الشعائر الحسينية عنوان التكافل الاجتماعي وربيع الفقراء والمظلومين

يطل علينا بعد أيام شهر محرم الحرام رأس السنة الهجرية اليوم الذي ينتظره اتباع مدرسة آل بيت رسول الله (ص) وعشاق الامام الحسين بن الامام علي عليهم السلام.

يعدون اليه كل مايبرز الوجه الانساني والحضاري الكريم الذي خصه الله عزوجل رسوله الكريم وآل بيته الكرام… الذي يجسد أروع معاني التكافل الاجتماعي ومساعدة الناس بدون مقابل سوى مرضاة الجليل العزيز.

ان مظلومية سيد شباب اهل الجنة في واقعة كربلاء هي الملهم والحافز على العمل التطوعي الانساني فالملايين من الناس تخرج متطوعة فلا سلطة تجبرهم على الخروج ولاحشد انتخابي ولا ساحة تحرير ولا فيس بك ولاانترنت…. سوى التعبير عن الولاء المطلق لنهج الرسول الكريم وابنه الحسين السبط للنهج الانساني الحر متعلمين من ابو الاحرار الدروس والعبر في ان لا نرضخ للظلمة والجببارة والطغاة امثال ابن هند آكلت الأكباد وبنو امية الاشرار.

وتتأهب جنود الله المتطوعون المخلصون الذين لا يدخروا جهدا ولا مالا ولا مكانا ولا بيتا ولا ضيافة الا بذلوها وكان لهذا السِفر الخالد الملاحم والقصص الكثيرة عبر مئات السنين من الظلم والاضطهاد والمنع ويصل اغلبها الى الاستشهاد على يد المجرمين لغرض منعنا من اداء شعيرتنا الانسانية الدينية….

ابو غدير أحد خدمة الحسين في النجف الاشرف ومن الاسر العلمية وأحد كسبة المدينة الذي يعملون في التجارة البسيطة يقول لي انه يعمل على مدار السنة ويسأل الله الرزق لغرض بذلها في شهري محرم وصفر قربة الى الله وهدية الى امامنا الحسين عليه السلام استذكارا وعرفانا لتضحية ابا الاحرار في سبيل الدين الحق والانسانية… وهذا منذ اكثر من ۳۵ عام… بعد ان توفى والده الذي كان يتبنى هذا الخط من البذل والعطاء… ويروي في يوم من ايام عاشور (محرم) ايام النظام البعثي المقبور وكانت الحالة المادية للمجتمع صعبة والاغلب من الناس تحت مستوى خط الفقر لملمت شتاتي لكي اكمل المراسيم لطهي نصف طن من الرز (التمن والقيمة) وهذه طبخة عاشورية معروف في جنوب العراق وبالاخص في مدينة النجف الاشرف.

كنا نطبخ ليلا توجسا وخوفا من ازلام النظام البعثي المقبور في ساحة داخل منطقة حي الزهراء في النجف الاشرف ليس لها الا منفذ ضيق وبعيدة عن الاعين والبعثية.. الطعام كان كثير واستغرق منا الليل كله للطهي وبعد طلوع الصبح تركني اولاد العم والمتطوعين من خدمة الحسين للتعب الشديد وذهبوا ليخلدوا للنوم….. وتركوني حائرا مع نصف طن من الرز (التمن والقيمة) واشتدت حرارة شمس الصيف اللاهبة وبدأت تصهر في جبهتي وأنا وحدي في الساحة وخائف من البعثية ومن فدائي صدام المقبور ومن تلف الطعام… طبعا هذا بعد ان وزعت لكل بيوت المنطقة بقى من الطعام الكثير.. لحظة دعوة الله عزوجل متوسلا اليه بحق الحسين الوجيه وامه وابيه عليهم السلام ان اقدم الطعام لمستحقيه… وبعد لحظات واذا بمسيرة عارمة وحشود من الزوار كامواج البحر تدخل على الساحة التي انا فيها السائرين على الاقدام مجتنبين السير على الشارع العام سالكين طريق بيتي…. بعد زج المنافقون البعثيون بالمظاهر المسلحة والسيارات المدججة بالسلاح على الشارع العام واعتقلو الكثير من الشباب… تغير مسار الزائرين ليستريحوا في باب بيتي المتواضع… وبدأت بضيافتهم.. قسمت الواجب بيني وبين زوجتي وطفلتي الصغيرة زوجتي تسكب الطعام وانا اوزعه وهكذا ساعدني الجيران وكثيرا من الزوار انفسهم الى اذان الظهر.. قام الجميع للصلاة ونفذ الطعام بالكامل والحمد لله… وكنت أسأل الزائرين عن اماكن انطلاقهم وكان الجواب (بصرة – ناصرية – كوت – حي – حلة – ديوانية – عمارة) نعم لقد استجاب الله دعائي والحمد لله.. سألت احدى العوائل التي جلست لتناول الطعام هل لكم معيل قالت لا فهذا المريض والدنا واخوالنا قتلهم جلاوزة صدام المقبور في طريق الحسين.. سالتهم عن احوالهم اجابت نحن نعيش على مائدة ابي الاحرار والفقراء الحسين (ع). طوال شهري محرم وصفر.. فطورا.. غداء.. عشاء واحيانا نجمع الطعام من المواكب وخدام الحسين والمتبرعين ونوزعه على زوار الحسين وناخذ الاجر والثواب من التعب الجسدي الذي نقدمه……

اي معنى للايثار ونكران الذات من هذه العائلة المتعففة اي امام علمهم هذا… طيب اتباع آل البيت وهم في خوف وعوز وجوع هذه اخلاقهم فما بالك اذا تنعموا..

واكمل ابو غدير ان كثيرا من العوائل المتعففة تختفي عني طوال شهري محرم وصفر واسال عنهم والجواب (نحن نعيش على مائدة ابي الاحرار سيد شباب اهل الجنة طوال الشهرين).

نتمنى ان شهورنا تكون كلها عاشوراء كما قال بولص سلامة

(مع الحسين كل هزيمة انتصار.. وبدون الحسين كل انتصار هزيمة لان قصة عاشوراء لم تكتمل فصولها فان كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء).

ولعل السيد صالح بحر العلوم رسم صورة صادقة للعاشورائين عشاق الحق والحرية حينما قال:

في كل عامٍ لنا في العشر واعيةً تطبق الدور والأرجاء والسككا

الكاتب: عبد المهدي المظفر