 ) المبسوط 5 : 114 .

14 ) المقنعة : 523 .

15 ) سورة البقرة : 2 / 226 – 227 .

16 ) تهذيب الأحكام 8 : 3 .

17 ) المقنعة : 541 .

18 ) الانتصار : 330 .

19 ) المصدر السابق .

20 ) تهذيب الأحكام 8 : 186 .

21 ) سورة النور : 24 / 6 – 9 .

22 ) المقنعة : 541 .

23 ) الانتصار : 331 .

24 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 319 .

25 ) الانتصار : 300 .

26 ) الانتصار : 306 .

27 ) المقنعة : 525 .

28 ) المقنعة : 526 – 527 .

29 ) الكافي في الفقه : 305 .

30 ) الكافي في الفقه : 305 – 306 . وجواهر الكلام 32 : 8 وما بعدها . والصراط القويم : 221 .

31 ) الكافي 6 : 126 .

32 ) الكافي 6 : 127 .

33 ) تهذيب الأحكام 8 : 51 .

34 ) الكافي 6 : 64 .

35 ) الكافي 6 : 129 .

36 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 320 – 321 . وجواهر الكلام 32 : 117 .

37 ) تهذيب الأحكام 8 : 49 .

38 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 322 . وجواهر الكلام 32 : 116 . والصراط القويم : 223 .

39 ) تهذيب الأحكام 8 : 47 .

40 ) تهذيب الأحكام 8 : 55 .

41 ) تهذيب الأحكام 8 : 48 .

المصدر: مركز الرسالة