الرسول-الأعظم-مفجر-نور-الإيمان

الرسول الأعظم(ص) مفجر نور الإيمان

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَحَيَاةً وَلاَ نُشُوراً * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلآَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جآءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ) (الفرقان/۱-۶)

ترى هل البشرية ماتزال بحاجة إلى الأنبياء ورسالات السماء؟ وأساساً؛ لماذا أنزل الله سبحانه وتعالى رسالاته في حين كان قد أودع في الإنسان العقل والوجدان والفطرة والإرادة؟ ثمّ ألم يكفِ أن يرسل الباري سبحانه هذه السلسلة النورانية من الأنبياء والرسل حتى يقضى بأن يختمهم بسيدهم ومولاهم؛ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

إنّ هذه تساؤلات، ولابدّ من مناقشتها بكلّ شجاعة، ذلك لأنّنا نملك الحجّة والبرهان، والمنطق الصحيح والشفّاف، باعتبارنا معتنقي المبدأ الإلهي الحقّ الذي لا يعرف للتهرّب معنىً أو مفهوم…

وقبل الإجابة عن هذا السؤال أو ذاك، لابدّ من بحث التأريخ البشري قبل نزول الرسالات الإلهية بدءً، وبحث واقع البشرية قبل بعثة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ دراسة واقعها الراهن، وذلك من أجل تصوّر واضح وكامل عن حقيقة الحاجة إلى إرسال وبعثة الأنبياء..

فالذين قالوا بأنّ أصل الإنسان يعود إلى القرد، إنّما اعتمدوا بعض الأدلّة الخاطئة التي تنطلق من شواهد تاريخية محدودة، كعيش الإنسان القديم فوق الأشجار، أو داخل الكهوف، مستفيداً من وسائل الحياة البدائية جداً. ولكنهم في الوقت ذاته نسوا أو تناسوا الكشف عن سرّ تطور البشرية، وتشييدها للحضارات؛ حتى في العهد القديم..

.. لابدّ أن يكون لذلك سبباً، والسبب هم أنبياء الله، حيث جاؤوا للبشرية بخير الدنيا وبشّروها بخير الآخرة. فقد كانت مهمة الأنبياء الأولى إلغاء الخرافات والأساطير، من عقول الناس وتقديم ماهو حقّ وحقيقة لهم.

فبدلاً من تقديم الأولاد قرابين للآلهة المزيفة، جاء النبي إبراهيم (عليه السلام) بفريضة الحج، التي تتضمن التضحية لله والتصدق بها على الفقراء – وذلك في قصة المنام التي رأى أنّه يذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) – وبدلاً من الخضوع للشيطان علّم إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) الناس الخضوع لله الواحد المطلق، وذلك من خلال القصة نفسها، إذ كان الشيطان يسعى إلى الإيقاع بإبراهيم(عليه السلام) ومنعه من تنفيذ ما أمره الله تعالى، وكذلك كان سعيه بالنسبة لإسماعيل(عليه السلام)، إذ جهد في تخويفه وإرعابه لئلا يطيع ربه وأباه، ولكنّ هذين النبيين سنَّا للناس منهج مكافحة الشيطان، فكانت فريضة رمي الشيطان بالحصى من جملة أعمال الحج كصورة رمزية لذلك..

وقبل ذلك؛ أصبح النبي إدريس (عليه السلام)، وهو من أوائل الأنبياء أوّل من خطّ وخاط وعلّم الناس ارتداء الملابس.. وبعده جاء النبي نوح (عليه السلام) ليعلّم قومه أُصول الاستفادة من الخشب، وتلاه النبي داود ليعلّم الناس صهر الحديد ويكشف لهم خصائص النباتات، وبعد جاء النبي دانيال ليعرّف البشرية علم الفلك والنجوم…

لقد كانت البشرية غارقة في الظلمات، بينما جاءت الرسالات الإلهية لتنقذها من تلكم الظلمات، ثمّ لتدخلها في عالم النور والمعرفة والحياة.

وفي الوقت الذي كان الناس يتحاربون بالحجر وبالمنجنيق، وبالسهام وبالسيوف، وبالرماح، وبالحرق، وبالسمّ وبالحيوانات المفترسة وغير ذلك ممّا لا يعدّ ويحصى، جاء الأنبياء ومنحوا الناس السلام والوئام والمحبة والراحة النفسية. وقد يسأل سائل عن سبب قول النبي عيسى (عليه السلام): ((إذا ضربك أحد على خدّك الأيمن فقدّم له خدّك الأيسر)).. وأقول: لقد أراد هذا النبي العظيم أن يخلق توازناً أخلاقياً طيباً في ذلك المجتمع المشحون بالعصبيات والأحقاد والنـزاعات، وقد تمكّن من التأثير فيهم، وبمقدار ما تخلق أفراد ذلك المجتمع بما أراد استطاعوا المعيشة مع بعض..

لقد منع الأنبياء على الناس ممارسة الظلم، وأمروهم بعدم التطفيف بالمكيال وعدم الاعتداء على الغير… وهذه التعاليم وغيرها علّمت البشرية وأنزلتهم من على الأشجار، وأخرجتهم من الكهوف إلى الأراضي المنبسطة، ليزرعوا ويصنعوا ويصطادوا، ومن ثمّ نمت البشرية، ولم تكن الحاجة إلى الدين إلاّ لهذا السبب..

أمّا حاجة البشر إلى الإسلام، فإنني أتحدى كل من كتب في التأريخ أن يوعزوا تطور المدنية البشرية الحالية إلى غير الإسلام، أو ينكروا على الإسلام دوره الأكبر في صياغة النهضة العلمية الراهنة.. فالحضارة البشرية إنّما قفزت وتقدمت بعد بعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

خلال الفترة الفاصلة بين عروج النبي عيسى (عليه السلام) وبين بعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فترة كانت مشحونة بالصراعات والحروب بين حضارتي الفرس والروم. كما كان الوضع يعجّ بظاهرة الديكتاتورية والظلم. ولم يكن الإنسان خلال ذلك يعرف للعدل والكرامة معنىً، فالقانون الرومي – مثلاً – كان لا يرى أيةّ مكانة للمرأة التي كانت تباع وتشترى وتورث كما يورث المال والأثاث. أمّا الوضع في الجزيرة العربية؛ فقد كان معلوماً، إذ كان دثار العرب سيفهم والخوف شعارهم، والغدر أول أخلاقهم، والغارة الليلية شجاعتهم، وكانوا يقولون: نعم الصهر القبر، حيث كانوا يكرهون لبناتهم وبعض بنيهم البقاء، والحياة كانت تعجّ بالقذارة والأمراض والأمّية..

.. فجاء النبي الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، ومع ولادة النبي رأى الناس في مكّة المكرمة النور يشعّ من بيت أمّ النبي، كما سقطت في المدائن شرفات قصر كسرى، وفي ساوه غاضت بحيرتها، ولا تزال آثارها باقية حتى الآن حيث تسمّى بحيرة الملح، وانطفأت نار المجوس، وصار ما صار في العالم لولادة النبي، وهو خاتم الأنبياء، وهذا كان يعني الإيذان لحركة جديدة في العالم.

فإذا كانت الحضارة تعني البناء دون الهدم، وتعني العلم دون الجهل، وتعني القيم دون الفوضى والانفلات، فلنا أن نقول بأنّ هذا الرسول الأكرم قد كوّن مدرسة الحضارة العالمية.

لقد قال أول ما قال: ((إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق)) وعمل أول ما عمل على تغيير المجتمع – إنّ صح التعبير- من كيان متقاتل يدين بالغدر والأنانية والجهل، إلى كيان يهدف إلى السلام وحب الآخرين والإيثار وتحصيل المعرفة. حتى ليروى أنّ النبي قد أخبر بعيد معركة أحد بوجود عشرة جرحى من المسلمين، فأمر النبي أحدهم أن يسقيهم قليلاً من الماء، فجاء لأولهم ليسقيه وقد كان أقرب ما يكون إلى حالة الاحتضار، فقال للساقي إنّ أحد الجرحى أحوّج مني إلى الماء، فلمّا ذهب إلى الجريح الثاني أشار إلى جريح ثالث، وهكذا كان كل جريح يأمر حامل الماء بأنّ يسقي الذي يليه، ولمّا وصل إلى آخرهم وجده قد استشهد، ولكنّ حامل الماء رأى العجب العجاب حينما عاد لمن قبله فرآه قد استشهد هو الآخر، وهكذا كان كلّما يستأخر ويمرّ على السابق يراه قد فاضت روحه، فعاد وأخبر النبي الكريم، فنـزل فيهم قول الله تبارك وتعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر/۹) فهذا الإنسان الذي كان حتى وقت قريب يغدر حتى بأخيه، يؤثر اليوم على نفسه رغم كونه يعاني الجراحات وسكرات الموت، هذا من الناحية الأخلاقية..

أمّا من الناحية الفكرية؛ حيث كانت الأذهان تملؤها الأساطير وقصص الجن والسحر والمنامات؛ فقد جهد (صلى الله عليه وآله) في تبديلها كلها، كما جعل وجهتهم إلى العقل والفكر والعلم والحقيقة، ومثال ذلك أنه حينما توفي ولده إبراهيم صادف أن كسفت الشمس، فظن الناس أنها كسفت لموت ابن النبي، ولكنّه رغم حزنه الشديد، حينما سمع بمقولة الناس أمرهم بالحضور في المسجد ليقول لهم: ((إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله سبحانه، لا ينكسفان لموت أحد أو حياة أحد، فإذا انكسفت الشمس فافزعوا إلى مساجدكم)) وقد شرّعت صلاة الآيات في هذه الحادثة..

أمّا من الناحية السياسية أو الاجتماعية فقد علّم النبي الناس التعاون والتشاور، والتفاهم كبديل للانعزال والأنانية والعناد، وكان (صلى الله عليه وآله) على عظمته وعصمته وتلقيه الوحي المباشر من ربّه، يترك رأيه ويأخذ برأي أصحابه رغم علمه المسبق بخطأ هذا الرأي أو ذاك، لكي يعلّم الناس المشورة، فتشاور الناس وتعاونوا وبنوا وتحدوا، فكانت الحضارة قد بدأت من هنا، وقفزت البشرية قفزات كبيرة بناءً على ما شيّدته رسالة الإسلام.

ومهما جاءت حكومات فاسدة وحكمت البلاد الإسلامية وعرقلت المسيرة البنّاءة الصالحة إلاّ أنّها لم ولن تستطيع إطفاء نور الله سبحانه، فالنور قد استمرّ ويستمر. واليوم إذا ا طالعنا أبحاث ودراسات المختصين بالحضارة الغربية سنجدهم كلهم يؤكدون بأنّ جذور الحضارة الغربية عند المسلمين، وماذا يملك المسلمون غير الرسول (صلى الله عليه وآله)؟!

أمّا عن اليوم وواقع البشرية في المرحلة الراهنة ومدى الحاجة للرسول الكريم؛ فأقول لكم: بأنّ البشرية اليوم أشدّ ما تكون محتاجة للرسول؛ بل وأكثر من أيّ يوم مضى… ولتوضيح ذلك أقول: إذا كنّا متفقين على أنّ قائد الطائرة بحاجة إلى أعصاب أقوى من سائق السيارة، للفارق الكبير بين التعقيدات العلمية لدى كلتا الوسيلتين، وللفارق الكبير بين طبيعة العمل في الوسيلتين، وللفارق الكبير بين المخاطر التي تعترض كلتا الوسيلتين، إذا كنّا متفقين على كل ذلك، فعلينا أن نتفق أيضاً على أنّ الحضارة البشرية الراهنة أقوى بكثير من الحضارات التي سبقتها، وهي أعقد بكثير من سابقاتها، ولأنّ الإنسان قد تقدّم مادّياً وفكرياً فإنّه يكون بأمسّ الحاجة للإسلام الذي يمنعه من الانفلات، بعد أن يغذيه بالإرادة القويمة وبالروح الكافية..

لقد انقضى الوقت الذي كان الناس يتحاربون بالحجارة، أو يتلفون السنين في سفرهم بين بلد وآخر، أو تقضي الأمراض البسيطة على عشرات الآلاف منهم..

فإذا تحارب البشر فيما بينهم اليوم يكفيهم أن يستفيـدوا من غرام واحد مما يسمى بسلاح الجمرة الخبيثة ليقتل حوالـي عشرة ملايين إنسان، أمّا المواد المتفجرة فالبشرية تملك منها ما لو قسم على كل إنسان حي لكان نصيبه خمسة عشر طنـاً (!!) مع أنّ الإنسان يموت بخمسة عشر غراماً فقط…

ولهذا كنّا بأمسّ الحاجة إلى الدين والروح، وإلى النبي الأعظم، وتعاليمه الفذة ليكون لنا المنقذ من الأفكار الهدامة والأساطير الجديدة، والأمراض الفتاكة، والحروب التي يكاد فتيلها يشتعل بين لحظة وأخرى..

فرسول الله هو مصداق البركة الإلهية التي نزلت على الناس بنـزول القرآن الكريم.

وظيفتنا تجاه النبي (صلى الله عليه وآله):

إنّ أول وظائفنا تجاه نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) هو توطيد العلاقة الروحية عبر زيارته يومياً، مثلاً. ثمّ التعرّف بعمق وإمعان على حكمه ومواعظه التي ليست إلاّ وحياً كان يوحى إليه. وإذا تعرفنا على سنته توجّب علينا الالتزام بها، ليكون ذلك بمثابة الأرضية المناسبة والصلبة لنشر أفكاره وحكمه وتعاليمه بين المسلمين؛ بل بين كافة أفراد البشرية.

إنّ من المخزي أن ينتظر المسلمون من الغرب أن يصدّروا لهم أفكارهم ومناهجهم ليغزوهم بها، علماً أنّ كل كلمة من كلمات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) تعجّ بالحكمة والقانون الحضاري القويم.

وعليه؛ فإنّ من الواجب على المسلمين، ولا سيما النخبة العلمية فيهم أن يبذلوا كل جهدهم في إطار تصدير الحكمة النبوية للعالم؛ العالم الذي لمس وتأكّد من عدم جدوائية المناهج الوضعية وفشلها. وهاهي الفرصة الذهبية قد أتيحت لنا للعمل على هذا الصعيد في ظل ثورة الاتصالات وانتشار الانترنيت والفضائيات، وإنني ليملؤني اليقين أنّ شعوب العالم بأمسّ الحاجة وأشدّ التعطش إلى أفكار ورؤى وبصائر القرآن الكريم وحكمة نبينا الأكرم، هذا فضلاً عن قدرة هذه الأفكار والحكم على حلّ الأزمات العالمية والحضارية، وعلى كافة الأصعدة، لأنّها تمثّل الينبوع الصافي للفطرة التي أودعها الله في الإنسان..

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لنشر راية الإسلام في ربوع العالم أجمع. وأن يجعلنا ممن ينتصر بهم لدينه، وألاّ يستبدل بنا غيرنا، وأن يجعل حياتنا ومماتنا وفكرنا كلّه تابعاً للرسول الأكرم. اللّهم اجعل محيانا محيى محمد وآل محمد، ومماتنا ممات محمد وآل محمد، اللّهم اجعلنا في الدنيا نتبعهم ونطيع أوامرهم، وفي الآخرة نكون معهم، إنّك سميع الدعاء.

وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

الكاتب: السيد محمد تقي المدرسي