الدكتاتورية مفهوم تاريخي وسياسي

اودّ الوقوف على معنى هذه اللفظة التي ترددت على ألسنة الناس عندما يتحدثون أو يتذكرون ظلماً وأستبداداً مرّ بهم أو مورس ضدهم. ولا نختلف ـ مبدئياً ـ في طرح هذا المعنى عمّا يدور في أذهان الناس لما يحمله معنى الدكتاتورية من قساوة، وتعذيب، وظلم، واستبداد فضلاً عن مصادرة الحريات وحجر على الفكر ورفض الرأي الآخر. فالدكتاتورية هي ثقافة الرأي الواحد التي لا تحتمل ان يقف بأزائها ثقافة اخرى، وإن حصل مثل ذلك فإما أن تذوب تلك الثقافة في بودقة ثقافة الدكتاتورية أي إحتواء تلك الثقافة وإمّا ان تفنى من جذورها (إن لم تكن معي فأنت ضدي).
ولعلّ العراقيين أكثر الناس معايشة لمفهوم الدكتاتورية لعظيم ما رأوه من تعسف وظلم من طاغية العصر وما خلّفه من أيتام إرهابيين يتطلعون إلى سياسية الطاغية على حساب قتل الأبرياء. إنّ ثقافة الخطف والذبح والتنكيل والتعذيب ليست ثقافة جديدة، بل أنّها امتداد من زمن المرحلة المظلمة التي عاشها العراقيون زهاء أكثر من ثلاثة عقود. والدكتاتورية لها موروث تاريخي وأخلاقي، إذ يحدثنا التاريخ عبر عصوره عن كثير من الحكام الطغاة الذين حكموا حتى الطغيان، وتواترت صور الدكتاتورية بحكام ظالمين على اختلاف وتنوع الألوان والتيارات.
وإذا أردنا أن نترجم الدكتاتورية قريباً من الأجواء السياسية المعاصرة قلنا بأنها : تبعية السياسات الظالمة التي تتجسد بأفراد. كطاغية عصرنا وأمثاله أو منظمات تدعم سياسة دول معينة محاولة في الهيمنة والاستيلاء والانفراد في صنع أي قرار ينسجم مع ديمومة تلك السياسة وبقاء سلطانها. فالدكتاتورية أشد الظلم وأعتى الاستبداد إذ لا يرى الدكتاتور في الوجود الا نفسه ولا يسمع الا صوته حتى يصل في طغيانه ان يقول أو يترجم لسان حاله (أنا ربكم الأعلى) . ولعلّ ثمة إشارات يحدثنا فيها القرآن الكريم عن مفهوم الدكتاتورية بمنظور عقائدي إذ يصيب الاستعلاء والاستكبار نمطاً من الناس قصّ علينا القرآن قصصهم كان منهم الذي حاجّ إبراهيم (ع) إذ دمغه طغيانه واستعلاؤه أن يدعي الإحياء والإماتة قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ…) ومثله فرعون إذ يقول في مقدّمات استشعاره هذه النزعة الدكتاتورية التي ادّعى من ورائها الربوبية (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي …) حتى يقول صراحة كما أخبر عنه القرآن في آية أخرى (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) .
وتمرّ عجلة التاريخ لتعرض صوراً أخرى لنزعة الدكتاتورية تأخذ منحى الإمارة والملك . فهذا معاوية بن ابي سفيان يقف مخاطباً الناس على مرأى ومسمع منهم بأنه ما تولى الخلافة عليهم ليأمرهم بصلاة أو زكاة ولكن ليتأمّر عليهم. نزعة طالما حدثته نفسه عنها وتبرز هذه النزعة الدكتاتورية واضحة المعالم في سياسة الحجاج (أرى رؤوساَ قد اينعت وحان وقت قطافها) أو ان يتوعد من يخالفه الرأي بأنه سيسقي سيفه من دمه غير متردد في ضرب عنقه إلى ان نصل إلى طاغية العصر الذي استوعب الطغاة وزاد عليهم. وهكذا فالدكتاتورية تتنوع وتتغير سياستها تبعاً للظروف التي تعيشها المجتمعات وقتذاك فقد تصبح أكثر تطوراً أي الدكتاتورية واعقد منهجاً تبعاً لتحضر تلك المجتمعات وارتقائها الفكري.
فإذا كانت المجتمعات لها عمقاً حضارياً مستثمراً وفكراً تحضرياً فإنّ دعاة الدكتاتورية سيتخذون سياسة تتناسب مع بقائها وديمومة سلطانها. ونسوق لذلك أمثلة فمنها : أنه لا يمكن في فترة ظهور الإسلام وصدر الإسلام ان يتقبل المجتمع فكرة الربوبية التي ادّعاها الطغاة في فترة إبراهيم وموسى (ع) . لكنة مجتمع قد تحكمه النزعات القبلية فيطمح نحو الملك والسلطة والإمارة. فتتجسد الدكتاتورية حينئذ بلباس جديد هو لباس الإمارة والملك ولا تتجسد بلباس الربوبية فيقبل المجتمع وقتذاك هذه الفكرة وينبذ تلك.
لكن المجتمعات عندما تطورت وأصبح زمام إدارتها بأيدي المؤسسات والمنظمات الدولية وليس إفرازاً شخصياً أو محكوماً بأشخاص. فأضحت نزعة الملك والسلطة لا تلقى قبولاً في هذه المجتمعات لأنها بلغت مرتبة من الرقي الفكري أنها شعرت بأنفسها أنها مجتمعات لا تحتاج إلى وصاية من أحد فهي مجتمعات يحكمها دول نالت استقلالها الكامل وهي قادرة على إدارة شؤونها. فكان لا بدّ للدكتاتورية ان تتلبس بلباس جديد يناسب توجه المجتمعات المعاصرة فظهرت لنا الدكتاتورية على هيأة مؤسسات أو منظمات دولية تدعمها دول عظمى لديها أفراد عملاء يعملون لحسابها على وفق ما يناسب تحقيق مصالحها. من ذلك كله يمكننا أن نصنف الدكتاتورية إلى صنفين:

۱ـ دكتاتورية الأفراد (الدكتاتورية المعلنة):

وهي سياسة قديمة في الإستبداد والتسلط والإستعلاء انتهجها الملوك والطغاة والمردة والعتاة في العصور السحيقة ، كما حدثنا عنها القرآن الكريم وفي عصر صدر الإسلام كأمثال معاوية والحجاج ونحوهما، وكانت دكتاتورية نحكمها نزعتان-سبق ذكرهما ـ نزعة الربوبية ونزعة الإمارة والملك ويلحظ على هذا النمط من الدكتاتورية انها دكتاتورية مصرّح بها في خطاب مباشرٍ مع الملأ.

۲ـ دكتاتورية المنظمات (الدكتاتورية السياسية):

وهي سياسة الحكومات المعاصرة للدول العظمى التي أخذت نحو منحىً جديد لشرعنة دكتاتوريتها في المنطقة مع محاولة الابتعاد عن أي تصادم، أو تخفيف وطأة المعارضة ضدها إن لم يمكن احتواء جهة التعارض أو التصادم. إذن فهي سياسة جديدة للدكتاتورية تحاول إيجاد تبرير سياسي وغطاء قانوني لأي تصرف او إجراء بحق الشعوب وكما قلنا شرعنة الدكتاتورية وإخضاعها لتبرير قانوني، وأن تحظى بشرعية دولية. وهي نمط من الدكتاتورية واسعة النفوذ متوغلة الفروع متنوعة الصور والإشكال تتمثل بجماعات أو منظمات لها عملاؤها ومؤيدوها من أفراد وشخصيات حاكمة سياسية، تستغل جميع القدرات المتاحة أمامها لتحقيق مصالحها، قدرات اقتصادية، عسكرية، إعلامية، علمية. وهذا مما يزيد القضاء عليها صعوبة إذ لا تتمثل بأفراد معدودين ليسهل القضاء عليها وإن وجدوا مثل هؤلاء، فهم أجندة في منظمة أوسع نفوذاً. فهي اعتى الدكتاتوريات وأقساها وأشدها خطورة فعلى مقدار ما توظف من أجندة وتبذل من أموال وتستثمر من إمكانيات وقدرات يكون طموحها في السيطرة والاستيلاء والاستحواذ أعظم.
إذ لا تقنع بسيطرة أو نفوذ تبسطه في منطقة دون منطقة حتى يمتد نفوذها في محاولة لاختزال العالم في دولة واحدة مترامية الأطراف لها سلطة واحدة لا يقف أمامها كيان آخر وكما نعبر عنها سياسة القطب الواحد، على نحو ما تطمح إلى تحقيقه الولايات المتحدة الأميركية. وهي من أخطر الدكتاتوريات، فقد تقتضي مصالحها إبادة الشعوب تحت درجة قانونية وشرعية دولية. وأخيراً وإن تعددت وتنوعت صور الدكتاتورية تبقى نزعة الاستكبار، والاستبداد منشؤها المحفز لظهورها ومنطلقها الذي عبأ نزولها إلى ساحة الواقع الاسير بأيدي الحكومات الظالمة والسياسات الجائرة.

الکاتب: د. حيدر ناجي مظلوم