الخواجة نصير الدين الطوسي

ولد في طوس ـ وهي ناحية في منطقة خراسان في شمالي شرق إيران ـ واختلف في سنة ولادته، ولكن أكثر المؤلفين على أنه ولد سنة ۵۹۷هـ وتوفي في بغداد يوم الغدير سنة ۶۷۲هـ ، ودفن عند الكاظمين عليهما السّلام، وكان والده محمد بن الحسن من الفقهاء والمحدّثين، فتربّى في حجره ونشأ على يده.

بعد أن ألمّ الطوسي بعلوم اللغة والأدب تحوّل إلى دراسة الفقه والمنطق والحكمة والرياضيات، فأخذ الفقه عن والده وحضر مدة دروس خاله (نور الدين علي بن محمد) الذي تعلّم على يديه مقدمات المنطق والحكمة، وقد درس مقدمات في الرياضيات عند كمال الدين محمد الحاسب.وفي هذا الصدد يقول عن نفسه: إنه بعد وفاة والده عمل بوصيته في الرحيل إلى أي مكان يلقى فيه أساتذة يستفيد منهم، وكانت نيسابور في ذلك العهد مجمع العلماء ومنتجع الطلاب، فسافر إليها حيث حضر حلقة كل من سراج الدين ألضري وقطب الدين الداماد وأبو السعادات الأصفهاني وآخرين غيرهم، كما لقي فيها فريد الدين العطار، كما درس على معين الدين سالم بن بدران المازني المصري ألإمامي، وقد أجازه معين الدين في سنة ۶۱۹هـ.كما درس على كمال الدين بن يونس الموصلي، وقيل »إنه درس الفقه على كمال الدين هيثم البحراني وعلى العلامة الحلّي، كما أنهما درسا عليه الفلسفة والكلام، كما انصرف إلى دراسة الحكمة والفلسفة فدرسها على الحكيم شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسرو شاهي تلميذ فريد الدين الداماد، وهو تلميذ فخر الدين الرازي، واشتغل بأكثر علوم الإسلام فسمع الحديث عن الشيخ برهان الدين الهمذاني، واستمر بتلمذته على أيادي الأساتذة الكبار حتّى صار في عنفوان شبابه بارعاً ضليعاً في أكثر الفنون والعلوم.

ومما يذكر في حقب حياته الشريفة انه توقف عن الدراسة بدخول المغول بقيادة جنكيز خان إلى نيسابور، حيث اجتاحوا خراسان، وانهزم أمامهم السلطان محمد خوارزم شاه، وانهارت بعده كل مقاومة، وتساقطت المدن واحدة بعد الأخرى، وساد القتل والخراب وشبت الحرائق، وفرّ الناس هائمين على وجوههم لا يلوون على شي‏ء ولا يدرون متى يدركهم الموت، ولكن قلاع الإسماعيليين صمدت في وجه الغزو المغولي لسنوات ولم تستسلم.لم يكتف المغول بتدمير المدن، بل أعملوا السيف في رقاب الناس، وكان الطوسي من بين الناجين الأربعمائة من أهلها، فهام على وجهه يطلب الملجأ الأمين وهو في الثانية والعشرين من عمره، فلم يجد غير طوس، فقصدها للنجاة بنفسه. وفي طوس عاش الطوسي متألماً متأزماً يعاني قلقاً نفسياً شديداً وخوفاً دائماً على مستقبله الذي يتهدده دمار المغول بين وقت وآخر، وظل فيها كما يبدو زهاء ست سنوات يجاهد خوفه ويكافح قلقه أمام هول الأحداث.مارس الطوسي في طوس عزلةً قاسيةً على نفسه، كان يسبر خلالها غور الفلسفة، لا سيما مؤلفات الرئيس، فطارت شهرته وذاع صيته وعرفت محاولاته في الميتافيزيقيا والطبيعة والأخلاق والسياسة إلى جانب اهتمامه بعلم الكلام، ما دفع ناصر الدين عبد الرحيم الأشتر الملقب بـ”المحتشم” حاكم قهستان إلى الاحتيال عليه، فدعاه إلى الإقامة عنده ، فلقيت هذه الدعوة، كما يقول البعض، هوى في نفس نصير الدين، وكان اتصاله بالإسماعيليين حسب هذا الرأي عن طواعية واختيار،وقيل أن قدوم الطوسي على قهستان كان عن طريق الإجبار والإكراه، حيث كانت قد صدرت أوامر إلى فدائيي الإسماعيليين باختطاف الطوسي وحمله إلى قلعة آلموت، فترصّده الفدائيون في أطراف بساتين “نيسابور”، وقد تكون طوس، وطلبوا إليه مرافقتهم إلى آلموت، ولكن الطوسي امتنع عن الامتثال لأوامرهم، فهددوه بالقتل وأجبروه على مرافقتهم وعاش هناك سنوات شبه أسير أو سجين، بينما يرى آخرون أن الطوسي قد ذهب مختاراً إلى ناصر الدين، وخلال مقامه عنده حدث ما عكر صفو ودادهما، فنقم عليه ناصر الدين واعتبره سجيناً لديه، ثم أرغمه على مصاحبته إلى (ميمون دز) حيث عاش سجيناً لا يبرح مكانه.

وبقي في أسره حتى أطلق سراحه أخيراً على يد المغول ، وهذا ما أكدته الأخبار كما في كتاب “تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام”، حيث يقول إن نصير الدين أطلق من الحبس وأكرمه الديلم لعلمه بعلم النجوم وصار في عداد وزرائهم، وهذا ما أكدته شهادة الطوسي نفسه في آخر شرحه للإشارات الذي ألّفه وهو في قلاع الإسماعيليين، ويرثي فيه حالته ويعبر عن تململه وبرمه من الحياة ويعبر فيه عن آلامه حيث يقول: “وقمت أكثرها في حال صعب، لا يمكن أصعب منها حال، ورسمت أغلبها في مدة كدورة بال، بل في أزمنة يكون كل جزء منها ظرفاً لغصّة وعذاب أليم وندامة وحسرة عظيمة”، إلى أن يدعو ربه بقوله: “اللهم نجني من تزاحم أفواج البلاء، وتراكم أمواج العناء، بحق رسولك المجتبى ووصيه المرتضى، صلّ الله عليهما وآلهما، وفرّج عني ما أنا فيه، فلا إله إلاّ أنت وأنت أرحم الراحمين”.

ولما خضعت قلعة آلموت للمغول خرج نصير الدين وحضر بين يدي هولاكو فحظي عنده بمعاملة خاصة وأثارت علاقة الطوسي بهولاكو جدلاً ونقاشاً حادّين، فاعتبر البعض أنها كانت نتيجة لمراسلات حصلت بين هولاكو والطوسي، ورأى آخرون أنها كانت نتيجة طبيعية لسمعة الطوسي الفلسفية الجيدة، ولكن الواقع كان غير ذلك، حيث لم يكن هولاكو ممن يستسيغ الفلسفة، والراجح أنها كانت نتيجة اشتهار الطوسي في علم الفلك والنجوم والاختبارات، ولم يكن الطوسي الوحيد الذي أبقى عليه، بل أبقى أيضاً على رجلين آخرين هما موفق الدولة ورئيس الدولة وذلك لكونهما طبيبين وهذا المعنى ممن ذكره صاحب كتاب “الغزو المغولي للبلاد الإسلامية ” تأليف حسن الأمين حيث قال (بعد مقتل ركن الدين خورشاه وأصحابه استثنى هولاكو من القتل ثلاث رجال كانت شهرتهم العلمية قد بلغته فأمر بالإبقاء عليهم ولم يكن هذا الإبقاء حبا للعلم وتقديرا له بل لان هولاكو كان بحاجة إلى ما اختص به هؤلاء الثلاث من معارف فاثنان منهم كانا طبيبين هما موفق الدولة ورئيس الدولة والثالث كان مشهورا باختصاصه في أكثر من علم واحد وهو نصير الدين الطوسي وكان مما اختص به علم الفلك وكان هولاكو مقدرا لهذا العلم تقدير حاجة لا محض تقدير مؤمنا بفائدته له وقد اشتهر المغول بهذا العلم واهتموا بالسياسة والحساب لضبط المملكة وحصر الدخل والخرج والطب لحفظ الأبدان والأمزجة والنجوم لاختيار الأوقات وما عدا ذلك من العلوم والآداب ففاسد عندهم)

(وممّا يروى أن هولاكو كان قد اصطحب الطوسي في حملته على بغداد عام ۶۶۵هـ/۱۲۵۷م، ما جعل الطوسي موضع انتقاد شديد من جانب المؤرخين، فشكك بعضهم في إسلامه، ووصل الأمر بآخرين منهم إلى حدِّ اتهامه باعتناق الوثنية، في حين حمّله فريق ثالث مسؤولية سفك الدماء في بغداد وانتهاك الحرمات والتنكيل بالإسلام والمسلمين، فضلاً عن اتهامه بتهوين أمر قتل الخليفة المستعصم بالله.

بينما نجد أن فريقاً آخر نظر بإيجابية إلى هذا الاصطحاب، حيث يقول إن الطوسي انصرف وهو في بغداد إلى إنقاذ أكبر عدد ممكن من أرواح الناس، وخاصة الفلاسفة والعلماء والفلكيين، حيث تمكن أن ينتزع من هولاكو أمراً يقضي: بأن يقف عند باب الحلبة ويؤمِّن للناس الخروج من هذا الباب، فأخذ الناس يخرجون جماعات كثيرة، هذا عدا عن تمكنه من إنقاذ الكتب النفيسة والآثار العلمية، حتى غدت مكتبة علمية تحوي أكثر من أربعمئة ألف مجلد.أمَّا عن دوافع الطوسي في خدمة هولاكو ومرافقته إلى بغداد، إنما تعود، كما يشير بعض المؤرخين، إلى أن الطوسي تيقَّن من استحالة النصر العسكري على المغول بسبب الانحلال التام للعالم الإسلامي، نتيجةً لما لحق به من ضعف، وإدراكاً من الطوسي أن الطامَّة الكبرى ستحلُّ بالمسلمين إذا ما استطاع المغول الهيمنة فكرياً عليهم تمهيداً للقضاء على الإسلام، فاستغل الطوسي حاجة هولاكو إليه لخبرته في علم النجوم (الرصد) فأنقذ ما أمكن إنقاذه من التراث الإسلامي المهدَّد بالزوال.

وإيماناً منه بأهمية ما يقوم به، حوّل الطوسي مرصد مراغة سنة ۶۵۷هـ/۱۲۵۷م إلى دار علم عظيمة حوت نوادر الكتب ونفائس المجموعات، وجعل منه أول أكاديمية علمية بالمعنى الحديث، وأول جامعة حقيقية، وقد أشتمل على دار لطلبة الحديث ومدرسة للفقهاء، ومقر حكمة للفلاسفة، ومجلس للأطباء، وأنشأ فيه مكتبة ضخمة، وأجرى على العاملين فيه الجرايات، هذا العمل الجبار من قبل الطوسي أقنع هولاكو بأن يعهد إليه بالإشراف على الأوقاف الإسلامية والتصرف بمواردها بما يراه.

<![endif]>وأحاط الطوسي مرصد مراغة بهالة علمية وفوائد جمة، وأقنع هولاكو بأنه وحده عاجز عن القيام بهذا البناء الشامخ، ولا بدّ له من مساعدين أكفّاء، سواء في البلاد المحتلة أو في خارجها، فوافق هولاكو، فعمد الطوسي إلى تكليف رسول حكيم هو فخر الدين لقمان بن عبد الله المراغي، وعهد إليه بالتطواف في البلاد الإسلامية وتأمين العلماء والنازحين ودعوتهم للعودة إلى بلادهم، ثم دعوة كل من يراه كفوءاً في عمله وعقله من غير النازحين…

ولبّى الناس الدعوة وكانت النتيجة “تشكل مجموعة ذات قيمة عظيمة، وتكوّن مجمعاً فلكياً عظيماً اشترك في المباحث الفلكية الرياضية وغيره”.بقي النصير محتفظاً بمنصبه كوزير بعد تولي أباقاخان زعامة المغول بعد أبيه هولاكو، واستطاع الطوسي أن يؤثر فيه من خلال النصائح في تحسين الوضع العام، فاطمأن الناس على أنفسهم وأموالهم بعض الاطمئنان.وبعد أن مضى أباقاخان، تولى الحكم ابن هولاكو الآخر “تكودار”.

فأعلن إسلامه وإسلام الدولة المغولية تبعاً لإسلامه، وإن كان البعض يرى أن هولاكو نفسه قد أسلم، وآخرون قالوا بأن آباقاخان قد أسلم، والمهم أن الطوسي كان له دور كبير في أسلمة الدولة المغولية وتحويلها إلى راع وقيّم على الإسلام بدل محاربته؛ محدثاً بذلك تحولاً نوعياً في مسار الأمة ومجريات الأحداث فيها.

ومنه نعلم أن مهمة الطوسي كانت من اشق المهمات وكانت أزمته النفسية من أوجع ما يصاب به الرجال فأنه وهو العالم الكبير ذو الشهرة المدوية بين المسلمين يرى نفسه فجأة في قبضة عدو المسلمين ويرى هذا العدو مصرا على أن يبقيه في جانبه وسيره في ركابه والى أين يمشي هذا الركاب انه يمشي لغزو الإسلام في دياره والقضاء عليه في معاقله فهل من محنة تعدل هذه المحنة ؟أن اقل تفكير في التمرد على رغبة القائد المغولي سيكون جزاءه حد السيف ،وقد يقال وما أعذب الشهادة أن كان الطوسي من المؤمنين ؟ أقول وإنني لأتخيل الطوسي متأملا كويلا مطرقا كثير الإطراق لقد كان يعز عليه أن يذهب دمه رخيصا وان يكون ذلك بإرادته هو نفسه فلو أن سيفا من سيوف المغول الجانبية أودى به فيمن أودى بهم في رحاب نيسابور وسهول إيران لكان استراح .أما الآن فلن يستسلم للقدر الطاغي وسيؤثر على حكم الزمن الغاشم .كان الطوسي ذا فكر منظم يعرف كيف يخطط ويدبر

وهو في ذلك آية من الآيات وقد ادر كان النصر العسكري على المغول ليس ممكنا أبدا فقد انحل نظام العالم الإسلامي انحلالا تاما لم يعد في من أمل من تجميع قوة الأمة لتهاجم المغول وتخرجهم من دياره وكانت دياره المحتلة اضعف من أن تفكر في ثورة ناجحة ومن شاء معرفة الحقيقة عليه بمراجعة حال الدولة العباسية ومدى ضعفها وانحلالها وتفرق حكامها ومدى تنازعهم على السلطة مما أدى إلى تفرقهم وضعف الدولة الإسلامية وهذا بعينه كان سببا طبيعيا لسقوط الدولة العباسية من دون مآمرة ففكر الطوسي طويلا فأيقن أن انه إذا تم للمغول النصر الفكري بعد النصر العسكري كان في ذلك القضاء على الإسلام وها هو يرى بأم عينيه كيف تحرق الكتب والعلماء يقتلون فا ذا يبقى بعد ذلك ؟ لقد استغل حاجة هولاكو له وحرصه على أن يكون بجانبه في معسكره كعالم فلكي في النجوم فعزم على كسب ثقته واحترامه فكان له ما أراد وصار له من ذلك سبيل لإنقاذ اكبر عدد من الكتب وتجميعها كما استطاع أن ينجي من القتل الكثير ممن كانوا سيقتلون ،وإنما فعل ذلك من منطلق انه إذا عجز المسلمون اليوم عن مقابلة السيف بالسيف فأنهم لم يعجزوا عن مقابلة آثاره بالعلم والثقافة والدعوة الحسنة ولن يتأتى ذلك إذا باد العلماء وانقرضت الكتب فلا بد من إصلاح عاجل ومن حب هولاكو لعلم التنجيم نفذ الطوسي مآربه بإيجاد مركزية أسلامية قوية تكون عونا على تشكيل بنية حضارية إسلامية تمتص همجية المغول وتدخلهم في الإسلام و استتراجية الطوسي واضحة في هذا المجال وكما مر ، وهو لا يريد تحويل سيل هولاكو دفعة واحدة من طرف الى طرف بل انه يتدبر الأمر معه أولا بأول وباللطف والمداراة وهذا ما حدث بالفعل حيث أقنعه بإقامة مرصد مراغة هذا أولا وتأسيس مكتبة مراغة التي جمعت الشتات الضائع في مختلف العلوم وكذا عمد على جمع العلماء والحكماء من مختلف أنحاء البلاد واستدعائهم للإشراف على المرصد والعمل في المكتبة من دون أي اعتبار مذهبي ومن أراد المعرفة أكثر فعليه بمراجعة “شرح آلات مرصد مراغة وأدواته” للعالم الدمشقي مؤيد الدين العرضي .وبين هذا وذاك يمكن أن يزول الخطر المغولي الثقافي نهائيا عبر تجميع قوة الإسلام عن طريق كتبها وعلماءها وهذا ما حصل فعلا بل وأدى إلى إدخال المغول أنفسهم في الدين الإسلامي ولقد حدث ذلك فإذا كان هولاكو قد مات دون أن يدخل الدين الإسلامي مع أن بعض الروايات الضعيفة تشير إلى ذلك وخلفه ابنه (اياقاخان)الذي كان عهده عهد انفتاح على المشاريع الكبيرة بعد أن تغير العهد الدموي الذي اتصف به حكم هولاكو وقد اطمأن الناس على أنفسهم وأموالهم بعض الاطمئنان وبقي الطوسي يلاحق اياقاخان لتنفيذ الإصلاحات الكبرى وزار معه العراق سنة ۶۶۷ وسنة ۶۷۲،وإذا كان اياقاخان قد مات مشكوكا في اعتناقه الإسلام قان من الثابت عند الجميع أن تكوادار الذي خلفه قد اعتنق الإسلام ودخل معه المغول إلى الدين الإسلامي وبذلك فقد أعطت جهود الطوسي ثمارها العظيمة بعد قليل من وفاته .وفي المسألة تحقيق تأريخي نلحقه فيما بعد.

الكاتب: محمد العلي