الصحوة الإسلامية في فكر الإمام الخامنئي

بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، الذي كان يُلقب بالحتمية التي لا تسقط، ركزت المحاولات الفكرية لتحويل الليبرالية إلى أيديولوجيا بهدف استمرار الفكر الليبرالي خوفا من سقوطه كما حصل للمنظومة الاشتراكية.

بحث الفكر الرأسمالي عن حتمية تحافظ على وجوده فوجد العولمة، ولم تكن هذه المحاولات من إبداعات الرأسماليين، بل هم استنبطوها من فكرة الدين، والدين الإسلامي بالتحديد، بعد أن لمسوا كيف أن هذا الدين استمر رغم كل الظروف التاريخية الضاغطة. ولمسوا بالإثبات التاريخي كيف أن الإسلام هو الإيديولوجيا التي تتجدد في كل عصر، ويصبح شأنه أكبر مع كل تجديد، ولمسوا أيضا أن هذا الدين ليس لزمان ومكان محددين بل هو لكل زمان ومكان، لذلك كان ينتشر في العالم كأسرع عقيدة تنتشر في كافة أنحاء المعمورة، فهو ينمو بمعدل ۲.۹ بالمئة سنويا.

لهذا يخشى الغرب الإسلام ويخشى أن يكون الإسلام هو البديل الأيديولوجي لليبرالية. وباسم الواقعية ينظّر صناع القرار الليبراليون للعالم كله لركوب قطار العولمة كتابع وليس كمشارك. وهذا بالفعل ما أصاب العالم من تبعية، بما فيها العالم الإسلامي الذي ضيّع حكامه التماثيل المصنوعة من الغرب هويته.

إلا أن الإسلام بما أنه نظام حي مستمر، وبمشيئة إلهية ذو ميزة عالمية، يخاطب كل تفاصيل الحياة، يقف الآن في وجه الإيديولوجيا الغربية ليصوب المسار التاريخي البشري، ويصحح أخطاء من لم يفقهوا التجارب والعبر التاريخية القديمة والمعاصرة. حتى أن المجتمعات في الغرب بدأت تدرك التجارب، وهي تعاني اليوم من العولمة لذلك نرى أن هناك دعوة في الغرب إلى إصلاح النظام المالي الدولي، وطرح بديل يجمع بين الاشتراكية والرأسمالية في محاولة لإنقاذ الرأسمالية من نفسها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على إفلاس النظام الرأسمالي، مما يعني أن الإسلام هو النموذج الحتمي المتبقي للبشرية. إلا أن هذا النموذج الحتمي الذي يتعرض للهيمنة والسيطرة الغربية لابد من آليات لتحريكه وتنشيطه، فما الذي يحركه؟ هل الصحوة الإسلامية التي نشهدها الآن هي المحرك الصائب؟

الصحوة الإسلامية التي نشهدها في العالم الإسلامي ليست وليدة ساعتها، ومن خلال بعض الاستقراء التاريخي المعاصر، يمكن أن نرصد لحظات بدء تحريكها إلى حين ولادتها، ونرى بذلك أنها قد بدأت تتفاعل لدى الشعوب الإسلامية في بداية الثمانينات من القرن العشرين عندما ظهر من يذكّر المسلمين بالعودة إلى الإسلام وإلى تعاليمه، وهو الإمام الخميني (قدس سره)، الذي أعاد إثبات نظرية الإسلام على أنها هي الأسلم في التطبيق السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

وهنا أصبح الإسلام يشكل تهديدا للرأسمالية بعد سقوط الإتحاد السوفيتي. فصنعت من الإسلام عدوا ووضعته في خانة التخلف والوقوف في وجه الحضارة والتقدم. ونجحت في تسريب هذه الأفكار في البلاد الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بالمرأة والحجاب وربطه بالتحضر، وخاصة وأن الحكام ينفذون أوامر الولايات المتحدة الأميركية التي هي رأس الرأسمالية والإمبريالية. فدخلت العولمة سريعا مع الهجمة العسكرية على بلاد المسلمين من خلال الحملة الدعاية العالمية عن ما يسمونه “الإرهاب الإسلامي”، وأن الولايات المتحدة هي التي ستنشر الديمقراطية في العالم في عولمة مخادعة. بينما كان شعار الإمام الخميني: “لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية” و ” يا مستضعفي العالم اتحدوا”.

وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ظهرت الصحوة التي تنبأ بها الإمام الخميني، بعد أن لمست الشعوب الإسلامية الفرق الشاسع في التطبيقات، بعلمها أن الإسلام جاء للعالم في عملية تفاعل فكري حر واختياري بين الحضارات المتعددة، فيقوم الإنسان بالاختيار “لا إكراه في الدين ،والدين هنا ينسحب على كل التفاصيل أي لا إكراه في الاقتصاد والسياسة والثقافة. وكانت إيران والإمام الخامنئي حضنا لهذه الصحوة تأكيدا على الإيمان بالوعد الإلهي بنصرة الإسلام.

الكاتبة: نزيهة صالح