کاظم

الدور التغييري للإمام موسى الكاظم(ع)

لم يتوقف الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) عن الدعوة لله وممارسة التغيير حتى في السنوات الطويلة التي قضاها في السجون. لقد استطاع ان يمد الجسور مع محبيه وانصار اهل

بيت النبوة في كل مراحل حياته، وكان في اتصال دائم مع الأمة وهمومها، وعمل على ممارسة العبادة بابعادها المتنوعة، كان خاشعا لله، وملتزما بصلواته وصيامه وعباداته الاخرى، ومطيعا له ، وسائرا على نهجه ، اضافة الى التزاماته السياسية بتغيير الحكم باتجاه مرضاة الله، وصابرا وكاظما للغيض على التهجير والتعذيب والسجن والمحاصرة ومتابعة اصحابه والسائرين على نهجه.

لقد قاوم الطاغوت هادفا لتغييره، كانت ارادته صلبة وتصميمه للتصدي من دون توقف ، حيث حرك الساحة السياسية باستخدم الوسائل المشروعة من التنظيم والعمل السري، ودعم الثورات لازاحة الحكومات التي فرضت بوسائل غير شرعية ولا قانونية.

كان الامام يحرك الجماهير وهو في السجن من خلال الاتصالات السرية التي كونها لكسر حاجز الخوف والارهاب والتضييق الذي وضعته السلطة لعزله عن الجماهير.

ظل الامام حاضرا في المسرح السياسي في العهد العباسي عبر قنواته التنظيمية، ومؤثرا وموجها ومحاسبا للحكام وفق منهج سياسي اختطه يتلائم مع منهج مصادرة الحريات والقهر الذي كان سائدا للمعارضين للحكم.

وقد واجه الإمام كلّ تلكم المآسي التي تنهدّ لهولها الجبال، بعزمٍ ثابت وإرادةٍ لا تلين، وبتصميمٍ راسخ لا تزعزعه العواصف ولا تزيله القواصف، موطّناً نفسه على مواجهة وتحمّل كلّ الصعاب التي مارسها حكّام الجور ضدّه.

استمر الامام موسى الكاظم (ع) على منهج والده الامام جعفر الصادق (ع) براعيتهم وتثقيف العلماء والفقهاء وقادة الامة عبر الدروس الاسلامية والسياسية والتوجيهية التي كان يحضرها المئات من العلماء والفقهاء والشخصيات الاسلامية والمذاهب الفقهية والسياسية في المجتمع انذاك.

طرح حكام الدولة العباسية في بداية حكمهم شعارات مضللة للناس، اذ رفعوا شعار السير على نهج ائمة اهل البيت (ع) ضد طغيان الدولة الاموية، واذا بنظامهم يسير على نفس المنوال من القهر والظلم.

قدم الامام للأُمّة الاطروحةَ العمليّة في مواجهة الظلم ومقاومة نفوذه بما يتّفق وظروف تلك المرحلة، وبما ينسجم مع مسؤوليّاته الرساليّة في النُّصح للأُمّة وتسديدها عند اشتباه الحقّ والتباس معالم الهدى والصلاح، وقابلته السلطة بالاعتقالات المتعددة، والمحاصرة، والتهجير، والسجن في الظلام الدامس مع التعذيب، والعزل عن الناس، واختتموا سلسلة اجرامهم بوضع السم في طعامه وهو في السجن و شهادته مظلوما صابرا محتسبا في 25 رجب عام 183 هـ. بعد حياة حافلة بالعطاء والتغيير امتدت لـ 55 عاما (ولادته كانت في 7 صفر 128 هـ )، وبدأت امامته بعد شهادة والده الامام جعفر الصادق (ع) في عام 148ه لمدة 35 عاما .

عاصرالامام ولاة الحكم العباسي المنصور لمدة عشر سنوات (من 148ه الى 158ه) والمهدي والهادي لمدة سنتين وهارون الرشيد لمدة 23 سنة.

ملامح المشروع التغييري للامام الكاظم (ع):

يمكن اختصار اهم معالم المشروع التغييري للامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) بما يأتي

1- اصلاح الشخصية الاسلامية بما يتلائم مع توجهاتها التغييرية من خلال التثقيف والتربية الاسلامية ورسم خط التحرك العام في دائرة الاُمة والانفتاح عليها بهدف إصلاحها ضمن صيغ وأساليب تربوية من شأنها إعادة الاُمة إلى وعيها الإسلامي وقيمها الرسالية وممارسة دورها في تغيير الحكم.

2- التصدي للمعتقدات الضالة والبعيدة عن الاسلام، وذلك بطرح الفكر والمعتقدات الاسلامية الاصيلة ، والاهتمام بالفقه، والاصول الدينية، وتبديد الغلو، ومحاصرة المدارس المضللة والمنحرفة عن الاسلام، وبيان الاضافات والكذب الذي اوجده بني امية وبني العباس على النهج الاسلامي اثناء فترة حكمهم.

3- طرح معايير التقييم الصحيحة وتربية الامة للسير على هذه المعايير.

4- الاهتمام بالمحرومين والفقراء والضعفاء لكي لا يتم استغلال ضعفهم وفقرهم لاسناد الباطل.

5- دعم الثوار والعاملين على اسقاط الطغيان والظلم والتعسف في الحكم واستغلال الحكام اموال الدولة الاسلامية لاغراض اهوائهم وعبثهم وفسادهم.

6- الاهتمام بالنسيج الاجتماعي للامة ودوره في عزل المتطفلين والمنافقين واصحاب النوايا الشريرة والمستغلة للاخرين.

7- مواجهة الجماعة المخالفة باستخدام اسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، والتثقيف على اطروحته لاجل استنقاذها من الجهل العقائدي والانحراف الشرعي.

8- استخدام منهج التنظيم لاعداد الجماعة الصالحة للتغيير. اخترق تنظيم الامام الجهاز الحاكم بعناصر قيادية بوزن وزير، واستخدمت آليات متقنة ومحكمة في نشاطهم الاستخباري وتأمين الاتّصال السري من مراكز النظام الحاكم، ومن امثال ذلك الوزير علي بن يقطين لتحقيق ما ياتي(1):

ا- مراقبة اعمال السلطة وقراراتها واخذ الحذر من مكائدها، ووضع الخطط والتدابير اللازمة لئلاّ يتعرّض اتباع تنظيم الامام للملاحقة والاعتقال او الابادة.

ب- توعية السلطة او التوجه نحو التطبيق الاسلامي الصحيح.

ج- السيطرة او توجيه السياسة العامة للسلطة.

د- القيام باعمال محضورة من قبل الحاكم المستبد، ولكنها تصب في المنهج الاصلاحي الاسلامي وللصالح العام بدون علم جهاز الحكم بذلك.

هـ- اسناد المستضعفين والمحرومين والفقراء والمحتاجين.

و- دعم العلماء المخلصين والقوى الاجتماعية والسياسية المخلصة للامام وتضعيف دور جهاز الحاكم وبطانته من علماء السوء.

ز- الانفتاح على العالم الاسلامي من مركز السلطة ودعم الاعمال التغييرية المطلوبة واضعاف خط الحاكم المستبد وزبانيته.

8- الاستفادة من العوائد الاقتصادية لدعم بناء الامة. اذ كانت تجبى الاموال من بعض الجماعات الموالية للامام بالقسر من قبل السلطة، وحتى يكونوا في حالة فقر دائم همهم وشغلهم الشاغل تحصيل لقمة العيش ولكي لا يتمكنوا العمل ضد السلطة، وكانت الخطة بان يرجع الحق الى اهله وذلك بارجاع هذه الاموال اليهم عبر قنوات الامام التنظيمية.

9- بناء الكوادر الاسلامية القادرة على التغيير من خلال رعاية وتشجيع الخواص من اتباع مدرسة الامام وانتهاج خطة تبدأ من تعميق روح التدين في انفسهم وضمائرهم وتثقيفهم على افاق التحرك السياسي ضد الخصوم بشكل سليم . وفّر الامام لهم ارضية الصمود والمواصلة للعمل بالصبر والمثابرة والتضحية لتحقيق المبادىء والقيم الاسلامية(2).

لقد سعى الإمام على تربية الامة الاسلامية على أساس تقوية أواصر الاخوة والمحبة الايمانية فيما بينهم بحيث تصبح الجماعة الصالحة قوة اجتماعية متماسكة لا يمكن زعزعتها أو تضعيفها لقوة الترابط العقائدي والروحي فيما بينها.

اتبع الامام منهج الحرب الباردة في مقاطعة الحكم المستبد، وكان يهدف إلى إضعاف الروابط العمليّة بين الحاكم والامة، وبذلك يفقد السلطان مؤهّلاتِ إقامة دولته وتركيز بناء حُكمه، وتتهيّأ الأرضية لإنهاء تماسك أجهزة الحكم وشلِّ حركتها من الداخل. الامام لم يمارس دور المعارض المنهزم والمنكسر، بل تواجد تنظيمه في الوسط الحكومي لاجل التصدي للممارسات المنحرفة وتغييرها ما استطاع.

وصف الامام موسى بن جعفر بـ (كاظم الغيظ) يشير الى عمق صبر الامام على تحمل ظلم الحكام المستبدين واسفه على سير البعض على نهجهم او تأييدهم او السكوت على ظلمهم. صبر الامام كان ايجابيا اذ عمل على تحريك الامة على خط التصدي للظلم عبر وسائل عديدة، وما المسيرات المليونية نحو مرقد الامام الكاظم (ع) في الكاظمين في كل عام في ذكرى شهادته في 25 رجب الا دليل على ذلك، وهي عهد وولاء للمسيرة الاسلامية التي قادها رسول الانسانية محمد (ص) واهل بيته ومن سار على هذا الدرب من العلماء والرساليين على طول الطريق التي امتد 14 قرنا ، والعاقبة للمتقين .

—————————————–

(1) يراجع حديث اسماعيل بن سلام عن آليات هذا الارتباط وما يتضمّنه من نشاط في النصّ التالي في المصدر ادناه:

قال اسماعيل بن سلام وابن حميد : بعث الينا علي بن يقطين فقال: اشتريا راحلتين، وتجنّبا الطريق. ودفع الينا أموالا وكتباً حتى توصلا ما معكما من المال والكتب الى أبي الحسن موسى(عليه السلام) ولا يعلم بكما أحد، قال: فأتيناالكوفة واشترينا راحلتين وتزوّدنا زاداً، وخرجنا نتجنّب الطريق حتى إذا صرنا ببطن الرّمة شدّدنا راحلتنا، ووضعنا لها العلف، وقعدنا نأكل فبينما نحن كذلك، إذ راكب قد أقبل ومعه شاكري، فلما قرب منّا فاذا هو أبوالحسن موسى(عليه السلام) فقمنا اليه وسلمنا عليه ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا فأخرج من كمّه كتباً فناولنا ايّاها فقال: هذه جوابات كتبكم.

وقد طلب علي بن يقطين من الإمام الكاظم(عليه السلام) التخلي عن منصبه أكثر من مرة، وقد نهاه الإمام (عليه السلام) قائلا له :

“يا علي إنّ لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي”.

وقال له في مرة اُخرى : «لا تفعل فإن لنا بك اُنساً ولإخوانك بك عزّاً وعسى الله أن يجبر بك كسيراً أو يكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه. يا علي كفارة أعمالكم الاحسان الى اخوانكم .. اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلاّ قضيت حاجته واكرمته أضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً ولا ينالك حد السيف أبداً ولا يدخل الفقر بيتك أبداً…».

وعن علي بن طاهر الصوري: قال : ولّي علينا بعض كتاب يحيى بن خالد وكان عليَّ بقايا يطالبني بها وخفت من الزامي ايّاها خروجاً عن نعمتي، وقيل لي: انه ينتحل هذا المذهب، فخفت أن أمضي اليه فلا يكون كذلك، فأقع فيما لا أُحبّ. فاجتمع رأيي على أني هربت الى الله تعالى، وحججت ولقيت مولاي الصابر ـ يعني موسى بن جعفر(عليه السلام) ـ فشكوت حالي اليه فاصحبني مكتوباً نسخته :

“بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أنّ لله تحت عرشه ظلا لا يسكنه إلاّ من أسدى الى أخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك ، والسلام”

(2) ستة اسماء كنموذج لاصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) الذين شغلوا مواقع مهمّة في السلطة العبّاسية، وكانوا من العلماء والشخصيات المؤثرة:

1- علي بن يقطين: نشأ يقطين (والده) بالكوفة وكان يبيع الابزار وكان يقول بالإمامة، وقد اتّصل بأبي العباس السفاح والمنصور والمهدي، ولمّا انتقل يقطين الى دار الحق قام ولده علي مقامه فاتّصل اتصالا وثيقاً بالعبّاسيين، وتولّى المناصب المهمّة في الدولة وكان عوناً للمؤمنين، وقام بتزويج عدد منهم وكان يعيل قسماً كبيراً منهم.

فقد حدّث سليمان كاتبه فقال: أحصيت لعلي من يحجّ عنه في عام واحد مائة وخمسين رجلا أقلّ من أعطاه منهم سبعمائة درهم وأكثر من أعطاه عشرة آلاف درهم وزوّج ثلاثة أو أربعة من أولاد الإمام الكاظم(عليه السلام) وانفق أموالا ضخمة في وجوه البرّ والإحسان . وتقلّد أعلى منصب في أيام المهدي ومن بعده عيّنه هارون وزيراً له، وكان على اتّصال سرّي ودائم مع الإمام(عليه السلام).

2- حفص بن غياث الكوفي ، ولي القضاء ببغداد الشرقية من قبل هارون ثم تولّى قضاء الكوفة وتوفي سنة (194 هـ).

3ـ عبد الله بن سنان بن طريف، كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد.

4ـ الفضل بن سليمان الكاتب البغدادي، كان كاتبا للمنصور والمهدي.

5ـ محمد بن اسماعيل بن بزيع أحد رواة حديث الإمام موسى(عليه السلام) كان مولى للمنصور، وأحد وزراء الدولة العبّاسية.

6ـ الحسن بن راشد مولى بني العبّاس: كان وزيراً للمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد.

الكاتب: الدكتور وليد الحلي