الصمت بوابة الكمال

أتساءل في كل سنة يحل فيها شهر رمضان الفضيل ضيفاً علينا (وماذا بعد الصوم؟).

هل بات الصوم رياضة روحية تأخذ وقتها وتمضي ثم يعود الإنسان إلى غيه وضلاله وكبره وعناده، ويعيش ازدواجية في شخصيته، فما الذي انصقل فينا وتهذب لنؤكد لذاتنا أننا خطونا في درب الكمال درجة؟!

من يستقرئ واقع الإنسان يكتشف أن هناك جهلاً حقيقياً لجوهر الصوم ومكنونه، فإن لم تتهذب أخلاقه وتسمو روحه وتنعتق في معارج الكمال فإنه لم يفهم من الصوم إلا المعنى الظاهر. فالخصام بين الأخوة، قطع الأرحام، حب الدنيا، الإسراف والتبذير، الشراهة في الغرائز، التكبر والاستعلاء، الغضب، الرياء، الاستغابة، الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إيذاء الناس، عناوين تترجم أن الصائم أصم الروح والقلب، لم يفهم الصوم باعتباره الفلتر الذي ينقي كيان الإنسان من الشوائب ويطهر قلبه من الأمراض الروحية التي تحجب عنه الخشوع لله والشعور بالعبودية المطلقة له، ولهذا كانت الغلبة دوماً لأهوائه.

فقد لمست كثير من الأمراض الأخلاقية المعبرة عن باطن موبوء بالشر ومشوه بالخبث حتى في الوسط المتدين، فالحسد والغيرة وحب المناصب والوجاهة تظهر جلية في سلوكيات البعض، فمازالت القلوب لم تطهر والألسن لم تعف، والأرواح لم تسمو..

فإذا لم تتحول هذه الفريضة إلى مقوم واعظ لروحية الانسان كي تجعله دائم اليقظة والوعي فيحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة فانه لن يرتقي ويسمو في سلم الصعود بل يظل أسيراً لأهوائه ومشتهياته والمؤشر الإيجابي الذي يدل على أن الصوم أتى أكله عندما يحاسب الإنسان ضميره ويستعرض علاقاته بالناس ليدرء المظالم ويصل الأرحام، المواقف التي تضع كبرياء الإنسان على المحك حينما يطوع شيطان الأنا لإرادة الله عز وجل، وقد شدد العرفاء في تفسيرهم لجوهر الصوم على ضرورة (الصمت) باعتباره منبع الحكمة والتفكر والمنطلق الأول في التربية النفسية والأخلاقية، فلجم اللسان عن الثرثرة بكل درجاتها كاللغو، اللهو، الكذب، النفاق، البهتان، الغيبة، الصراخ، هذه السقطات تعتبر البلاء الأكبر الذي يجر الإنسان إلى مزالق الشيطان فيكبل إرادته وفكره وينحدر به إلى حضيض الأخلاق حيث الضغائن والأحقاد وظن السوء بالناس لأن اللسان يترجم ما في عقل الإنسان من قيم وأفكار ويفسر مخبوءه كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (تكلموا فإن المرء مخبوء تحت طي لسانه).

فالكلمة الفاسدة تدمر، تخرب، تفتك، تشعل، وصمت الإنسان واتخاذه الحيطة والحذر في أقواله يلجم الوحش الغضوب فيصرعه، يلجم الوحش الأناني فيصرعه، يلجم الوحش الحسود فيصرعه، إلخ..، حينها يشعر المرء بسلام داخلي وهدنة مع الجوارح وسموا في الفكر، وفي رمضان يجتمع الناس وتلتحم الأواصر، واللسان هنا سيد الموقف إذ يندلع من مكنونه ليثرثر وينفس إما خيراً أو شراً، وحينما ينعدم الرقيب ينفلت اللسان من عقلة الصمت فيجر وراءه أثقالاً من الذنوب والآثام فإذا بها معاول هدم تحطم البنيان الداخلي المتوازن والذي يشعره بالهدوء والطمئنينة، اللسان هو البوابة التي يدخل منها إبليس إلى باطن الإنسان فيعشعش فيه حتى الاستحواذ الكامل لمشاعره وإرادته وعقله ومتى ما سيطر الإنسان على لسانه واتخذ الصمت عبادة فإنه يقمع سبل الشر ويروض إرادته على الصبر فتنجلي الظلمة عن قلبه وتضيء جنباته بنور الإيمان فيسامح ويعفو ويغفر ويتواضع قرباناً لوجه الله الكريم، ذلك النور المشع في كل حواسه ومنافذ تفكيره يقشع الغشاوة عن عينيه فيرى حقيقة ذاته و ماهية وجوده وهدف خلقته فيختار أن يخالف هوى نفسه ليرضي ربه.

فيا أيها الإنسان الغافل.. استثمر هذه الأيام في التعبد والتهجد والاعتكاف بعيدا عن الثرثرة واللغو لتستضيء روحك بنور الحقيقة المغيبة بفعل شهوات النفس وحب الدنيا فاربح في رمضان قدر نجاتك قبل فوات الأوان وتذكر أن العاقبة للمتقين. قال الله سبحانه وتعالى: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليوم حديد)

الكاتبة: خولة القزويني