عاشورا

الشيعة وإحياؤهم ليوم عاشوراء

لو آمن الناس بقول قائل : ( إنَّ الحَقَّ للقُوَّةِ ) ، لكان عليهم أن يرموا بكل كتاب مقدس ، وبكل تشريع ودستور في عرض البحر ، حيث لا عدل ، ولا فضيلة ، ولا إيمان إلا بالمادة ، والنتيجة الحتمية لهذا المنطق إن الإنسانية والجماد في الميزان سَيَّان .

ولو كان الحق للقوة ما كان لشهداء الفضيلة ذكر ، ولا لأبطال التحرير فضل ، وكان السفاكون الهادمون في كل عصر ومصر كـ ( يزيد ) هم الكون بكامله ، إن يوم عاشوراء هو أحد الشواهد الصادقة على أن من تسلح بالمادة وحدها فهو أعزل .

وليس يوم عاشوراء احتجاجاً على يزيد وجيش يزيد فحسب ، وإنما هو دليل قاطع على أن كُلَّ من يقف أمام الغاصب الطاغي ساجد الرِّكَاب ، مُنحَنِي الرأس ، مُعفَّر الجَبين ، يمد إليه يد الذُّل والاستجداء ، دليل على أنه ليس له من الحق شيء ، ألا ترى إذا رآه الرائي قال : شَقِيٌّ بَائِس ، ولم يَقُل : صَاحِبُ حَقٍّ مُهتَضَم .

إن صاحب الحق يمد إلى حقه يد القوة والعزة ، فيمدها وهو عالي الرأس ، ثابت الجنان ، ولا يردها إلا قابضة على حقه ، أو تقطع مجاهدة في سبيل الحق والعدالة ، فإن قطعها في هذا السبيل إنما هو ( حَيَاةٌ ) ، وبقاءها إنما هو ( مَمَاتٌ ) ، فالسلام على الحسين المظلوم القائل : ( إِنِّي لا أَرَى المَوتَ إِلاَّ سَعَادَةً ، وَالحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً ) .

يوم الجهاد المقدس

ليس يوم عاشوراء عاطفة مذهبية شيعية نحو الرسول وأهل بيته ( عليهم السلام ) وَلَّدَها الضغط على الشيعة كما زعم الزاعمون ، ولكنه تكريم للبطولة والتضحية ، وإحياء للجهاد المقدس ، واعتزاز بالإباء والكرامة في كل زمان ومكان .

ليس يوم عاشوراء يومٌ للشيعة فحسب ، وإنما هو للناس أجمعين ، لأنه جهاد وتضحية ، وحق وصراحة ، ونور وحكمة ، وليس لهذه الفضائل دين خاص ، ولا مذهب خاص ، ولا وطن خاص ، ولا لغة خاصة ، هذا هو يوم عاشوراء في حقيقته ومغزاه .

زيارة قبر الحسين

إن زيارة كربلاء وشَدِّ الرِّحال إليها من بلاد نائية هو تكرار وتأكيد لما يهدف إليه يوم عاشوراء ، ونجد تفسير ذلك مكتوباً في القطع المعلقة على قبر الحسين يتلوها الزائر ساعة دخوله الحضرة المقدسة ، وخروجه منها ، وقد جاء فيها :

( إِنِّي سِلمٌ لِمَن سَالَمَكُم ، وَحَربٌ لِمَن حَارَبَكُم ، مُحَقِّقٌ لِمَا حَقَّقْتُم ، مُبطِلٌ لِمَا أَبْطَلتُم ، فَأَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِن خِيَار مُوَالِيكُم ، العامِلِينَ بِمَا دَعَوتُم إِليهِ ، أَهتَدِي بِهَدْيِكُم ، وَأَن يَجعَلَ مَحْيَايَ مَحْيَا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَمَاتِي مَمَاتَ مُحَمِّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ )) .

فيتلو الزائر هذه الكلمات وأمثالها بقلب خاشع ونفس مطمئنة في بقعة ارتفع فيها صوت الحق ضد الباطل ، وخفقت رايات الهدى ضد الضلال ، وشَعَّ فيها نور العدالة ليمحو ظلام الجور ، وأُرِيقت دماء زكية لتطهر الأرض من رجس الاستعباد .

لم تعرف الكرة الأرضية مناصراً للحقِّ في عهد يزيد غير هذه البقعة الصغيرة المُسَمَّاة بـ ( أرض كربلاء ) ، فيقصدها الزائر لِيُشهِدَ الله والناس على نفسه أنه لا يتبع إلا الحق ، ولا يناصر إلا أهله ، وأنه عليه يحيا ويموت ، يحيا حياة محمد وآل محمد ، ويموت ممات محمد وآل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فليس معنى زيارة كربلاء تأليه الأحجار والأخشاب ، وعبادة الأرض والتراب .

زارَ أحد شعراء الشيعة قبر الحسين ( عليه السلام ) وبيَّن الغاية من زيارته ، والهدف من رحلته ، فقال : إني زرتُ قبرَ الحسين ( عليه السلام ) وشَمَمْتُ ثراه ، كي يَتَسَرَّب إلى نفسي نسيم الإباء والكرامة ، ويهب على قلبي ريح الحق والعدالة ، وعفرت خدي بالتراب حيث يضع ، وقطع خد الحسين ( عليه السلام ) ، ولم يخضع لظالم ، ولثمت أرضاً وطأها الحسين ( عليه السلام ) ، لأن خيل الطغاة جالت على صدره وقلبه وظهره وصلبه ( عليه السلام ) ، ولم يُهَادِن ولم يمالئ من سلب الشعب حريته ، والأمة حقوقها .

شَمَمتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسـيمُ ** نَسِيم الكَرامَةِ مِن بَلقَعِ

وَعَفَّرتُ خَدِّي بِحَيثُ استَرَاحَ ** خَدٌّ تَفَرَّى وَلَم يَخضَعِ

ولا يبتغي الزائر الشاعر بعد هذا الدليل دليلاً على قداسة غايته ونبل مقصده ، وأي دليل أصدق وأبلغ وأوضح على عظمة بقعة دفن فيها من نثرت السيوف لحمه دون رأيه وضميره ، ورفع رأسه على الرمح دون إيمانه وعقيدته ، وأطعم الموت خير البنين والأصحاب من الكهول إلى الشباب إلى الرضع دون مبدئه ودعوته .

وَمَاذا أَأَروَعُ مِن أَن يَكُـونَ ** لَحمُكَ وَقفاً عَلَى المَبضَعِ

وأن تَتَّقِـي دُون مَا تَرتَـأِي ** ضَمِيرُكَ بالأَسَلِ الشُّرَّعِ

وَأنْ تُطعِمَ المَوتَ خَيرَ البَنِينَ ** مِنَ الأَكهَلِينَ إِلَى الرُّضَّعِ

إن يوم عاشوراء ، وزيارة كربلاء ، هما رمز الحرية والمساواة بين الأسود والأبيض ، والعربي والأعجمي ، والملك وشعبه ، وأنه لا فضل إِلا لمن جاهد وكابد في سبيل هذه المساواة ، فلا ظالم ومظلوم ، ولا جائع ومتخوم .