المذهب الشیعي » أصول الدین » العدل »

الرزق(1)

المبحث الأوّل: معنى الرزق

معنى الرزق ( باعتباره عنواناً للشيء الذي ينتفع به المرزوق) :

إنّ الرزق عبارة عن “الشيء” الذي يصح(1) انتفاع الكائن الحي به، ولا يكون لأحد(2) أن يمنعه من هذا الانتفاع(3) .

معنى الرزق ( باعتباره مصدراً لفعل رزق يرزق ) :

إنّ الرزق عبارة عن “تمكين” الكائن الحي من الانتفاع بالشيء الذي يصح الانتفاع به، مع عدم التجويز لأحد أن يمنعه من هذا الانتفاع(4).

مثال :

إنّ معنى قولنا: رزقنا اللّه مالا، أي: وفّر اللّه تعالى لنا هذا المال ، ومكّننا من الانتفاع به ، ولم يجوّز لأحد أن يغصبه منّا .

____________

1- إنّ المقصود من “يصح” بالنسبة للعباد هي الصحة الشرعية، ولهذا لا يسمى الانتفاع بالحرام رزقاً، وسيأتي بيان ذلك لاحقاً .

2- إنّ المقصود من “لا يكون لأحد” ، أي: “لا يجوز شرعاً لأحد من العباد” لأن الإنسان قد يخالف الأوامر الإلهية ، فيعتدي على حقوق الآخرين ، ويأكل رزق غيره . وسنذكر المصادر المشيرة إلى هذا المعنى لاحقاً .

3- انظر: الذخيرة ، الشريف المرتضى: 267، شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: 245، الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: 173، تجريد الاعتقاد ، نصير الدين الطوسي: 208، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: 1/361، المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: 113، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: 260 ، اللوامع الإلهية ، مقداد السيوري: 230، إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: 286 .

4- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: 1/361، بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج70، كتاب الإيمان والكفر، باب: 52 ، ذيل ح7، ص145 .

الصفحة 380

تنبيهان :

1- لا يجوز للإنسان الانتفاع بشيء ـ وفق الموازين الشرعية ـ إلاّ في إحدى الحالتين التاليتين :

أوّلاً: أن يكون مالكاً لذلك الشيء، فيجوز له التصرّف بملكه والانتفاع منه.

ثانياً: أن تكون جهة أُخرى مالكة لذلك الشيء، ويكون الفرد مأذوناً في التصرّف ومتاحاً له الانتفاع بذلك الشيء من قبل المالك .

2 ـ إنّ الكائنات الحيّة قادرة على أكل رزق غيرها(1).

ولا يعني ذلك التغلّب على إرادة اللّه تعالى.

لأنّ معنى “رزق اللّه فلاناً”: أ نّه تعالى هيّأ له فرصة الحصول على الرزق ، وأرشده إلى مصدر الرزق، ومكّنه من الانتفاع به .

ولا يعني “رزق اللّه فلاناً”: أ نّه تعالى أجبره على أخذ الرزق ، وأجبر الآخرين على عدم منعه من الانتفاع بما رزقه تعالى .

ولهذا لا يكون أكل رزق الغير تغلّباً على إرادة اللّه تعالى ، وإنّما يكون ذلك بالنسبة للإنسان معصية فيما لو نهاه اللّه تعالى عن ذلك(2) .

____________

1- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: 270، شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: 247، الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: 175، غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي: 2/127، إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: 287 .

2- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: 270، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: 2/127 .

الصفحة 381

المبحث الثاني: إطلاق وصف “الرازق” على اللّه تعالى وغيره

يطلق وصف “الرازق” على كلّ من(1) :

1 ـ يفعل الرزق .

2 ـ يصبح سبباً لوقوع الرزق .

3 ـ يقوم بتمهيد السبيل وتوفير الأجواء لتحقّق الرزق .

ويطلق هذا الوصف على :

أوّلاً: اللّه سبحانه وتعالى .

ثانياً: غير اللّه عزّ وجلّ .

إطلاق وصف الرازق على اللّه تعالى :

إنّ اللّه تعالى هو الذي يرزق الإنسان والحيوان، بل جميع الكائنات الحيّة بمختلف الأرزاق .

ويطلق وصف الرازقية على اللّه تعالى وإن لم يكن هو السبب المباشر لتحقّق الرزق .

دليل ذلك(2) :

إنّ اللّه تعالى هو الذي :

____________

1- انظر: تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: 140 .

2- انظر: الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: 175 ـ 176، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: 1/364، كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: 463 .

الصفحة 382

1 ـ أوجد ما يصح أن تنتفع به هذه الموجودات .

2 ـ مكّن هذه الموجودات من الانتفاع .

3 ـ جعل الرغبة في هذه الموجودات لتنتفع به .

4 ـ أباح لهذه الموجودات الانتفاع مما يصح لها الانتفاع به .

إطلاق وصف الرازق على غير اللّه تعالى :

يصح أن إطلاق وصف “الرازق” على غير اللّه تعالى ، من قبيل إطلاقه على الإنسان(1).

دليل ذلك :

إنّ اللّه عزّ وجلّ منح الإنسان القدرة على أن يفعل الرزق أو يكون سبباً لتحقّقه ،وقد وصف اللّه تعالى الإنسان في محكم كتابه بهذا الوصف قائلا :

1- { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً }[النساء: 5 ]

2-{ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً }[النساء: 8 ]

فعبارة : {ارزقوهم } في هاتين الآيتين تدل على صحّة وصف الإنسان بأ نّه يرزق .

3 ـ { وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ }[الحجّ: 58 ]

4 ـ {وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ }[ المؤمنون: 72 ]

فعبارة : {الرّازِقِينَ } تدل على صحة تسمية غير اللّه باسم الرازق ، فاللّه تعالى رازق وغيره أيضاً رازق ، ولكن اللّه تعالى خير الرازقين .

____________

1- الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: 175، تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: 140 .

الصفحة 383

اللّه تعالى هو الرازق على الإطلاق :

إذا وهب شخص لغيره مالا أو طعاماً، وأصبح رازقاً له ، فإنّ هذا الرزق ينسب أيضاً إلى اللّه تعالى ، لأ نّه تعالى ـ كما بيّنا ـ هو الموجد لهذا المال أو الطعام، وهو الممكّن من الانتفاع به، وهو الذي أعطى للواهب القدرة على إيصال النفع إلى ذلك الغير(1).

ومن هذا المنطلق ينسب الرزق بصورة مطلقة إلى اللّه تعالى ، ولهذا قال تعالى :

1 ـ { إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ}[الذاريات: 58 ]

2 ـ { هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ }[فاطر: 3 ]

3 ـ { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ }[ سبأ: ]

4 ـ { وَما مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها }[ هود: 6 ]

وورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول قول اللّه تبارك وتعالى: { وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ }[ يوسف: 106 ]

قال(عليه السلام): “هو قول الرجل :

لولا فلان لهلكت

ولولا فلان لما أصبت كذا وكذا

ولولا فلان لضاع عيالي .

ألا ترى أ نّه قد جعل للّه شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه”

فقال الراوي: فنقول: لو لا أنّ اللّه منّ عليّ بفلان لهلكت ؟

فقال(عليه السلام): “نعم، لا بأس بهذا ونحوه”(2).

____________

1-انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: 271، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: 1/364 .

2- بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي: ج5، كتاب العدل والمعاد، باب: 5: الأرزاق والأسعار ، ح12، ص148 .

الصفحة 384

شروط صحة وصف الإنسان بالرازق :

يشترط في وصف الإنسان رازقاً أن يكون مختاراً في إيصاله النفع إلى غيره ، وأن لا يأخذ العوض إزاء ما يعطي .

ولهذا(1) :

1-  لا يقال للمورّث: إنّه رازق، لأنّ الإرث يتمّ انتقاله منه إلى الوارث من دون اختياره، ويكون ذلك بأمر اللّه تعالى ، فلا ينسب هذا الرزق إلاّ إلى اللّه تعالى .

2- لا يقال للكافر: إنّه رازق فيما لو غنم المسلم منه غنيمة خلال الحرب ، لأنّ هذه الغنيمة خرجت من يد الكافر من دون اختياره ، وإنّما كانت بأمر اللّه تعالى ، ولهذا لا ينسب هذا الرزق إلاّ إلى اللّه تعالى .

3 ـ لا يقال للبائع: إنّه رازق، لأ نّه يأخذ أجرته من المشتري إزاء ما يبيع .

____________

1- انظر: الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: 176 .

الصفحة 385

المبحث الثالث: الرزق والملك

إنّ الرزق بالنسبة للإنسان شيء عام لا يقتصر على الممتلكات فقط، بل يشمل الحياة والعلم والزوجة والولد والجاه و …(1).

مثال :

يقال: رزق اللّه فلاناً علماً وزوجة وولداً وجاهاً و …

النسبة بين الرزق والملك :

إنّ النسبة بين الرزق والملك هي نسبة العموم والخصوص من وجه .

معنى ذلك :

1 ـ بعض الرزق ملك.

2 ـ بعض الملك رزق.

3 ـ بعض الرزق ليس بملك.

4 ـ بعض الملك ليس برزق.

توضيح ذلك :

1 ـ بعض الرزق ملك .

2 ـ بعض الملك رزق .

مثالهما:

يقال: هذا الشخص مالك لهذا الشيء.

ويقال أيضاً: هذا الشخص رزقه اللّه تعالى هذا الشيء.

فهذا الشيء ملك ورزق لهذا الشخص في نفس الوقت.

3 ـ بعض الرزق ليس بملك.

____________

1- انظر: إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: 287 .

الصفحة 386

مثال :

المثال الأوّل: إنّ بعض الأشياء من قبيل العقل والعلم والصحة والزوجة والولد والجاه هي رزق للإنسان، ولكنها ليست ملكاً له(1).

فيقال: رزق اللّه هذا الشخص عقلاً وعلماً وصحّة وزوجة وولداً وجاهاً ولا يقال: إنّ العقل والعلم والصحة والزوجة والولد والجاه ملك.

المثال الثاني: إنّ النبات رزق للبهائم، ولكنه ليس ملكاً لها، لأنّ شرط التسمية بالملك أن يكون المالك عاقلاً أو من هو في حكم العقلاء كالطفل، ولهذا لا يصح نسبة الملكية إلى الحيوانات(2).

فيقال: إنّ البهيمة مرزوقة.

ولايقال: إنّ البهيمة مالكة.

4 ـ بعض الملك ليس برزق.

مثال:

إنّ الأشياء كلّها ملك للّه تعالى، وليست رزقاً له تعالى، لأنّ الرزق ما يصح الانتفاع به، واللّه تعالى غني، وهو منزّه عن الانتفاع(3).

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: 246، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: 287.

2- انظر: غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: 126، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: 463، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: 287.

3- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: 246، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: 173، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: 2/126.

المبحث الرابع: لا يصح تسمية الحرام برزق

أدلة عدم صحة تسمية الحرام برزق :

1- إنّ اللّه تعالى أمرنا بالإنفاق مما رزقنا، فقال تعالى: { وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ }[ المنافقون: 100 ]، ولا خلاف بأنّ اللّه تعالى نهانا عن الإنفاق من الحرام . فهذا يثبت عدم صحّة تسمية الحرام برزق(1).

2- إنّ اللّه تعالى مدح المؤمنين على إنفاقهم مما يرزقهم، فقال تعالى: {وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ }[ البقرة: 33 ]، ولاخلاف بأنّ المنفق من الحرام لا يستحق المدح، بل يستحق الذم ـ وقد بيّنت الشريعة الإسلامية ذلك ـ وهذا ما يثبت عدم صحّة تسمية الحرام برزق(2).

3- إنّ اللّه تعالى أباح الانتفاع بالرزق، فقال تعالى: { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّهِ }[البقرة: 600 ]، فلو كان الحرام رزقاً، لدلّت هذه الآية على جواز الانتفاع بالأموال المحرّمة لكونها من الرزق، والواقع ليس كذلك.

وهذا ما يدل على عدم صحّة وصف الحرام بأنّه من رزق اللّه تعالى(3).

____________

1- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: 270، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: 175، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: 2/127، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي 1/363، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: 261، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: 462، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: 287 .

2- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: 139، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: 175، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: 287 .

3- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: 139، الاقتصاد، الشيخ الطوسي، 175.

الصفحة 388

رأي الأشاعرة حول تسمية الحرام برزق :

ذهب الأشاعرة إلى جواز تسمية الحرام برزق.

دليل ذلك :

إذا كان الرزق هو الحلال فقط، فسيكون لازمه:

إنّ الشخص الذي لم يأكل طول عمره إلاّ الحرام لم يرزقه اللّه تعالى أبداً.

وهذا باطل لقوله تعالى: {وَما مِنْ دَابَّة فِي الاَْرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها }[هود: 6 ](1).

يرد عليه :

إنّ معنى “رزق اللّه فلاناً”:

إنّ اللّه تعالى مكّن هذا الشخص من الانتفاع بما يصح الانتفاع به.

والذي لم يأكل طول عمره إلاّ الحرام، فإنّ اللّه تعالى قد رزقه، أي: مكّنه من الحلال، إلاّ أنّ هذا الشخص أعرض عما هيّأ اللّه تعالى له من حلال، ولم يأكل إلاّ الحرام(2).

____________

1- انظر: شرح المقاصد، سعدالدين التفتازاني: 4/319.

2- انظر: المصدر السابق، والمنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: 1/363.

المصدر: العدل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون