السعادة المفهوم والطريق إليها

إنّ الإيمان بالله له آثار نفسية على الإنسان ومنها

۱- الشعور بأن العالم مشرق بنوره، فيشرق النور في روحه وأعماقه. ۲- التفاؤل والسعي إلى الخير والكمال، وتوسع آفاق النظرة إلى الحياة ۳- الأمل بالنصر والفوز والنجاح. ۴- الطمأنينة والهدوء والإستقرار. ۵- التمتع باللذات المعنوية. ۶- روح المقاومة والصبر على النوائب والمصائب، والوقوف أمام تعقيدات الحياة بنفس ملؤها الإطمئنان والإرتياح. وللإيمان بالله آثار على العلاقات الإجتماعية ومنها: ۱- إحترام النظام والقانون، لأنّه من وضع المطلق اللامتناهي. ۲- تقديس العدالة. ۳- إشاعة المحبة والود والصفاء بين أبناء المجتمع وزرع الثقة بينهم. ۴- الإحساس بالمسؤولية الإجتماعية. ۵- الإلتزام بالتقوى والعفاف. ۶- الإيثار ونكران الذات. والإسلام يربّي الإنسان على الإرتقاء الروحي والبحث عن الكمال والسموّ، وأولى خطواته هي رفض الرهبانية ورفض المادية وإتّخاذ الجادة الوسطى. والإسلام وضع الحلول المناسبة من أجل سعادة الإنسانية، وهو الهدف الأساسي لرسالته السمحاء، وتتم السعادة بتوفير أمور منها: ۱- الرخاء والرفاهية. ۲- الصحة والعافية. ۳- سكينة النفس. ۴- طمأنينة القلب. ومع أنّ الإنسان بفطرته يبتغي اللذة والراحة والسعادة، ويهرب من الألم والعذاب والشقاء فإنّه عند التزاحم يتقبل الألم القليل، ويضحي باللذة المحدودة في سبيل الأكثر دواماً. ومقتضي العقل والفطرة الإنسانية أن يتحمل الإنسان عذاباً قليلاً للوصول إلى لذة كبرى ودائمة. وبما أنّ اللذة ليس لها حدود، وأن رغبات الإنسان لا تنتهي عند حد معيّن، لذلك جعلت الدار الأخرى هي الضالة المنشودة للإنسان، فإذا لم يستطع الحصول على لذاته المشروعة في الدنيا، فإنّه يصبر إلى اليوم الآخر لكي يسعد سعادة سرمدية مادية ومعنوية. وإذا حصل على اللذة وأراد أن يحصل على لذائذ أكبر لإلحاح الغريزة وضغطها عليه، فالإسلام يؤمله للحصول عليها في الدار الآخر، إذ الإنسان لا يكتفي بملك محدود وإنما يريد أن يملك العالم، ولا يكتفي بزوجة واحدة ولا بغذاء واحد ولا بمنزل واحد بل يطمع بالأرض كلها، ولكن الإسلام وضع له قيوداً ووجّه تفكيره وشعوره نحو اللذة الدائمة والملذات الخالدة من الحور العين والمنازل المطلية بالذهب والفضة وملابس الحرير والاستبرق وجميع ما تشتهي النفس. والإسلام من أجل تحقيق السعادة للإنسان بدأ به فرداً ثمّ أسرة ثمّ مجتمعاً ثمّ دولة، لكي تتحقق السعادة تحققاً موضوعياً لا كلفة فيه ولا عناء. فجعل الرباط بين المرأة والرجل رباطاً مقدساً ومن مقدماته الزواج وحرّم العلاقات غير المشروعة التي تؤدي إلى تخريب وتدمير الأخلاق وانحلال الروابط الإجتماعية وإهدار الثروة، فضلاً عن الأسقام والعلل الجسدية والنفسية. وجعل الزواج مقدمة لبناء المجتمع المتلاحم والطاهر بطهارة الأسرة. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم/ ۲۱). فجعل الحب هو الوسيلة الوحيدة لسعادة المرأة والرجل بعد إرتباطهما برباط الزوجية، ونهى عن الحب المذموم، وعن العوى وهو ميل النفس الأكثر إلى الحب المذموم، ونهى عن العشق وهو فرط الحب، ونهى عن الهيام الذي هو جنون العشق. والنهي قد يكون حراماً في أمور وقد يكون مكروهاً في أمور أخرى، لأنّه يستتبع أموراً تخرج الإنسان من إنسانيته وتفقده عقله وتتركه فريسة للإضطرابات العقلية والنفسية المزمنة. ومن أجل تكوين الأسرة الصالحة المتماسكة والتي تكون نواةً صالحة للمجتمع الصالح حثّ الإسلام كلاً من الرجل والمرأة على إختيار شريك الحياة المناسب للحياة العائلية الكريمة. قال رسول الله (ص): “أيُّها الناس إيّاكم وخضراء الدمن. فقالوا له يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قال (ص): المرأة الحسناء في منبت السوء”. وقال علي (ع): “إيّاكم وتزوّج الحمقاء فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع”. وقال (ع): “مَن زوّج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها”. ووضع الإسلام تعاليم عملية للعلاقة بين الزوج والزوجة وخصوصاً العلاقة الجنسية، وحثّ على الحديث الذي ينمّي الحب بينهما وحثّهما على ترك الأمور التي تؤثر عليهما سلبياً. وجعل للزوج وللزوجة حقوقاً وواجبات كما حثّ على الإحترام المتبادل. قال رسول الله (ص): “جهاد المرأة حسن التبعل”. وقال أيضاً: “أيّما إمرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة”. وقال (ص): “مَن ضرب إمرأة بغير حق فأنا خصمه يوم القيامة”. وقال (ص): “أفضل نساء أُمّتي أصبحهنّ وجهاً وأقلهنّ مهراً”. وفرض الإسلام على الزوجة أن تطيع زوجها، وعلى الزوج أن يوفر لها إحتياجاتها، ولم يوجب عليها حتى الأمور العَرَضية كالطبخ والتنظيف والرضاعة. وأمر الإسلام الأب بالعناية بالأبناء والمساواة بينهم حتى في القبلة وإشاعة الود والحب داخل الأسرة، وأن يحسن أسماء أبنائه، ويتجنب التعقيدات من أجل أن يتربى الأبناء تربية سليمة بعيدة عن الإضطراب والقلق. قال رسول الله (ص): “من حق الولد على والده ثلاثة: يحسن اسمه، ويعلِّمه الككتابة، ويزوّجه إذا بلغ”. وأمر المرأة بالأوامر نفسها وبأن تهتم بزوجها وأطفالها، وأن تحيطهم حناناً ودفئاً عاطفياً لأنّ الفتى أو الفتاة اللذين لم يعرفا حناناً طفولتهما قد تخدعهما بعض الكلمات فيقعان فريسة لأصحاب وصاحبات السوء. وحثّ الإسلام على إشباع حاجات الطفل كتوكيد الذات، والأمان، والمحبة، والإستقلال، وحثّ على إشباع حاجات المراهقين كالمكانة، والإستقلال، والفلسفة الحياتية المقبولة، والجنس في حدوده المشروعة. وفي المقابل حثّ الإسلام على طاعة الوالدين وإحترامهما. (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…) (الإسراء/ ۲۳). وجعل العطف على الصغير وتوفير الكبير قاعدة للتعامل الإجتماعي داخل الأسرة. وبعد أن يجد الأبناء جواً ملؤه الحب والحنان، وبتربيتهم تربية صالحة، تتكوّن الأسرة المسلمة النموذجية لتدخل في حركة المجتمع، إبتداءً بإقامة العلاقة الحميدة مع الجيران، والإلتزام بتوصيات الإسلام في هذا المجال كحسن الجوار، والتكافل، والتعاون، وإنتهاءً بالتعامل الصادق البنّاء مع المجتمع عن طريق تمتين الأواصر الإجتماعية وتغيير المجتمع وإصلاحه، والإلتزام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد وضع الإسلام نظاماً كاملاً للفرد وللأسرة وللمجتمع لتحقيق تلك السعادة: قال رسول الله (ص): “أربع من السعادة وأربع من الشقاء، فالأربع التي من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب البهي، والأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيّق، والمركب السوء”. وقال (ص): “أربع من سعادة المرء: الخلفاء الصالحون، والولد البار، والمرأة المواتية، وأن تكون معيشته في بلده”. وفي العلاقات الإجتماعية وضع الإسلام برنامجاً تجلى بعضه في أقوال أهل البيت (ع). قال رسول الله (ص): “مَن عرّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ إلا نفسه، ولا يلومنّ من أساء به الظن”. وقال (ص): “من شُتم أو ضُرب ثم صبر زاده الله لذلك عزاً فاعفوا يعفُ الله عنكم”. وقال (ص): “لا تديموا النظر إلى أهل البلاء والمجذومين فإن ذلك يحزنهم”. وقال علي (ع): “لا تغضبوا ولا تُغضِبوا، افشوا السلام وأطيبوا الكلام”. وقال الإمام الصادق (ع): “لا يكون الأمين أميناً حتى يؤتمن على ثلاثة فيؤديها: على الأموال والأسرار والفروج، وإن حفظ اثنين وضيّع واحدة فليس بأمين”. وقال (ع): “أحبّ اخواتي إليَّ من أهدى إليَّ عيوبي”. وقال (ع): “ثلاث من كنّ فيه كان سيداً: كظم الغيظ، والعفو عن المسيء، والصلة بالنفس والمال”. وأوصى الإسلام بمداراة الناس كما قال رسول الله (ص): “أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض”. وقال (ص): ذهاب البصر مغفرة للذنوب، وذهاب السمع مغفرة للذنوب، وما نقص من الجسد فعلى قدر ذلك”. وحثّ الإسلام على أعمال الخير والبر وشجّع على الإحسان لكي تكون المحبة هي السائدة، ونهى عن البغضاء والعداوة وعن الحسد والحقد والكذب والغيبة والنميمة والبهتان وعن كل الرذائل والمعاصي التي تفسد الأخلاق وتذهب بالمجتمع نحو الإنحطاط. فلو إلتزم الإنسان بتعاليم الإسلام لتكوّن المجتمع المثالي السعيد الذي تسوده المحبة والتعاون والتكافل، ويسوده الهدوء والإستقرار ويؤمّن به الناس على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، ويزول القلق والإضطراب وتتلاشى الأمراض الروحية والنفسية بل وحتى الجسدية، لأنّ الإسلام وضع أيضاً برنامجاً كاملاً لسلامة جسد الإنسان وصحته، وهذا ما نجده في إلتزام علماء الإسلام فقد وصلت أعمار كثيرين منهم إلى التسعين أو المائة عام مع جودة الصحة في الغالب والحفاظ على كمال العقل والوعي في زمن يكون معدل الأعمار فيه ستين أو سبعين عاماً ناهيك عن أمراض الشيخوخة والكبر التي تفتك بالعُجّز من الناس العاديين في الغالب. ومن أجل أن لا يستمر الإنسان في إنحرافه وإنحطاطه ويأسه من الحياة الكريمة فتح الإسلام له حياة جديدة عن طريق التوبة. قال رسول الله (ص): “التائب حبيب الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له”. وقال (ص): “لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثمّ ندمتم لتاب الله عليكم”. ووضع الإسلام أسساً للود والحب في المجتمع لكي يكون قائماً على أساس سلامة السلوك وطهارة التعامل. فالرحمة والمحبة في الإسلام تكون مع الحيوان، والذمي، ثمّ مع المسلم وفي العلاقة الزوجية، ومع الأبناء والأرحام والجيران والمسلمين جميعاً فضلاً عن حبّ الله وحبّ رسوله (ص).

الكاتب: أحمد علي الحسيني