الشيخ الوائلي ما بين الخطابة والشعر

الدكتور احمد الشيخ حسون بن سعيد بن حمود الليثي الوائلي العنزي۱۹۲۸هـ ـ ۱۳۴۷ م واطلالة ۱۷ ربيع الاول كانت ولادته مقترنة بولادة الرسول(ص)..فكان الاسم القرآني احمد دون عناء..

ـ دخل مدرسة غازي الابتدائية وتخرج منها حافظا للقران الكريم بتأثير الشيخ عبدالكريم قفطان الذي تعهده طفلا بالدرس في مسجد علي بواية.. ـ دخل مدرسة منتدى النشر وتخرج منها بتفوق فخاض غمار الدراسة الجامعية فصار احد طلاب كلية الفقه وتخرج فيها مع اول دفعة حصلت على شهادة البكالوريوس في العلوم اللغوية والاسلامية، فالماجستير من جامعة بغداد على اطروحته الموسومة(احكام السجون بين الشريعة والقانون) ثم يشد الرحال صوب القاهرة ليدخل جامعتها لغرض الحصول على الدكتوراه مقابل اطروحته(استغلال الاجير وموقف الاسلام منه)..بعدها يعود الى بغداد..لكن القدر يشاء كي يغترب مكرها فغادر البلاد سنة ۱۹۶۹ وظل يكابد الغربة لاربع وعشرين سنة..فالعودة سنة ۲۰۰۳ واغماض عينيه ودفنه في مقبرة الصحابي كميل بناء على وصية له.. ـ دخل المعترك السياسي بانتمائه الى حركة (جماعة العلماء في النجف الاشرف) المتشكلة من الشيخ مرتضى آل ياسين والشيخ محمد رضا المظفر والسيد موسى السيد جعفر بحر العلوم.. ـ الدكتور الوائلي العالم الجليل واللسان الفصيح والقصيدة التي لا تموت والفكر الموسوعي الذي لا تحده حدود..انه المجود للبيان، العذب المنطق، صاحب الراي السديد المستند على الحجة متمثلا بخطابه الملائم لمقتضيات العصر.. ـ الوائلي توغل الدراسة الحوزوية حتى المراحل المتقدمة مما اسهم في منحه قدرة الكلام والصدارة في الخطابة بحكم نشأته في بيئة نجفية معروفة بتراثها العلمي والادبي والديني.. فضلا عن الى تتملذه على يد كبار العلماء والمفكرين وياتي في مقدمتهم محمد رضا المظفر، رافدا ياها بتحصيله الاكاديمي العالي المقترن بعلوم حوزوية فكرية وحياتية..مما جعله جامعا للعلوم التي صبها في ملكاته الخطابية وشخصيته المبدعة وفكره الموسوعي الذي اسهم من خلاله في تقعيد المنبر بجعله يصدر عن قواعد وعلم منهجي..فضلا عن اثرائه بالمضامين الروحية والانسانية.. ـ الوائلي..وصف بعميد المنبر الحسيني كونه يعتمد الاسلوب الخطابي المؤثر بدلالاته والمستند على حجة متميزة بالفاظها العذبة المنتقاة..فضلا عن امتلاكه شاعرية متميزة اتخذت لسانين اولهما: الشعر العامي المتداول على السنة الناس..وثانيهما: فصيح متفرد بفخامة وبريق الفاظه.. والذي كان يجري مجرى السهل الممتنع.. ـ الوائلي.. الخطيب ..الشاعر..المثقف العضوي على حد تعبير كرامشي الايطالي.. الاثر الادبي عنده تولد من مصدرين اساسيين: اولهما: القريحة بما هي صفة فطرية ..فضلا عن ـ المنجز الشعري التراثي على امتداد الازمان والذي شكل خزينه المعرفي..اذ هناك المتنبي والبحتري وابو تمام ودعبل الخزاعي والشريف الرضي واحمد شوقي وحافظ ابراهيم والرصافي والزهاوي والحبوبي والشبيبي والشرقي….. ثانيهما: المضمون الحضاري ..المعرفي المتمثل بالخزين الفكري المتراكم نتيجة البيئة النجفية المتشابكة شعريا عبر مجالسها ومناسباتها.. ـ الوائلي المتفاعل والوسط الثقافي والادبي..كان له الاثر في تدفق شاعريته، حيث عاش احداث العصر الاجتماعية والسياسية بوعي فكري عميق ساير التطورات الفكرية والحياتية.. ـ الوائلي بحسه المتدفق وبصيرته المتاملة وعقله المحتكم..ينتقد ويحلل ويعلل فيضع النقاط على الحروف .. فيا باعثيها نعرة جاهلية (محمد) واراها التراب تورعوا عذرتكم لو ان ما تنبشونه عظاما ولكن جيفة وهي ابشع /الديوان/ص۹۸ ـ ص۹۹ وله في مؤتمر الادباء العرب الخامس/بغداد/ (رسالة الشعر)۱۹۶۵٫٫ وبحضور رئيس الجمهورية اذ يستبدل الشاعر نصه الشعري بنص آخر اقترب من مئة بيت كلها تعبر عن مشاعر مكبوتة وهو على المنصة متحديا ومحملا الرئيس مسؤولية تأزم الحال في البلاد.. لغد سخي الفتح ما نتجمع ومدى كريم العيش ما نتوقع يا مهرجان الشعر عبؤك مجهد فاذا نهضت به فانك اروع بغداد يومك لا يزال كامسه صور على طرفي نقيض تجمع يطغى النعيم بجانب وبجانب يطغى الشقا فمرفه ومضيع في القص اغنية على شفة الهوى والكوخ دمع في المحاجر يلدغ لا تطربن لطبلها فطبولها كانت لغيرك قبل ذلك تقرع /الديوان/ص۳۲۷ـ ص۳۳۳ وهنا يتطير الرئيس فيعلن اعتقال الشاعر وفي نفس اليوم يطلق سراحه بسبب الاحتجاجات التي عمت البلاد.. لكن هذا لن يثني الشاعر بل زاده عزما كي يستمر في انتقاد الاوضاع التي يعاني منها الانسان الذي كرمه الله تعالى..اضافة الى استذكار الماضي المنتعش بحضارته الانسانية التي نافست الحضارات وخدمت البشرية.. سدنا فما ساد الشعوب حضارة اسمى ولا خلق اعف واروع قدنا الفتوح فما تشكى وطأنا فكر ولا دين ولا من يتبع حتى الرقيق تواضعت احسابنا كرما فاوليناه ما لا يطمع وليستبين الشعر أي رسالة يدعى لها وبأي أمر يصدع /الديوان/ص۳۲۷ ـ ص۳۲۸ فالشاعر يرتقي بالشعر ..صوب الجمال كونه مصدر احياء القلوب الميتة..مع ابتعاده عن الرومانسية وانفلاته من عوالم الرمزية .. باعتماد اسلوب مباشر يلامس مشاعر المتلقي ويثير عواطفه.. ـ الوائلي..وجود شعري فاعل تميز بموسوعيته الموحية وتعدد مواهبه..فهو بشعريته حقق ذاته الشاعرة من خلال تطويع المفردة لخلق التقابلات الدلالية بين الالفاظ..كونها وسيلة من وسائل خلق الصور الذهنية بعيدة الدلالة..فهي قد تأتي متجانسة ..مألوفة شائعة التركيب..تعتمد(وجود لفظتين تحمل كل منهما عكس المعنى الذي تحمله الاخرى..كما في الشر والخير ويضحك ويبكي..) على حد تعبير الدكتور احمد نصيف الجنابي في (ظاهرة التقابل في علم الدلالة)..وهذا ما يسمى بالمطابقة او التناقض او التكافؤ اوالتضاد المتصارع..كما في قوله: ارى كل من يحيا يموت ويستوي على مسرح الدنيا مغيب ومطلع /الديوان/ص۹۷ فالشاعر يقابل بين الفعلين(يحيا)و(يموت) في الشطر الاول وبين(مغيب)و(مطلع) في الشطر الثاني..اذ لا انتهاء الا من بعد ابتداء.. وقوله: ومن البداهة والديون ثقيلة في ان يقاضي دائن ومدين /الديوان/ص۲۲ فالشاعر يقابل بين (الدائن)اسم الفاعل و(المدين)اسم المفعول.. هذا يعني ان الشعر عنده له لغة متفردة بين فنون القول يصطنعها الشاعر باستعماله المفردات المتداولة استعمالا شعريا يضفي عليها من المزايا ما تجعلها قادرة على ايصال التجارب الشعورية الى متلقيها وخلق حالة من الانسجام بينه والاخر.. ـ الوائلي يحسن انتقاء الفاظه المتقابلة دلاليا كي تحقق تقابلا( لفظيا او معنويا او صوريا)….من اجل ان يخلق اوسع دلالة لما يريد..كما في قوله: عشرون كفا حرة ما اوقفت مهوى يد مغلولة اذ تصفع /الديوان/ص۵۰ فالشاعر يقابل (حرة)و(مغلولة) وهذا خارج من التقابل اللفظي الى المعنوي..اذ(حرة) تقابلها(مقيدة)و(مغلولة) تقابلها(مبسوطة)..ومن التقابل المعنوي قوله: بغداد ساء بك الهوى ام طابا سيظل وجهك رائعا جذابا/الديوان/ص۳۴۵ اما في التقابل الصوري فيخلق الشاعر صورا حسية او ذهنية معبرة عن المشاعر التي تسيطر على النص..كما في قوله: في القصر اغنية على شفة الهوى والكوخ دمع في المحاجر يلدغ /الديوان/ص۵۲ ـ الوائلي الخطيب ..الشاعر..المفكر..جمع بين الفكر التراثي الانساني والعلم الحديث..تشهد له على ذلك مؤلفاته التي اغنى فيها المكتبة الانسانية..ابتداء من هوية التشيع الذي رد فيه على ادعاءات بعض المستشرقين بان التشيع فارسي الاصل ..باسلوب منهجي وتاريخي يثبت عروبته..ومرورا بدعوته الى تفسير علمي للقران فكتابه من فقه الجنس وانتهاء بديوانه الشعري المتشكل من جزأين والذي فيه يطرق ابواب الشعر(الديني والوجداني والسياسي والرثاء والاخوانيات)..مع تطويع المفردة في خلق الصورة والدلالة.. فرسائله المنحصرة في احكام السجون بين الشريعة والقانون واستغلال الاجير وموقف الاسلام منه .. هذا يكشف عن ان التاليف عنده فن قائم بذاته ..فضلا عن كم هائل من المحاضرات التي صارت جزءا من مكتبة كل بيت.

الكاتب: علوان سلمان