الصوم

الصوم

معناه

الصوم في اللغة هو مطلق الإمساك أو الامتناع أو الكف عن أي شيء بما في ذلك الامتناع عن الكلام، وهو من الأمور التي كانت شائعة عند الأقوام السابقين، ولقد أشار القرآن المجيد إلى استعمال هذا النوع من الصيام عند الكلام عن السيدة العذراء مريم بنت عمران (ع) حيث ورد في سورة مريم الآية ۲۶ قوله تعالى: ( فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا). مريم ۲۶

ثم استعمل هذا اللفظ في الشرع للدلالة على الإمساك المخصوص عن المفطرات التي حددتها الشريعة الغراء خلال مدة زمانية معينة تبدأ من طلوع الفجر وتنتهي عند مغيب الشمس بحيث يقصد المكلف الامتثال لأوامر المولى تعالى شأنه، لذلك فإن الصوم كعبادة يحتاج إلى النية وبدونها يكون العمل باطلاً.

 أهميته وفضله

الصوم ركن مهم من أركان الإسلام وفيه فضل عظيم للإنسان، ولو لم يكن فيه من الفضل إلا انتشال النفس من حالة الحضيض والارتقاء بها لتحلق في فضاء الكمال والصلاح الروحي لكفى بذلك فضلاً وشرفاً.

ومعلوم أن الصوم يمثل منهجاً تدريبياً للنفس على الاستقامة والثبات وتعميق الإحساس الإنساني وتجذير الإخلاص عن طريق تنمية الرقيب الداخلي في النفس الإنسانية، فالصوم عبادة في أكثر تفاصيلها سرية، فسائر العبادات قد يؤديها الإنسان متظاهراً ولكن الصوم هو حمل الإنسان على التوقف والكف عن المفطرات حتى وإن خلى الفرد مع نفسه وبذلك يضخ الصوم شحنات من الطاقة الروحية في عمق هذه النفس لتحقق الإخلاص فيها. وفي هذا المقام تشير مولاتنا وسيدتنا فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها في مقطع من خطبتها العظيمة بينت فيها بعض أسرار الأحكام، حيث تقول عن الصيام: (والصيام تثبيتاً للإخلاص).

كيف يعمل الصيام كمثبت ومعمق للإخلاص

۱- إنه كذلك لأنه يقوي جانب الإرادة في النفس ويعزز مكانة الرقيب فيعيش الله تعالى في عمق نفس هذا الإنسان، وتتحد بذلك قواه الظاهرة مع الباطنة فيتوحد سلوكه في طريق الإيمان لأنه يعيش مع الله في كل لحظة من لحظاته فيكون عبداً ربانياً لأنه يعيش التقوى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . البقرة ۱۸۳

ومن الفضائل العظيمة لهذه العبادة ورد: أنه جنة من النار، وأنه يصحح البدن، وأنه زكاة الأبدان، وإن الصائم في عبادة وإن كان على فراشه مالم يغتب مسلماً، وإن نومه عبادة وأنفاسه تسبيح، وإن الله تعالى قد أوكل ملائكة بالدعاء للصائمين…

 شروط وجوب الصوم

۱) متى يجب الصوم؟

۲) يجب الصوم على المكلف مع تحقق الشروط التالية:

أ‌- البلوغ الشرعي.

ب‌- العقل وعدم الإغماء.

ت‌- الطهارة من الحيض والنفاس.

ث‌- عدم ا الضرر من الصيام كالمريض الذي يضر الصوم بحالة كأن يزيد من شدة المرض أو يؤخر شفاءه.

ج‌- الحضر أو عدم السفر الموجب للقصر في الصلاة.

۲) ماهي المفطرات التي يجب على المكلف الكف عنها ليتحقق منه الصوم؟

المفطرات هي

أ‌- تعمد الأكل والشرب سواء كانا معتادين أم غير معتادين.

ب‌- تعمد الجناب الموجب للجنابة.

ت‌- تعمد إنزال المني بأي طريقة.

ث‌- تعمد الكذب على الله وعلى الرسول الأعظم (ص) وعلى الأئمة (ع) والزهراء (ع) والأنبياء والمرسلين (ع). ج‌- تعمد الارتماس في الماء.

ح‌- تعمد البقاء على الجنابة حتى طلوع الفجر.

خ‌- تعمد إدخال الغبار الغليظ أو الدخان إلى الحلق.

د‌- الاحتقان بالماء ولو للضرورة.

ذ‌- تعمد القيء ولو للضرورة.

۳) ما الذي يترتب على الإتيان بأحد هذه المفطرات

ـ إذا أتى المكلف بأحد هذه المفطرات المذكورة فإنه يترتب عليه القضاء عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه وفي بعضها يجب عليه الكفارة إضافة إلى القضاء. فتعمد الأكل والشرب والجماع وإنزال المني والبقاء على الجنابة والاحتقان والارتماس والكذب.. هي موجبة للكفارة. أما تعمد القيء فهو موجب للقضاء.

والكفارة هي العمل الواجب على المكلف أن يأتي به ليمحو ذنبه الذي ارتكبه من تعمد الإفطار وهي:

۱٫ عتق رقبة مؤمنة.

۲٫ صيام شهرين متتابعين.

۳٫ إطعام ستين مسكيناً.

* ويتخير المكلف أيها يقوم به.

وإن كان إفطاره على شيء محرم أصلاً فعليه أن يجمع بين هذه الكفارات.

 من آداب الصيام (الصوم)

أولاً: ما يكره للصائم

– يكره الاستياك بالعود الرطب.

– الجدال والحلف.

– إخراج الدم المضعف للبدن.

– بل الثوب على الجسد.

– الاحتقان بالجامد كالتحاميل مثلاً.

– إنشاء أو إنشاد الشعر الدنيوي.

– ملاعبة أو مداعبة النساء.

– شم الريحان والنرجس والتطيب بالمسك.

– جلوس المرأة في الماء.

ثانياً: ما يستحب للصائم

ـ استعمال الطيب وقد ورد أن تحفة الصائم.

ـ كتم الصوم المندوب (المستحب) إلا أن يُسأل فلا يجوز له الكذب.

ـ السحور ولو بشربة ماء، فقد ورد أنه بركة.

ـ أن يفطر صائماً- بمعنى أن يدعوه على طعام الإفطار أو يوفر له ما يهيئ ويوفر له ما يفطر عليه من مائدة- لأن في ذلك إدخال السرور عليه، وقد ورد في ثوابه أنه أعظم أجراً وأفضل من صيامك. ويتأكد استحبابه في شهر رمضان المبارك، وقد ورد فيه أنه من فطّر مؤمناً صائماً فيه كان له بذلك عند الله عتق رقبة من ولد إسماعيل ومغفرة لما مضى من ذنبه.

– ويستحب كذلك قراءة سورة القدر عن الإفطار وعند السحور، وكذلك الدعاء بالمأثورات، ومن ذلك:

( اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا، فتقبله منّا، ذهب الظمأ وابتلت العروق وبقى الأجر).

(الحمد لله الذي أعاننا فصمنا، ورزقنا فأفطرنا، اللهم تقبل منا وأعنّا عليه وسلمنا فيه، وتسلمه منا في يسر منك وعافية، الحمد لله الذي مضى عنا يوماً من شهر رمضان).

(يا عظيم يا عظيم أنت الهي لا اله إلا غيرك اغفر لي الذنب العظيم إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم).

– ويستحب تقديم الصلاة على الإفطار.

– ويستحب الإفطار على الحلوى أو التمر تأسياً برسول الله (ص) أو اللبن تأسياً بأمير المؤمنين (ع).

– ويستحب الاجتهاد في العبادة والدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن والصدقة..

الاعتكاف

معناه في اللغة هو الإقامة على الشيء في المكان، وكذلك هو حبس النفس عن التصرفات العادية وكذلك هو المنع والملازمة والمواظبة، قال تعالى شأنه حالياً عن عبدة الأصنام (يعكفون على أصنام لهم..) الأعراف ۱۳۸*.

وفي الاصطلاح الشرعي يعني الاعتكاف: المكث أو اللبث في المسجد بقصد التعبد لله وحده.

وقد شرع الإسلام هذه الشعيرة لتؤدي بين حين وآخر لتساهم في تحقيق نقلة في طريق العبادة لله الواحد القهار، حيث تكون فرصة للعبد بأن يخلو مع ربه ويعمق صلته به ويوثق علاقته بمولاه ويستزيد من الشحن النفسي والروحي ليرجع بعدها إلى حياته الاعتيادية وكله طاقة وقوة وثبات وإخلاص.

 شروط الاعتكاف

وقد حددت الشريعة لهذه الشعيرة شروطاً لا تصح بدونها وهي:

– العقل.

– الإيمان.

– نية القربة.

– الصيام.

ـ العدد وأقله ثلاثة أيام (ثلاثة نهارات تتوسطها ليلتان).

ـ أن يكون الاعتكاف في مسجد جامع وأفضل من ذلك وأحوط أن يقع الاعتكاف في المسجد الحرام أو مسجد الرسول الأعظم (ص) أو مسجد الكونة أو مسجد البصرة (مسجد المدائن).

– أن لا يخرج المعتكف من المسجد إلا لضرورة شرعية كأن يخرج للاغتسال من الجنابة مثلاً حيث لا يجوز للجنب المكث في المسجد أو يخرج لقضاء حاجة مؤمن أو لعلاج مرض.

– أن يترك كل الأعمال التي لا يجوز للمعتكف الإتيان بها حال اعتكافه والتي فعلها عامداًَ بطل اعتكافه وهي:

ـ مباشرة النساء أو مداعبتهن.

ـ شم الطيب.

ـ التجارة بشتى أنواعها.

ـ الاستمناء.

ـ التلذذ بالرياصين.

ـ المماراة التي هي المجادلة والمنازعة في إثبات وجهات النظر حباً للظهور والفوز على الأقران.

أحكام الاعتكاف

۱٫ الاعتكاف عبادة مندوبة (مستحبة) وقد تجب لسبب طارئ كأن يوجبها الإنسان على نفسه بنذر.

۲٫ يسوغ للمعتكف أن يهدم اعتكافه ويغادر المسجد ويعود لحالته الطبيعية الاعتيادية في أي وقت ويستثنى من ذلك:

– إذا كان قد أوجب الاعتكاف على نفسه فعليه أن يواصل اعتكافه.

– إذا كان قد مضى من اعتكافه يومان فعليه أن يكمل حتى لو كان بدأه بعنوان الاستحباب.

۳٫ إذا فسد الاعتكاف لأي سبب من الأسباب فعلى المكلف أن:

– إذا كان اعتكافه مستحباً في بدايته وفسد قبل مضي اليومين فلا إعادة عليه.

– إذا كان قد بدأه مستحباً ثم فسد بعد مضي اليومين فعليه أن يعيده ولكن لا يشترط الفورية في الإعادة.

– إذا كان قد نذر الاعتكاف واعتكف وفاءً لنذره فعليه الإعادة قضاءً ولا تجب الفورية، وفي حالة النذر يميز بين الحالتين:

ـ إذا كان النذر محدد بتلك الأيام فإن الإعادة تكون قضاء.

ـ إذا كان النذر غير محدد بتلك الأيام فإن الإعادة تكون عملاً بالنذر ووفاءً له.

۴٫ إذا قارب المعتكف زوجته فعليه الكفارة، وكفارته مرتبة وهي:

عتق رقبة وإن لم يتيسر له فعليه صيام شهرين متتابعين، وإن لم يتيسر له فإطعام ستين مسكيناً.

وسميت مرتبة هنا لأنه ليس للمكلف أن يختار من بينها بل هي معينة على نحو الترتيب.

وإذا كان المعتكف قد قارب زوجته نهاراً وهو صائم لشهر رمضان أو قضاءه فعليه كفارتان:

ـ الأولى: كفارة الإتيان بما لا يجوز للمعتكف.

ـ الثانية: كفارة الإفطار في شهر رمضان أو في قضاءه.

الكاتب: حسن الملاح