الربيع العربي والخطط الإسرائيلية

من الواضح أن ثورات الربيع العربي قد فاجأت إلى حد كبير المؤسسة الإسرائيلية، وجعلت جهاز الموساد يتخبط ويتخذ مواقف متباينة بين فترة وأخرى إزاء تحولات المشهد العربي وتداعياته على الساحة الإسرائيلية، فالربيع العربي خلط كثيراً من الأمور في المنطقة، ويبدو أن الأوراق المرشحة للخلط ستكون أكثر في المستقبل، وذلك بسبب تأثيراته التي يبدو أنها ستكون جوهرية وقد تغير مجرى التاريخ، وتدخل المنطقة في حقبة تاريخية جديدة مختلفة عما كانت عليه في السابق، وهذا يدعو إسرائيل إلى الاستعداد التام لما هو قادم .

لقد إتخذت علاقة إسرائيل بالعالم العربي أشكالاً مختلفة ومتنوعة تتراوح بين الموقف المعلن وبين السياسات التنفيذية التي تحاول الاستفادة على الأرض من التغييرات في المنطقة بما يخدم مصالحها في المنطقة، وهذا أصبح واضح من خلال تراجع التهديدات التي كانت تمثلها ثورات الربيع العربي، وغرق دول الجوار في أزماتها الداخلية، بما قلص إلى حد بعيد التهديدات العسكرية التي يمكن أن تواجهها إسرائيل، ونجاح جيشها في الاستفادة من دروس حرب تموز مع مقاتلي حزب الله، والحربين الأخيرتين على قطاع غزة، وتعزيز القدرات الدفاعية الإسرائيلية في مواجهة تهديد الصواريخ، بالإضافة إلى أن قدرات حركة حماس قد تراجعت إلى حد لا يمكن حدوث حرب إسرائيلية معها خلال الفترة القادمة، نظراً لتوقف شريان تسليحها بعد الإطاحة بحكم الإخوان ورئيسهم محمد مرسي والذي أصبح عناصرها وقياداتها مشتتون ومعزولون ومطاردون في مصر وقد ساعد في ذلك تدمير الجيش المصري لمئات الأنفاق الواصلة من سيناء إلى قطاع غزة، التي تعتبرها إسرائيل شرياناً أساسياً لتسليح حركة حماس، فضلاً عن إنشغال الجيش السوري في مواجهة الجماعات المسلحة الأمر الذي أثر على قدراته القتالية واستعداداته لذلك، فما يحدث لسوريا الآن هو في مصلحة إسرائيل, بعد التخلص أيضاً من حزب الله المتورط حالياً في سوريا, ولا ننسى إزدهار العلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول العربية خاصة الخليجية منها ذات الرؤى المشتركة والمتجانسة خصوصاً فيما يتعلق بالملف الإيراني والصراع العربي الإسرائيلي، هذا مما يعني أن مواطني إسرائيل يمكنهم النوم آمنين.

وفي إطار ذلك يمكن القول إن إسرائيل تمتعت بإستقرار شبه تام عند حدودها،على الرغم من الإنتفاضات في العالم العربي، إذ بقيت معاهدات السلام مع مصر والأردن سارية المفعول، وإزداد دعم إدارة أوباما للتفوق النوعي العسكري الإسرائيلي، وساهم تجدد المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية في تخفيف الضغوط الدولية على إسرائيل، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالإقتصاد الإيراني وأدت إلى ضعف موقف طهران في مباحثاتها مع المجموعة الدولية (۵+۱)، وبالتالي في ظل هذه المكاسب تستطيع إسرائيل أن تتوسع في بناء مستوطناتها في الأراضي المحتلة كيفما تشاء. من الممكن هنا الإشارة إلى إن الموقف الإسرائيلي من الربيع العربي مر بعدة مراحل منها، مرحلة الصدمة، وهي المرحلة التي فاجأ بها الربيع العربي إسرائيل وكان هنالك تخوف وقلق إسرائيلي كبير من التغيرات في مصر تحديداً، ومرحلة الخروج من الصدمة، وهي المرحلة التي أعقبت اندلاع الأزمة السورية والتي بدأت إسرائيل من خلالها النظر من جديد إلى موقعها الإستراتيجي ومحاولة فهم ما يجري من حولها في المنطقة، وأخيراً مرحلة التكيف، وهي المرحلة الراهنة التي تحاول إسرائيل فيها الإستفادة من إنشغال العالم العربي بشؤونه الداخلية لتحقيق مصالحها وأهدافها، وتبعاً لتحولات المشهد العربي وإرتداده على الساحة الداخلية الإسرائيلية، من المتوقع أن يجري الجيش الإسرائيلي، عدة تغيرات في سياسات القوى البشرية لديه، مع تقليص الميزانية الخاصة بالدفاع والأمن من إجمالي الميزانية العامة، وأوضحت تقارير إسرائيلية أن ثمة تغيرات مستقبلية في صفوف الجيش الإسرائيلي، ومن بينها زيادة الإستعداد للطوارئ، والحفاظ على جاهزية الوحدات، وتوسيع تجنيد المتدينين، وتعزيز القوى العاملة في مجال الحرب الإلكترونية وسلاح الغواصات ووحدات الإعتراض في منظومات القبة الحديدية والعصا السحرية، مقابل تقليص وإغلاق وحدات أخرى، كما وتسعى إسرائيل لامتلاك جيش إلكتروني قوي كذراع مساعد للقوة الإسرائيلية التي تتمثل في الجيش الإسرائيلي وعتاده الآخذ بالتطور والتقدم بشكل دائم بسبب الدعم الغربي اللامحود له.

وأخيراً ربما أستطيع القول إن ما جرى في المنطقة وما يزال هو مصلحة أمريكية إسرائيلية بالدرجة الأولى وإعادة ترتيب جديد للمنطقة بمشاريع تدويل أزمات داخلية عربية لإن سياسة الصهيو أمريكية لا يمكنها العيش في منطقة قوية بل تريد تمزيقها وتفتيتها من خلال الركوب على ثورات الشعوب العربية لإسقاط أنظمتها، وإظهار محاولات تعاطف كاذبة مع متطلبات الشعوب العربية للإصلاح وتحقيق الديمقراطية، فالظاهرة الاستعمارية هي المسؤول الأول والأخير عن معاناة الشعوب العربية التي اتبعت سياسات تعسفية لاستغلال خيراتها وثرواتها وما زالت هذه المخططات والمشاريع سارية المفعول، حيث يحاول الشريكان الأمريكي والصهيوني تنفيذها عبر خلق الأزمات والفوضى والفتن والإقتتال بين أبناء الشعب الواحد في العديد من أقطار القطر الواحد.

الكاتب: خيام محمد الزعبي