السلفية إشكالية المفهوم الملتبس وأزمة المواقف والمعايير

۱ ـ تستبطن كلمة السلفية مفهوم السلف، الذي يختزن الماضي في دلالاته، ويرى هذا المفهوم أن الماضي هو الأفضل، ولهذا سمّيت القرون الأولى بالقرون المفضّلة، ومعنى ذلك أن البشرية تتجه نحو الانحدار عن تلك القمم السامية التي بلغتها مع هذه القرون المفضّلة، ومن ثم فالحلّ الوحيد للخروج من المأزق هو العودة لتمثل تلك القرون، وإعادة إحيائها، مما يجعل السلف هو محور الخلف، لا المحور الذي ينطلق الخلف منه لمواجهة الحاضر وصنع المستقبل فحسب، بل المحور الذي يجب أن يعود الحاضر إليه، ليطابق المستقبلُ الماضي.

هذا هو المفهوم المعاصر لعنوان السلفية، مهما كان انتماؤها الديني أو المذهبي، وإن سمّي بها فريقٌ من هذا المذهب أكثر من غيره، فهناك سلفية مسيحية، وسلفية يهودية، و…

۲ ـ ولا شك ـ وفقاً للمنطق الديني الذي نؤمن به ـ أنّ السلفية مفهوم صحيح بمعنى ما، وغير صحيحٍ بمعنى آخر، فالأنبياء والمعصومون والوحي والقرآن و.. ظواهر في الماضي، وهي تمثل سلفاً لنا، وعندما يدور الدين حول نصوص الوحي الإلهي فمن الطبيعي أن ينتج معنى من السلفية، وعلى هذا الأساس تصبح السلفية مطلباً، أي أن شيئاً ما في السلف يشكل درجةً من المحورية في حياتنا، وهذا قدر متفق عليه بين الأديان، إنما الموضوع الذي يثير بعضَنا من السلفية هو ممارسة استنساخ حرفي للتاريخ من جهة، وتوسيع رقعة المرجعية الماضوية من جهةٍ أخرى؛ ويعني ذلك عدم وجود تمييز في الرؤية السلفية بين جواهر الماضي وظواهره، فظواهر الزمن الماضي هي جوهره ورسالته، ومن ثم يجب التركيز على هذه الظواهر، مع أن الكثير من هذه الظواهر ليست جزءاً من رسالة السلف الممتدّة في الزمان والمكان، وإنما هي تعبير عن تطبيق السلف جوهرها ومضمونها على عصرهم وزمانهم، وهذا ما يفتح المجال على مفهوم التاريخية في تفسير الماضي، ولهذا نجد قدراً من التكيّف لدى أنصار التاريخية ـ على أطيافهم ـ مع الواقع المعاصر، فيما نجد قدراً من الاصطدام بين السلفيين والواقع.

إن السلفية تركّز على القشور غير ملتفتة إلى الرسائل الكامنة في المضمون، فتذهب بالمعنى لصالح اللفظ، وبالمغزى لصالح المعنى، فتشعر في الحياة السلفية أنك تعيش صورةً عن القرون الغابرة، وطبعاً حديثنا كلّه نسبي، فالسلفية نسبٌ وأطياف، ليس كلّها ـ كما أشرنا ـ مذموماً، كما أن التاريخية نسبٌ وأطياف، ليس كلّها ممدوحاً ومحموداً.

۳ ـ هذا على خطّ الخلط بين الرسالة والكلمات، بين القشر واللبّ، بين الوسائل والأهداف، أما على الخط الآخر، فنجد توسعةً وبسطاً للسلف المقدّس، فبعد أن كان النبي والقرآن هما المرجع الأساس، بدأت تتسع الدائرة على الصعيد السنّي، فدخل الصحابة في مرجعية السلف، ودخل العلماء المتقدّمون، بعد أن دخل التابعون، وكثير من تابعيهم، فتحوّل الماضي برمّته إلى مرجع ـ نظرياً وعملياً أو عملياً فقط حتى مع عدم التنظير له ـ وأخذت الجهود والطاقات تتركّز ـ وبشكل كبير ـ على تبرير تصرّفات السلف وتوجيهها وتأويلها، ولم يقتصر الأمر على الصحابة والزاهدين والمؤمنين، بل تعدّاه إلى بعض الملوك والسلاطين الذين بذلت جهود مضنية لتبرير سلوكهم، ليس آخرهم يزيد بن معاوية في قتله في مجزرة رهيبة سلالة النبي ، وهي سلالة معروفة بالطهر والصفاء في مجتمع المسلمين آنذاك، حتى لو اختلفوا في وجهة نظر بعضهم معها.

هذه هي عُقد السبحة التي يجب السير معها عندما تبدأ الطريقة السلفية في تناول كل شيء.

وليس الأمر على الخط السني فحسب، بل سائر المذاهب الإسلامية عرفت ـ وبنسب متفاوتة ـ هذه الظاهرة، فتعدّى الأمر أهل البيت ليشمل صحابة الأئمة أحياناً، بل والعلماء اللاحقين، وتركت هذه الطريقة الذرائعية تأثيرها على رسم صورنا للتاريخ الإسلامي.

إنّ هذا كلّه يبيّن لنا أنّ السلفية ليست مفردات عقدية أو تشريعية بقدر ما هي طريقة تفكير ومنهج عمل، وهذا ما يؤكّد على ضرورة مواجهة هذه الظاهرة ليس عبر الدخول معها في سجال المفردات والمقولات و.. فحسب، بل الأهم من ذلك نقد الأسس الفكرية والمنطلقات المنهجية التي أدّت إلى الوصول إلى هذه الظاهرة وتكوّنها في مجتمع المسلمين، فعندما يكون الظرف ملوّثاً فإن مظروفه سيتلوث تلقائياً.

۴ ـ ونتيجةً للاستنساخ الحرفي للتاريخ، وإعادة تمثل قضاياه والتماهي معها، تظهر الحروب القديمة مجدداً دون سببٍ لها في العصر الحاضر، وسببها الوحيد أنها وقعت في الماضي، فإذا تصارع السنّة والشيعة في بغداد في القرن الخامس الهجري، فإن طريقة التفكير السلفية تظلّ دوماً مستحضرةً لهذا الصراع، وتحمّل سنّة هذا العصر وشيعته مسؤولية المجازر التي حصلت آنذاك، وهذا ما يجعل هناك طاقةً كامنة رهيبة مستعدّة للانفجار في أيّ لحظة، يغذيها تاريخ طويل.

ومن شأن هذا الوضع أن يسمح للزعماء السياسيين باستحمار القاعدة العامة التي تفكّر بهذه الطريقة، فيحرّكون فتنةً هنا أو هناك لأغراض سياسية، فيما يظنّ المساهمون في الموضوع أنهم يريدون تصفية حساب قرونٍ مضت، وأنّهم يتقرّبون بذلك إلى الله جلّ وعلا، وبهذا يختلط الديني بالسياسي اختلاطاً سلبياً هذه المرة، ويوظّف الدين لحسابات سياسية، ويساق رجال الدين وعلماؤه إلى متاهات كانوا في غنى عنها، لو كانوا بنوا طرائق تفكيرهم على غير هذه الحال.

وليس الأمر كذلك في الماضي فقط، بل يمكن أن يكون ذلك في الحاضر نفسه؛ فإذا تصارع فريقان من المسلمين اليوم في بلدٍ ما لأسباب سياسية خاصّة بذلك البلد، أضيفت الصبغة الدينية على الصراع، مما يسمح باستخدامه في مناطق أُخرى، وبهذا تصير الفتنة طائفيةً لا سياسية، وبدل أن تفسّر الأحداث في هذا البلد على أنها ترجع إلى ظروف مرحلية ومحليّة سياسية وظّف فيها الشأن الطائفي، إذ بها تفسّر طائفياً بامتياز وكأن الشأن السياسي الميداني لا علاقة له.

وتبدأ عملية تصفية الحساب على أكثر من صعيد، فإذا حصل تطورٌ ما على هذه الجبهة فلا بد من الأخذ بالثأر في الجبهة الأخرى، هذا هو التصوّر الديني، أما السياسيون الدنيويون فلا يعنيهم ذلك إلاّ بقدر استخدام الدين لتسوية المصالح السياسية.

۵ ـ وهذا ما من شأنه ـ وقد حصل دوماً ـ صنع شريحة من رجال الدين ليست سوى وعّاظ للسلاطين، فإذا أيّد السلطان هذا الموقف صدرت الفتوى لصالحه، وإذا عارضه كانت الفتوى المعاكسة جاهزةً أيضاً؛ لأن هذه هي النتيجة الطبيعية لوضع الفكر الديني نفسه ـ بما تبنّاه من طرائق تفكير ـ في سياق مصالح السياسيين أو نزواتهم الآنية.

كيف يمكن أن نحترم رجل دين يمثل في الوعي العام، قيم الرسالة والسماء و… وهو يجعل نفسه ـ شعر أم لم يشعر، وضع تفسيراً لذلك أم لم يضع ـ في يد السلطان؟ لا نريد أن تكون هناك مصادمة بين الفقيه والسلطان دوماً، لكننا في الوقت عينه لا نريد أن يهيمن السلطان على الفقيه في أخطر مسؤولياته، وهي الفتوى ونشر الدين وتعاليمه، فليس البديل عن معارضة السلطان هو الانضواء تحت لوائه حتى لو كان على خلاف الشرع الحنيف.

إن استقلال السلطات التشريعية والقضائية والإعلامية بات اليوم من واضحات القانون وحاجات الحياة؛ ومعنى ذلك أن المؤسّسة الدينية، وهي ـ بدرجةٍ ما ـ تنتمي إلى هذه السلطات وغيرها، يفترض أن تكون مستقلّة إلاّ عمّا يمليه عليها الضمير والشرع والدين، ومجرّد عدم جواز شقّ عصا المسلمين لا يبرّر عدم المعارضة السلمية وإبداء وجهات النظر، فهذا خلط بين مفهومين لا علاقة بينهما، لأن مجتمعاتنا اعتادت على أن ترى في إبداء الرأي معارضة سلبيّة للأنظمة، فصارت حرية التعبير فيها شقّاً لعصا المسلمين، مع أنّه لو أعيد تنظيم علاقتنا وثقافتنا لاستطعنا ـ كما استطاع غيرنا ـ التفكيكَ بين النقد والفتنة، وبين إبداء الرأي والمعارضة السلبية، وبين حرية التعبير والانفلات من الضوابط، وهو أمرٌ ـ مع الأسف ـ لم تروّض الكثير من مجتمعاتنا عليه، الأمر الذي يحيج إلى مشاريع ثقافية وتوعويّة في هذا المضمار.

من هنا، لا يصحّ من علماء الدين أن يوالوا السلطان الجائر بحجّة عدم جواز شق عصا المسلمين، وكأننا أمام خيارين: إما أن نسلّم مطلقاً للسلطان، فنطوّع الدين له ولمصالحه، ملبّسين هذا التطويع ثوباً دينياً، أو أن نصطدم به بشراسة ونخلق الفتنة والفوضى في بلاد المسلمين، كما تريده بعض ألوان التفكير الديني في مجتمعاتنا المعاصرة.

۶ ـ وهكذا تضيع في الثقافة الإسلامية صورة الأولويات، فيغدو المسلم الذي لا أتفق معه أسوأ من الكافر الذي أختلف معه، فتصدر الفتوى بحرمة دعم المقاومة الإسلامية في لبنان لاعتبارات مذهبية ضيّقة، وتنهار قضايا الأمة أمام زواريب الصراعات الفئوية الصغيرة، فأيّ حال يرتجى لأمة لديها علماء من هذا النوع؟ وكيف يمكن أن نتصوّر لها النهوض في ظلّ هذا الوضع السيء؟

لقد قال علي فيما ينقل عنه: لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته، وكل النهضويين والإصلاحيين والمنفتحين اليوم على قضايا الأمّة يقولون ـ وعلى اختلاف مذاهبهم ـ : لو تمثلت لنا الطائفية رجلاً لقتلناه، تلك الطائفية التي تجعل هذه الأمّة في الحضيض وتسمح للغرب الاستكباري والصهيونية العالمية أن تتلاعب بكل قضاياه وشؤونه.

اللهم أمدّ علماء الإسلام بالوعي والبصيرة كي يخدموا قضايا أمتهم الكبرى، وأبعد عنهم ضيق الأفق، وقصر النظر، وإلى الله المشتكى.

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ [آل عمران: ۱۰۳].

الكاتب: حيدر حب الله