السجود على الأرض

لعلّ من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلّل من قبل المخلوق لخالقه، هو السجود، وبه يؤكد المؤمن عبوديته المؤكّدة لله تعالى، ومن هنا فانّ البارئ عزّ اسمه يقدّر لعبده هذا التصاغر وهذه الطاعة فيضفي على الساجد فيض لطفه وعظيم إحسانه، لذا روي في بعض المأثورات (أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده).

ولمّا كانت الصلاة من بين العبادات معراجاً يتميّز بها المؤمن عن الكافر، وكان السجود ركناً من أركانها، فليس هناك أوضح في إعلان التذلّل لله تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى، لما فيه من تذلّل أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري، فضلاً عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضّة، وإن كان الكلّ سجوداً، إلاّ أنّ العبودية تتجلّى في الأوّل بما لا تتجلّى في غيره.

والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم وسفرهم، ولا يعدلون عنها إلاّ إلى ما أُنبت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس، ولا يرون السجود على غيرهما صحيحاًُ في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وصحبه. وسيظهر – في ثنايا البحث – أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت، كانت هي السنّة بين الصحابة، وأنّ العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخرّة ولأجل توضيح المقام نقدّم أموراً :

۱ اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه:

اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين، ولم يختلفوا في المسجود له، فإنّه هو الله سبحانه الذي له يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، إشارة إلى قوله سبحانه{ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}[۱].

وشعار كلّ مسلم قوله سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ }[۲]، وإنّما اختلفوا في شروط المسجود عليه – أعني ما يضع الساجد جبهته عليه – فالشيعة الإمامية تشترط على أن يكون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري، وما أشبه ذلك. وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب، وإليك نقل الآراء:

قال الشيخ الطوسي[۳] وهو يبيّن آراء الفقهاء: لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأجازوا السجود على القطن والكتاب والشعر والصوف وغير ذلك – إلى أن قال: لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة، وطرف الرداء، وكم القميص، وبه قال الشافعي، وروي ذلك عن علي (عليه الصلاة والسلام) وابن عمر، وعبادة بن الصامت، ومالك، وأحمد بن حنبل ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه. وإن سجد على مالا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه، وروي ذلك عن الحسن البصري[۴].

وقال العلاّمة الحلّي [۵] – وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه: لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع، وأطبق الجمهور على الجواز.

وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين ونحن نكتفي هنا بإيراد جانباً ممّا روي في هذا الجانب :

روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عمّا يجوز السجود عليه، وعمّا لا يجوز؟ قال: (السجود لا يجوز إلاّ على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لبس). فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟. قال: (لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزّ وجلّ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا لغرورها)[۶].

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته إذ لم يكن مأكولاً ولا ملبوساً إقتداءً بأئمّتهم، على أنّ ما رواه أهل السنّة في المقام، يدعم نظريّة الشيعة، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم، ويتّضح أنّ السُنّة كانت هي السجود على الأرض، ثمّ جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك.

۲٫ الفرق بين المسجود له والمسجود عليه :

كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة ويتخيّل الحجر المسجود عليه وثناً، وهؤلاء هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له، والمسجود عليه، ويزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلّي وثناً يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه. ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف، ولم يفرّق بين الأمرين، وزعم المسجود عليه مسجوداً له، وقاس أمر الموحّد بأمر المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر فأخذ بالصور والظاهر، مع أنّ الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له، ولكن الموحّد الذي يريد أن يصلّي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها، يخضع لله سبحانه ويسجد له، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلاً: أين التراب وربّ الأرباب.

نعم: الساجد على التربة غير عابد لها، بل يتذلّل إلى ربّه بالسجود عليها، ومن توهّم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان، وسيؤدي إلى إرباك كلّ المصلين والحكم بإشراكهم، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لابدّ أن يكون عابداً لها على هذا المنوال فيا للعجب العجاب.

۳٫ السنّة في السجود في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعده :

إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدّة لا يستهان بها، متحمّلين شدّة الرمضاء، وغبار التراب، ورطوبة الطين، طيلة أعوام. ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة بل ولا على الحصر والبواري والخمر، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة، وهو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود عليها، وقد شكى بعضهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شدّة الحرّ، فلم يجبه إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر، فوسع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود، وعلى ضوء هذا فقد مرّت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير:

(۱) ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين، ولم تكن هناك أيّة رخصة.

(۲) المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصى والبواري والخمر، تسهيلاً للأمر، ورفعاً للحرج والمشقّة، ولم تكن هناك أيّة مرحلة أخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدّعيه البعض، وإليك البيان:

المرحلة الأولى
السجود على الأرض

۱/ روى الفريقان عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)[۷]. ومثله غيره من شرّاح الحديث.
تبريد الحصى للسجود عليها:

۲/ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنت اصلّي مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) الظهر، فآخذ قبضة من الحصى، فأجعلها في كفّي ثمّ أحوّلها إلى الكف الأخرى حتى تبرد ثمّ أضعها لجبيني، حتّى أسجد عليها من شدّة الحرّ[۸].

ونقول: ولو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلاً أم منفصلاً جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى، ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه.

۳/ روى أنس قال: كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه[۹].

۴/ عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شدّة الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا[۱۰].

قال ابن الأثير في معنى الحديث: إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم.[۱۱].

هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط، حتّى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتّصلة أو المنفصلة، وهو (صلى الله عليه وآله) مع كونه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً أوجب عليهم مسّ جباههم الأرض، وإن آذتهم شدّة الحرّ.

والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض، وعن إصرار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتّصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات.

الأمر بالتتريب :

۶/ عن خالد الجهني: قال: رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له: (ترّب وجهك يا صهيب)[۱۲] ، والظاهر أنّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب بالسجود على الثواب المتّصل والمنفصل، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية، وعلى كلّ تقدير، فالحديث شاهد على أفضليّة السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى لما دلّ من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض.

۷/ روت أمّ سلمة (رضي الله عنها): رأى الني (صلى الله عليه وآله) غلاماً لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد، فقال: (يا أفلح ترّب)[۱۳].

۸/ وفي رواية: (يا رباح ترّب وجهك).

۹/ روى أبو صالح قال: دخلت على أمّ سلمة، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين، فلمّا سجد نفخ التراب، فقالت أمّ سلمة: ابن أخي لا تنفخ فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لغلام له يقال له يسار – ونفخ -: (ترّب وجهك لله)[۱۵].

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة :

۱۱/ روي: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته[۱۶].

۱۲/ روي عن علي أمير المؤمنين أنّه قال: (إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه)، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة.[۱۷].

۱۳/ روى صالح بن حيوان البسائي: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبهته[۱۸].

۱۴/ عن عياض بن عبد الله القرشي: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلاً يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: (ارفع عمامتك) وأومأ إلى جبهته[۱۹].

هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلاّ السجود على الأرض، ولم يكن هناك أي رخصة سوى تبريد الحصى، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك، ولما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالتتريب، وحسر العمامة عن الجهة.

المرحلة الثانية
الترخيص في السجود على الخمر والحصر

هذه الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها، وأنّهم كانوا لا يعدلون عنه، وإن صعب الأمر واشتدّ الحرّ، لكن هناك نصوص تعرب عن ترخيص النبي (صلى الله عليه وآله) – بإيحاء من الله سبحانه إليه – السجود على ما أنبتت الأرض، فسهل لهم بذلك أمر السجود، ورفع عنهم الإصر والمشقّة في الحرّ والبرد، وفيما إذا كانت الأرض مبتلّة، وإليك تلك النصوص:

۱٫ عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي علي الخمرة[۲۰].

۲٫ عن ابن عباس: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة، وفي لفظ: وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة[۲۱].

۳٫ عن عائشة: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة[۲۲].

۴٫ عن أمّ سلمة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة[۲۳].

۵٫ عن ميمونة: ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة فيسجد[۲۴].

۶٫ عن أمّ سليم قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة[۲۵].

۷- عن عبد الله بن عمر: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمر[۲۶].

السجود على الثياب لعذر:

قد عرفت المرحلتين الماضيتين، ولو كان هناك مرحلة ثالثة فإنّما مرحلة جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة. ويبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يجب شكوى الأصحاب من شدّة الحرّ والرمضاء، وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحمّلين الحرّ والأذى، ولكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة، وإليك ما ورد في هذا المقام:

(۱) عن أنس بن مالك: كنّا إذا صلّينا مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، طرح ثوبه ثم سجد عليه.

(۲) وفي صحيح البخاري: كنّا نصلّي مع النبي (صلى الله عليه وآله) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ. فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض، بسط ثوبه.

(۳) وفي لفظ ثالث: كنّا إذا صلّينا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود[۲۷].

وهذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضاً. وذلك لأنّ رواية أنس نصّ في اختصاص الجواز على حالة الضرورة، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات، وإليك بعض ما روي في هذا المجال:

۱- عبد الله بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على كور عمامته[۲۸].

إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن السجود عليه، محمولة على العذر والضرورة، وقد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه، حيث قال: قال الشيخ: (وأمّا ما روي في ذلك عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك، وأصحّ ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله)[۲۹].

وقد روي عن ابن راشد قال: رأيت مكحولاً يسجد على عمامته فقلت: لما تسجد عليها؟ قال أتّقي البرد على أسناني[۳۰].

۲- ما روي عن أنس: كنّا نصلّي مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيسجد أحدنا على ثوبه[۳۱].

والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه، وبما رواه عنه البخاري: كنّا نصلّي مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه[۳۲].

ويؤيّده ما رواه النسائي أيضاً: كنّا إذا صلّينا خلف النبي (صلى الله عليه وآله) بالطهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ[۳۳].

وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدلّ إلاّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) صلّى على الفرو. وأمّا أنّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه.

۳- عن المغيرة بن شعبة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي على الحصير والفرو المدبوغة[۳۴].

والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث، ليست ظاهرة في السجود عليه. ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه، ولعلّه (صلى الله عليه وآله) وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها. وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين.

حصيلة البحث

إنّ المتأمّل في الروايات يجد وبدون لبس أنّ قضيّة السجود في الصلاة مرت بمرحلتين أو ثلاثة مراحل ففي المرحلة الأولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يرخّص للمسلمين السجود على غيرها، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أخرى إلاّ جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقاً فمحمولة على الضرورة، أو لا دلالة لها على السجود عليها، بل غايتها الصلاة عليها.

ومن هنا فإنّ ما يظهر بوضوح أنّ ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنّة النبويّة ولم تنحرف عنه قيد أنملة، ولعلّ الفقهاء هم أدرى بذلك من غيرهم، لأنّهم الأمناء على الرسالة والأدلاء في طريق الشريعة، ونحن ندعو إلى برهة من التأمّل لإحقاق الحقّ وتجاوز البدع.

ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة؟

بقي هنا سؤال يطرحه كثيراً إخواننا أهل السنّة حول سبب اتّخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها. وربّما يتخيّل البسطاء – كما ذكرنا سابقاً – أنّ الشيعة يسجدون لها لا عليها، ويعبدون الحجر والتربة، وذلك لأنّ هؤلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة، والسجود لها.

وعلى أيّ تقدير فالإجابة عنها واضحة، فإنّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها، من أيّ أرض أخذت، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلّها في ذلك سواء.

وليس هذا الالتزام إلاّ مثل التزام المصلّي بطهارة جسده وملبسه ومصلاّه، وأمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها، ويتّخذها مسجداً، لا تتأتّى له في كلّ موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حلّه وترحاله، بل وأنّى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر، مسلمين كانوا أم غيرهم، ملتزمين بأصول الطهارة أم غير ذلك، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناص من أن يتخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئنّ بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة، والأوساخ التي لا يتقرّب بها إلى الله قط ولا تجوّز السنّة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها:

المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومواطن الإبل، بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها.

وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها، فقد روي: أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع المتوفّى عام ۶۲ كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها. كما أخرجه بن أبي شيبة في كتابه المصنف، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه.

فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها.

إلى هنا تبيّن أنّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلاّ تسهيل الأمر للمصلّي في سفره وحضره خوفاً من أن لا يجد أرضاً طاهراً فيصعب الأمر عليه، وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليها.

وأمّا السرّ في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية فإنّ من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها، أن يتذكّر المصلّي حين يضع جبهته على تلك التربة، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد.

ولمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة، وفي الحديث (أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده) فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية، أولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحقّ، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة، وزخارفها الزائلة، ولعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر، فيكون حينئذ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى ربّ الأرباب.

وقال العلاّمة الأميني: نحن نتّخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق به الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة، ومعلّم السنّة بها، وحاشاه من البدعة. فليس في ذلك أيّ حزازة وتعسّف أو شيء يضاد نداء القرآن الكريم أو يخالف سنّة الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) أو خروج من حكم العقل والاعتبار.

وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا ممّا ألزمه المذهب، ولا يفرق أيّ أحد منهم منذ أوّل يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت، وكثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم[۳۶].

——————

[۱] سورة الرعد ، الآية :۱۵٫

[۲] سورة فصلت ، الآية :۳۷٫

[۳] من أعلام الشيعة في القرن الخامس صاحب التصانيف والمؤلّفات ولد ۳۸۵ هـ وتوفّي عام ۴۶۰ هـ من تلاميذ الشيخ المفيد ۳۳۶- ۴۱۳ هـ، والسيّد الشريف المرتضى ۳۵۵-۴۳۶ هـ رضي الله عنهما ۰٫

[۴] (الخلاف ۱ كتاب الصلاة، المسألة ۱۱۲ – ۱۱۳ ص ۳۵۷ – ص ۳۵۸).

[۵] الحسن بن يوسف بن المهطر الحلّي ۶۴۸ – ۷۲۶ هـ وهو زعيم الشيعة في القرن السابع، لا يسمح الدهر بمثله إلاّ في فترات خاصة.

[۶] الوسائل ج ۳ الباب ۱ من أبواب ما يسجد عليه، الحديث ۱٫

[۷] صحيح البخاري ج۱ ص ۹۱ كتاب التيمّم الحديث ۲ وسنن البيهقي ج۲ ص ۴۳۳ باب: أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن.

[۸] مسند أحمد ج۳ ص۳۲۷ من حديث جابر وسنن البيهقي ج۱ ص ۴۳۹ باب ما روي في التعجيل بها في شدّة الحرّ.

[۹] سنن البيهقي ج۲ ص ۱۰۵٫

[۱۰] سنن البيهقي ج۲ ص ۱۰۵ باب الكشف عن الجبهة.

[۱۱] ابن الأثير النهاية ج۲ ص۴۹۷ مادة (شكى).

[۱۲] المتقي الهندي: كنز العمال ج۷ ص۴۶۵ برقم ۱۹۸۱۰٫

[۱۳] المصدر نفسه ج ۷ ص ۴۵۹ برقم ۱۹۷۷۶٫

[۱۴] المصدر نفسه برقم ۱۹۷۷۷٫

[۱۵] المتقي الهندي: كنز العمال ج۷ ص ۴۶۵، برقم ۱۹۸۱۰ ومسند أحمد ج۶ ص ۳۰۱٫

[۱۶] ابن سعد: الطبقات الكبرى ج۱ ص ۱۵۱ كما في السجود على الأرض ص ۴۱٫

[۱۷] منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند ج۳ ص ۱۹۴٫

[۱۸] البيهقي: السنن الكبرى ج۲ ص ۱۰۵٫

[۱۹] المصدر نفسه.

[۲۰] أبو نعيم الاصفهاني: أخبار اصبهان ج۲ ص ۱۴۱٫

[۲۱] مسند أحمد ج۱ ص ۲۶۹،۳۰۳، ۳۰۹ و ۳۵۸٫

[۲۲] المصدر نفسه ج۶ ص ۱۷۹ وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد: ناوليني الخمرة.

[۲۳] المصدر نفسه ۳۰۲٫

[۲۴] المصدر نفسه ص ۳۳۱ – ص ۳۳۵٫

[۲۵] المصدر نفسه ص ۳۷۷٫

[۲۶] المصدر نفسه ج ۲ ص ۹۲- ۹۸٫

[۲۷] صحيح البخاري ج ۱ ص ۱۰۱، صحيح مسلم ج ۲ ص ۱۰۹، مسند أحمد ج ۱ ص ۱۰۰، السنن الكبرى ج ۲ ص ۱۰۶٫

[۲۸] كنز العمال ج ۸ ص ۱۳۰ برقم ۲۲۲۳۸٫

[۲۹] سنن البيهقي ج ۲ ص ۱۰۶٫

[۳۰] المصنف لعبد الرزاق ج ۱ ص ۴۰۰ كما في سيرتنا وسنّتنا، والسجدة على التربة ص ۹۳٫

[۳۱] سنن البيهقي الكبرى ج ۲ ص ۱۰۶، باب من بسط ثوباً فسجد عليه.

[۳۲] البخاري ج ۲ ص ۶۴ كتاب الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود.

[۳۳] ابن الأثير: الجامع للأصول ج ۵ ص ۴۶۸ برقم ۳۶۶۰٫

[۳۴] أبو داود: السنن / باب ما جاء في الصلاة على الخمرة برقم ۳۳۱٫

[۳۵] أبو بكر بن أبي شيبة: المصنف ج ۱ ص ۴۰۰ كما في السجدة على التربة ص ۹۳٫

[۳۶] العلاّمة الأميني: سيرتنا وسنّتنا ص ۱۶۶ – ص ۱۶۷ طبعة النجف الأشرف.

الكاتب: العلامة جعفر سبحاني