الصوم-عند-اليهود

الصوم عند اليهود

تعد فريضة الصوم من أقدم التشريعات اليهودية بعد شعيرة تقديم القرابين في الهيكل التي انتهى دورها بخراب الهيكل على يد نبوخذ نصر عام (۵۸۷ ق.م).

ويتسع مفهوم الصوم كثيراً لدى اليهود، وسبب ذلك راجع إلى اجتهاداتهم في إيجاد أنواع منه جلها مرتبط بالحدث التاريخي، وما أفرزته طبيعتهم العدائية للأمم التي عايشوها، أو عاصروها، والتي غلب عليها طابع الحزن، نتيجة لتعرضهم لشتى أنواع المحن.

ولم يعرف الصوم كتشريع وفريضة ملزمة، مستقلاً عن باقي الشعائر، بل يذكر لفظ “الصوم” أو ما يدل عليه مع سياق طقوس شكلية معقدة.

و”يذكر الصوم تذليلاً للنفس، وترويضها أمام مغريات الجسد”. وأسبغ شراح الكتاب المقدس بشقيه القديم والحديث على الصوم معان عدة يراد بها جميعاً قصد التقرب إلى الله تعالى. وهو يعني “مراقبة اليوم للحصول على الغفران الإلهي معتمداً على إخلاص توبة المرء وإرشاده لأخيه الإنسان إلى الطريق الصحيح”.

وعرف الصيام بأنّه “الإمساك عن الأكل والشرب من الصباح إلى المساء، إلا أنّ المفروض بشريعة موسى من غروب الشمس إلى مساء اليوم التالي”. وفي فترة ما قبل السبي البابلي أخذ الصوم معنى الانقطاع عن الأكل عموماً، أما في كتب الأنبياء فقد جاء بمعنى “عدم أكل الخبز حصراً”.

وفي مدة الأسر أخذ الصوم طابع الحداد والحزن، وكان يلجأ إليه عند الخطر، ويؤديه الكاهن استعداداً للإلهام أو إذا اعتقد أنّ الله ساخط عليه.

كما عرف الصوم بأنّه “الالتجاء إلى الرب لطلب الصفح عن الخطأ، أو التماس الشفاء، أو بعد ترمل، أو بعد نكبة وطنية، أو لنيل وقف كارثة، كما أنّه تعبير عن تواضع النفس أمام الله، وهو ما يعادل إذلال النفس”.

ومن مظاهر صومهم “أنّهم كانوا لا يدهنون رؤوسهم بالزيت ويبكون وينوحون وينثرون الرماد على رؤوسهم ويتركون أيديهم غير مغسولة، ويلبسون المسوح”.

ويصوم اليهود عدة أيام متفرقة من السنة أهمها صوم يوم الغفران (يوم كبور)، في العاشر من تشـرين، وهو الصوم الوحيد الذي ورد في أسفار موسـى الخمسـة، ويبدؤون صيامه قبل غروب الشمس بنحو ربع ساعة إلى ما بعد غروب الشمس في اليوم التالي بنحو ربع ساعة، فهو لا يزيد عن خمس وعشرين ساعة متتالية وهو عاشوراء اليهود، وما زال فيهم حتى اليوم.

يقول في سفر اللاويين: “ويكون لكم فريضة دهرية أنّكم في الشهر السابع في عاشر الشهر تذللون نفوسكم”.

وثمة أيام صوم عديدة أخرى مرتبطة بأحزان جماعة يسرائيل وردت في كتب العهد القديم الأخرى. ومعظم هذه الأيام مناسبات قومية ومن أهمها:

۱ – صوم يوم التاسع من آب، ذكرى يوم هدم الهيكل (خراب الهيكل في المُصطلَح الديني) الأول والثاني.

۲ – صوم يوم السابع عشر من تموز الذي يصوم فيه اليهود بسبب مجموعة من الكوارث القومية وردت في التلمود، فهو اليوم الذي حطم فيه موسى لوحي الشريعة، وهو اليوم الذي نجح فيه تيتوس في تحطيم حوائط القدس، ودخل فيه نبوخذنصر إلى المدينة، وحرق فيه الجنرال السوري إتسونيوموس لفائف الشريعة، وأقام فيه بعض الحاخامات أوثاناً على جبل صهيون.

۳ – صوم يوم العاشر من يونيو، وهو اليوم الذي بدأ فيه نبوختنصر حصار القدس.

۴ – ويصومون كذلك الثالث من تشرين، وهو ما يُعرَف باسم “تسوم جداليا” لإحياء ذكرى حاكم فلسطين الذي ذُبح بعد هدم الهيكل.

۵ – ويصوم اليهود أيضاً في الثالث عشر من آذار صوم نادت به استير الزوجة اليهودية لملك فارس ازدشير بن بابك، قبل أن تنقذهم من مؤامرة هامان وزير الملك. ويقع قبل عيد النصيب.

وقد قرر الحاخامات أيام صيام أخرى إضافية من بينها صيام أسابيع الحداد الثلاثة، بين السابع عشر من تموز والتاسع من آب، باعتبارها الفترة التي نهب الجنود الرومان أثناءها الهيكل والقدس، وأيام التكفير العشرة (بين عيد رأس السنة ويوم الغفران)، وأكبر عدد ممكن من الأيام في أيلول، وأول يومي اثنين وخميس من كل شهر، وثاني يوم اثنين بعد عيد الفصح وعيد المظال. وقد فُسِّر هذا الصوم بأنه تكفير عما قد يكون المرء قد ارتكبه من إفراط أثناء العيدين السابقين.

ويصومون السابع من آذار باعتباره تاريخ موت موسى، يوم الغفران الصغير (يوم كيبور قاطان)، وهو آخر يوم من كل شهر. كما يمكن أن يصوم اليهودي في أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، فهي الأيام التي تُقرأ فيها التوراة في المعبد.

وإلى جانب أيام الصيام التي وردت في العهد القديم، والتي قررها الحاخامات توجد أيام الصيام الخاصة أيضاً؛ في ذكرى موت أبويه أو أستاذه، وصوم العريس والعروس يوم زفافهما… ومعظم يهود العالم داخل وخارج فلسطين لا يقيمون شعيرة الصوم ولا حتى في يوم الغفران.

وفي التوراة الحالية مدح للصوم والصائمين

فإنّ موسى(ع) صام أربعين يوماً، حيث قالت التوراة: “أقمت في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة لا آكل خبزاً ولا أشرب ماء”.

وقد قيل ليوسف(ع) : لمَ تجوع وفي يديك خزائن الأرض؟

فقال : أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

ويوجد عند قدماء اليهود صوم من نوع خاص، وهو صوم الصمت، وهو: استغراق الصامت في صمته النصحوب بذلة التوبة والندم والشعور بالخطيئة. وهي رغبة منوطة بالاختبار وليس لها وقت محدد.

وهي شعيرة دينية أخذها اليهود من الشعوب القديمة، وتمثل رغبة عن الحديث إلى الناس بالتفرغ للعبادة .

وقد حوت ديانتهم على ثلاثة ضروب من الصمت وهي

۱ – صمت السلوك: وهو سلوك اجتماعي ناجح حيث يبقي على الناس حبهم واحترامهم، ويصور العهد القديم الصامت عاقلاً إذ يقول: “ولذلك يصمت العاقل”، ويرى كذلك “الجاهل يكثر الكلام”. وهناك إشارة إلى هذا النوع من الصوم عندما صمت بنو إسرائيل وجميع الشعب وجاءوا إلى بيت إيل وبكوا وجلسوا هناك أمام الرب وصاموا ذلك اليوم إلى المساء.

ب – آية الصمت: ولهذا النوع إشارات إحداهما في التوراة والأخرى في القرآن الكريم. فالتوراة تذكر أنّ حزقيال قد خوطب بالانعزال عن بني إسرائيل بعدما تمادوا في طغيانهم وتكرر الخطيئة من لدنه. تقول التوراة: “اذهب، أغلق على نفسك.. لأنّهم بيت متمرد”. وكذلك عندما أخبرهم بقرب خراب أورشليم. أما إشارة القرآن الكريم فيحدثنا بها زكريا ، حين بشرته الملائكة بيحيى من زوجته العقيم فقد طلب إلى ربه آية يعرف بها ليتلقى تلك النعمة بالشكر فقال له تعالى: ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾.

ج – صيام الصمت: وهو استغراق الصامت في صمته ضارباً على ثوب التوبة من الخطايا والندم على ما اقترفه اللسان من بذيء الكلام وفاحشه. وهذا النوع من الصيام معروف لدى الديانات القديمة، كما أنّه ليس له وقت محدد. وعبارة “قدسوا صياماً” و”نادوا باعتكاف” متكررة في العهد القديم، ويجد الصامت نفسه تائباً لربه، مستشفعاً بصمته؛ كما في نصيحة داوود لبني إسرائيل: “ارتعدوا ولا تخطئوا.. تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا”.

ويشير القرآن الكريم إلى صيام الصمت في بني إسرائيل، فقد مارسته العذراء مريم : ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ﴾.

الكاتب: الشيخ حسين المصطفى