الدولة في فكر.. السيد محمد باقر الصدر

 وجدت الدولة في وقت متأخر منذ البشرية، كما تدل الدراسات الكثيرة عن تطور الانسان في المجتمع.. وقد عاش البشر من دون دولة حقبة طويلة من الزمن، وفي تلك الحقبة كانت القوة التنظيمية لامثال هذه المجتمعات ادنى منها لدى مجتمع الدولة.. والدولة تتحدر من أصل لاتيني. وهي كلمة حديثة نسبياً لدى الاوربيين، استخدمت في عصر النهضة في القرن السابع عشر للدلالة على ذلك الاطار المنظم للسلطة السياسية.. (نظريات الدولة ص13).

وقد عرفها هيجل: بانها العالم الذي صنعته الروح لنفسها.. فاصبح هذا الاعلان اساساً لدول معاصرة عديدة.. وفي القرآن الكريم جاءت كلمة دولة في سورة الحشر في قوله تعالى (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم).. اي لئلا يتداوله الاغنياء بينهم.. ووردت هذه اللفظة في كلام للامام علي (ع) حول حقوق الراعي والرعية، عند قوله (ع): (فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه.. طمع في بقاء الدولة)، كما ورد في عهد الامام علي (ع) الى عامله في مصر مالك الاشتر، حينما قال: يامالك اني قد وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك.. وفي خطبة للامام الحسن (ع) في الكوفة أمام معاوية، في قوله: أيها الناس.. فأن الله قد هداكم باولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وان لهذا الامر مدة والدنيا دول..

والدولة في المفهوم الاسلامي ذات مهمة مزدوجة، فقسم من مهماتها ذات طابع ديني والقسم الآخر ذات طابع دنيوي.. والمهمات التي تقوم بها الدولة الاسلامية تتخلص في فكر السيد الصدر، في حراسة الدين الاسلامي والدعوة اليه..

ويؤكد ان المقصود بالمهمات الدينية ليست المهمات المنفصلة عن امور الدنيا، بل المقصود بتلك المهمات التي لها جذورها في الفكر الديني الاسلامي، ولها طابع نظري، وتشمل المهمات القانونية، والمهمات لسياسية الراجحة الى الدولة. (الاسلام يقود الحياة، ص41).

ويعتبر السيد الصدر أن تأسيس الدولة الاسلامية من حيث هي دولة الامة.. يدخل في صلب العقيدة الاسلامية.. الا أنها كثابت من ثوابت الاسلام ليست مطروحة ولا واردة في الفكر الذي تاه في متاهات الفكر الغربي.. وعلى صعيد علاقة القيم والمفاهيم الاسلامية بالواقع، يؤكد السيد الصدر على أن الدولة الاسلامية هي وحدها المؤهلة لتنظيم الشعوب والمجتمعات الاسلامية لانها هي الدولة الوحيدة التي يتوافق محتواها القيمي والمفهومي مع ظهير الامة وذهنية انسان العالم الاسلامي. (فلسفة السيد الصدر، ص73-75).

وعن التجارب التي اعتمدتها الدولة القومية في العالم الاسلامي والتي أدت الى أستلاب الشعوب الاسلامية وازدياد تخلفها.. كما يقول السيد الصدر: أن هذه الدولة كانت متناقضة مع العقيدة والسلوك والبناء النفسي للانسان المسلم مما حال دون تحقيق النهضة وانجاح مشاريع التنمية.. فالدولة والقول للسيد الصدر هي المشروع الحضاري الملازم لمفهوم الامة الذي له علاقة بمفهومين آخرين: خلافة الانسان وشهادة الانبياء.

(خلافة الانسان وشهادة الانبياء، ص39) ومن هنا فالدولة بالنسبة للسيد الصدر رسالة ذات جانبين مترابطين ومتداخلين: العقائدي والسياسي.. ولها اهداف وغايات عقائدية وحضارية، تحرير المستضعفين.. وتحقق مستمر للقيم الملازمة لخلافة الانسان.. ومن خاصية الدولة التي نظر اليها السيد الصدر رفض المذهب الفردي.. والمذاهب التي تحكم بأسم فئة من المجتمع او من الاختصاصات المحددة.. وان يكون هناك توازن بين الفرد والمجتمع..وان لا تكون متعلقة بشخص هو الرد الذي طالب به هيجل.. بل خاصية تعبر عن الافراد وما تضم من جماهير تتطلب الحماية والرعاية. (انظر لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية، ص17) الدولة في نظر السيد الصدر ليس جهازا حاكما، بل هي ظاهرة روحية في الاساس، وحضارية في النتيجة، لتساعد الانسان على تحقيق خلافته.. ووضع الله تعالى كهدف للمسيرة الانسانية.. فهي وحدها قادرة على تفعيل الهدف بفضل مرجعيتنا الربانية من جهة.. وارتباطها بتطلعات الشعوب الاسلامية وقيمها من جهة أخرى. (الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، ص48-49).

وقد كشف السيد الصدر في تحليله لمنابع القوة في الدولة الاسلامية عن لا تاريخية الفكر العلماني، الذي تسير بمقتضاه الدولة القومية.. مستقلة عن ماضي الامة وذهنية انسان العالم الاسلامي.. الا أن الدولة التي يريدها السيد الصدر.. تدمج الماضي بالحاضر.

فالماضي سيشكل الحاضر ضمن العلاقة بين الثوابت والمتغيرات في الرؤية السياسية الاسلامية.. وان الانظمة السياسية الاخرى تلغي الانسان لانها تحدث تناقضا بينه وبين الطرح السياسي وتفرض قيما واهدافاً متناقضة مع تاريخه وذهنيته وعقيدته. ومن المدلولات السياسية للدولة الاسلامية الوضع الواقعي الذي يعيشه الحاكم والحاكمون في الدولة الاسلامية، فانهم يعيشون بصفتهم مواطنين اعتياديين في حياتهم الخاصة وسلوكهم مع الناس ومساكنهم التي يسكنوها وعلاقاتهم مع الاخرين. (منابع القدرة في الدولة الاسلامية، ص18.

والسيد الصدر لا يميز قوة الدولة الاسلامية بمصدرها الالهي فحسب، بل بارتباطها بالواقع فمنابع القوة في الدولة الاسلامية هي نتيجة للشرع والواقع معا.. وان مقولة دين ودولة هي في نظر السيد الصدر تلاحم بين العبادات والسياسة.. وتؤكد تبعا لذلك عبر التشابك والتفاعل والتاثير المتبادل بين الفكر والمادة.. بين الجانب الروحي والمادي في حياة المجتمعات.. وبما ان العلاقة بين الدولة والاخلاق هي علاقة جدلية.. وان الاخلاق تجعل من الدولة دولة تطلع وتحرر لا دولة.. ضغط واسياد.. فالنتيجة التي يخرج بها السيد الصدر بأن الدولة عندما ترتبط بالاخلاق تلتقي بالتقدم والحضارة.. وتفجر الطاقات في الانسان وترتفع به الى مركزه الطبيعي في الحضارة الانسانية.. وانقاذه مما يعانيه من الوان التشتت والتبعية والضياع..

(الاسلام يقود الحياة، ص157) فالدولة أداة للتفعيل الحضاري في نظر السيد الصدر وليس الطرح الذي يتارجح بين التأليه والشر مثلما نجدها عند هيجل وفوكوباما وهي نتيجة نحو الكونية.. ومؤسسة لتطبيق شرع الله تعالى.. وهي وسيلة وليس غاية في ذاتها. أن الدولة الاسلامية مشروع حضاري طموح، مبني على أسس فكرية قوية، ومبان نظرية متكاملة.. الا أن هذا المشروع بقي في اطار النظرية قرونا طويلة، ولم تسمح له الظروف السياسية ان يخوض تجربة التطبيق ليبرهن عمليا صحة مقولاته. وقد كتب السيد الصدر دستورها الاسلامي وفقراته التي تزاوج بين الدولة الاسلامية والمواصفات التي انطلقت منها الدولة الحديثة.. وتاكيدها على الحريات العامة. وبصورة عامة فان الدولة كمؤسسة هي ظاهرة أجتماعية حية وهي في حركة دائمة وتغيير مستمر .

الكاتب: حسين علاوي