المتفرقة » المقالات » المتفرقة »

الضلال النفسي والفكري لأصحاب بدعة السفارة

للضلال مصاديق متكثّرة، وكلما ذكرت هذه المفردة فإنها تشي أو توحي بحسب اللغة أو المرتكز الشرعي أو العرفي بحالة الضياع أو التيه والكتاب العزيز والسنة المطهرة مشحونة بهذا المصطلح كما لا يخفى على المستقرئ.

وإننا لو أمعنا النظر في سيكولوجية الضال أي من حيث الدراسة النفسية لألفيناه متلفّعاً بالازدواجية وحب الظهور وكسر مركّب النقص والتعويض عنه بحيث تشرأب له الأعناق ويشار إليه بالبنان.

وعادة ما يعيش صاحب البدعة أحلاماً وردّية تطفو به لسطح الشهرة فيضلّ يبحث عن مقدّس موروث بين الجماهير مع إضفاء لمسات يخالها تخفى على الشريحة العظمى وذلك للفراغ العقائدي المعرفي نتيجة انشغال المتصدّين للشأن الديني إمّا منافسة على المواقع والأضواء أو الاحتراب الداخلي وتباين الخطوط في العمل الإسلامي. وإما للنقص الذاتي وانعدام المتخصّص في تشخيص الداء ووصف الدواء.

وعليه فإنه يسرح ويمرح كيفما يشاء في إحكام ما يرنو إليه من تمرير ضلاله على السذّج مع وضوح بدعته وخروجه على الثابت والضروري من الدين أو المذهب.

ولو دقّقنا أكثر فأكثر لوجدناه شخصية مهلهلة مسكونة بالخواء الروحي المعنوي ويطمح أن ينافس الأنداد والأقران، ولو كان على حساب الدين والمعتقد.

شخصية تحسد على المقام والمنزلة والمهم عندها أن تصل إلى الهدف ولو كلّفها ذلك الخسارة المادية والمعنوية معاً.

بل أنها لا تستنكف أن توصّف بأقسى النعوت أو تسقط أمام الأمة. وكل الذي يكفيها أن تهيمن على ذهنية عدد لا بأس به من المغرر بهم مادام فعل الأمر يروي غليلها.

أضف إلى ذلك استهواءه للتنظير في بيئة ما يسمّى في علم الاجتماع – بالعقل الجمعي – ليأنس بتمرير بدعته إذا وجد المصفّق والداعم والمروّج لأباطليه مع تصافق الجميع على أصل بطلان القضية من رأس تماماً كمسألة المنحرف أحمد الكاتب أعني الكاذب في نفيه لشخصية صاحب العصر والزمان – أرواحنا فداه – حينما بهرجه الإعلام العربي والفضائيات الهزيلة المدفوعة الأجر.

هذا من جهة التحليل النفسي لشخصية المبتدع على نحو الإيجاز.

أما من جهة الضلال الفكري فنلخّصه في الآتي:

– اللوّثة المعرفية . – خصوبة وسعة الخيال والتعويل على الأماني الشيطانية.

– تسطيح القضايا . – تطويع النص الشرعي وكثرة الإسقاطات على الواقع المعاش.

– الثقافة الالتقاطية.

– إدعّاء الصوابية المطلقة.

– ضعف المقدمات العلمية المؤدّي إلى أخس النتائج.

– عدم القدرة على محاكمة الأفكار ونقدها نقداً علمياً موضوعياً.

– التفرّد بإطلاق الأحكام.

– كثرة الشبه واستحكامها وعدم مراجعة أهل الاختصاص.

– نقص المعلومات، وتصور النفس عالمة.

– الاعتماد على الشاذ من الأقوال لتدعيم الفكرة النشاز.

– التشوّف لمصاف الإبداع الخلاّق على حد زعمه.

– الاتكاء على المقولة الفكرية: حرية الرأي والتي هي صحيحة في جانب وخاطئة من جانب آخر.

– نعدام المعايير العلمية.

– تقديم الشعارات البرّاقة واستعمال عباءة الدين للترويج لمشروعه (البدعة).

وكيف كان فالتصفّح في آيات ودلالات الأحاديث والروايات التي تحدّثت بجلاء عن البدعة والمبتدع يعطينا قواعد عامّة وكلّية يمكننا من خلالها رسم صورة باهتة الألوان تضعه في خانة المحرومين المنحرفين من الفيض والعناية الربانية.

وعلى قاعدة: إن سوء الاختيار لا ينافي الاختيار من قِبله يحرم علينا إعانته ويجب علينا محاربته.

وفي أفضل الحالات: إن كان مشتبهاً في زمن فتنة رفعنا عنه موانع الاشتباه إن كانت لديه قابلية النجاة.

وإلاّ إن كان مصراً معانداً للحق طبّقنا عليه العناوين الشرعية ثم سّلطان عليها أحكامها.

لأنه يقال في مقام تسرّعه وبساطته والتماس العذر له: لماذا لم يخضع للحجّة والبرهان والدليل ويسلّم بالاشتباه؟!

ألا يكشف ذلك عن ضحالة بيئته الفكرية، وانحرافه النفسي كما حصل لصاحب البدعة عبد الوهاب البصري حينما واجهه العلماء باشتباهه وخطأ مدّعاه. وهو الذي أقرّ أولاً كتابياً ثم أنكر ثانياً تحت مضلة العقل الجمعي من أتباعه. وهو ما سوف تراه مسطوراً فانتظر.

وبحسب القاعدة الفقهية المشهورة: (( إقرار العقلاء على أنفسهم حجة أو لازم)) حديث.

وهو سليم العقل ظاهراً يومذاك وقد طبّق العلماء في حقه: ((احمل أخاك على سبعين محمل))

لا يبقى مجالٌ لمتقّول: إن العلماء وقتذاك قد استعجلوا الأمر وكان عليهم إعطاء مبدأ الفرصة الأطول كي تتضح الأمور.

نعم إن وضوح الحكم الشرعي وبيان الاشتباه وخطورة الدعوى لثلّة مغلوبة على أمرها وربما كانت تعيش ظرف التقية من المنحرفين المدّعين داخل السجن ثم استبصارها بمجرد اللقاء بالعلماء دليل واضح على التأنّي منهم ومعالجة البلية بحسب المعايير الشرعية الأخلاقية.

وكذلك يعتبر مؤيداً قوياً على رسوخ هذا المعتقد إجمالاً أعني: انتهاء أمد النيابة الخاصّة بوفاة السفير الرابع على بن محمد السمري(رض) في الذهنية الصافية لدى المستبصرين، وإن شابها بعض الشبه نتيجة لضعف المقدّمات العقائدية أو لنقل جو الإرهاب الفكري الذي انتهجه المبدعون آنذاك.

وهو يصلح أيضاً أن يكون داعماً لمقولة: إن الإنسان يمكن أن يعيش ضلالاً فكرياً أو نفسياً مؤقتاً ولكن بمجرد أن يلوح في الأفق طوق نجاة مع أصل صلاح نبتة الصلاح في روحه وعقله ويتجرّد عن (الأنا) ويسعى جاهداً مجاهداً في استعلام الحقائق من منابعها الأصلية وهم العترة الطاهرة (ع) والعلماء الربانيون فإنه ينجو من الفتنة والافتتان حتماً ويطلّق ذينك الضلالين وينتظم في سلك العقائديين المنتظرين لصاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

ولا أظنّ أن المنغمسين في نتن هذه البدعة يستفيقون من ظلالهم هذا لأنه قد استحكم في قلوبهم قبل عقولهم تبعاً لحبهم الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة كما قال رسولنا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

وهي طامة كبرى في الواقع لأن الضال والمبدع لو كان ضلاله وبدعته لا تتعدى عقله وقلبه لكفى والله حسيبه. لكن يضل ويحوم كالصقر يبحث عن أكبر عدد من الفرائس. لكي تزداد مكاسبه ويزداد رصيده.

ولتتصوّر معي ازدياد عدد المنطمرين في عباية الضلال الفكري والنفسي لبدعة السفارة عن إمامنا المهدي عجل الله فرجه الشريف في زمن الغيبة الكبرى؟!

وفي ضل أجواء الديمقراطية تحت مفردة حرية المعتقد وحرية الرأي!! فكم ستكون خسارة فادحة، لإن البدعة والمبدعون محميون بالقانون ويعملون في رابعة النهار بعدما كانوا كالخفافيش ليلاً خائفون؟!

وأصبحت العضوية في جمعيتهم (جمعية التجديد) سهلة المنال!!

والاطلاع على زيف أباطيلهم عبر الصحف والتلفاز وموقعهم الالكتروني طعمة لكل شارد ووارد من شبابنا وفتياتنا اليائس أصلاً جرّاء فقد الثقة من الإٍسلاميين وإخفاقاتهم السياسية.

أليست الأرضية خصبة ومهيئة بالفعل لازدياد العدد؟؟

صدقني إنّ الضلال لا يقبع في زاوية معينة مادام أن المقتضي موجود والمانع مرفوع.

إنه ينظر من جميع الزوايا ويسوّق لبضاعته الكاسدة في أسواق أهلها لا يميّزون بين الجيد والردئ.

وأنه كلما تشبّع ازداد قوة بينما علّيّة القوم غافلون!!

أما آن الآوان لجلد الذات والتوقف عن الاحتراب والتخندق معاً من أجل قضية جوهرية خطيرة تمس أساس الدين والمعتقد؟؟!

فكم نزفنا من جهود ضائعة وتركنا الضلال الفكري والنفسي يتعملّق ويتجذر؟؟!

ولو دقّقت معي أكثر فأكثر بشأن مبتنيات المبدعين وسائر أدبياتهم فإنك تخلص إلى نتيجة نهائية مفادها: أنهم عاشوا أجواء غير نقية وقلقة إما اجتماعياً وإما سياسياً، وأن نبرة التحدّي والانتقام هي الطاغية على مجمل تحركاتهم بالرغم من هزالة فكرتهم وعدم صمودها أمام الحجة الدامغة والبرهان والحقائق التاريخية الثابتة.

فماذا يعوزهم سوى التدليس والقفز المتعمّد والتصرّف في مداليل النصوص القطعية الصدور وإجماع السلف والخلف، وسوى إضفاء الشرعية واحتسابهم واقعاً أو رقماً لا يمكن تخطّيه في ظل فوضى محلية وإقليمية وعالمية؟!

وبدراسة أوضاع وتاريخ المدّعين قديماً وإسقاطها على الوضع الراهن للمبدعين حديثاً فإن هناك قواسم مشتركة تجمع ما بين المنحرفين بالتأكيد، ولكن هناك مائزاً واحداً يفرّق بين الفريقين للتغرية والافتضاح ألا وهو: أن اللعن والتبري صادرٌ من الناحية المقدّسة على صاحبها آلاف التحية والسلام غضّاً طرياً بواسطة النائب الخاص له أرواحنا فداه والذي أكثر ما صدر للولي الثالث الحسين بن روح النوبختي رضي الله عنه وأرضاه لكثرة المدّعين في مدة سفارته ونيابته عن صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف فسرعان ما يتهاوى الضلال الفكري والعقائدي وتنكشف أوراقه للقواعد المؤمنة.

أما مع التباعد عن عصر النص المعصومي المهدوي وبعد انتهاء أمد الغيبة الصغرى وابتداء الغيبة الكبرى وبالرغم من صدور النص الخالد الذي أوصد باب النيابة الخاصة بوفاة الولي الرابع علي بن محمد السمري رضي الله عنه وأرضاه فإن الضلال الفكري العقائدي قد زادت وتيرته وتعاظم أكثر فأكثر إن التنظير لبدعة النيابة الخاصة في زمن الغيبة الكبرى يجد له صدىً واسعاً من أبواق مهووسة لآذان صماء وقلوب منكوسة قد أضناها اليأس والانتظار وتحسب أنها من الممهدين ولا تدري أنها من المركوبين.

القادة مركوبين من إبليس اللعين والمقودين مطايا ووقود للطامعين. وهنا تأتي في المقام فلسفة التمحيص والفتنة والافتتان للقواعد المؤمنة في زمن المحنة أعني بها الغيبة الكبرى في الثبات على الأصالة العقائدية ومحاربة الضلال الفكري ورفضه ووجوب توعية الأمة من أخطار أمثال تلك الدعاوى الباطلة، كما كان يصنع الأساطين من العلماء الربانيين وهي الوظيفة المناطة بهم ما دموا قد تلبسوا بالعنوان، وإلاّ فإن اللعن يعّمهم حينئذٍ كما ورد في الحديث المعصومي ((إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، وإلاّ عليه لعنة الله)) أي أذا تراخى في المحاربة وإبراز ما ينقذ الشريحة المؤمنة يكون مشمولاً للطرد من رحمة الله تعالى والعياذ بالله.

ونحن نفهم بأن إظهار العلم وتفعيله لا يُكتفى فيه بالمرة أو المرتين وإن كان معذراً من حيث التكليف. لكن يعني الاستمرارية كذلك وخصوصاً في المسائل العقائدية المفصلية ما دام الضلال الفكري يكبر يوماً بعد يوم وحتى يغطّي مساحة لا يستهان بها في واقع الأمة ويؤيده فعل الأمر ويظهر الذي يدل على الطلب والحث وإن كان متكثّراً كما حقق في علم الأصول. ولا يقال كذلك بأن قيام البعض كافٍ في سقوطه عن الباقين لأنه يؤسس لحالة القعود والتقاعد وإن كان صحيحاً فقهياً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الخطاب متوجه إلى الجنس أعني ((العالم)) فيكون المراد: على كل عالم قادر متخصّص في هذا الفن، والله العالم.

وكيف كان فإن آلية المحاربة والمنابذة لأصحاب بدعة السفارة متروكة للشأن العلمائي وبحسب ما تمليه عليهم تشخيصاتهم.

والمهم هو: أن تبقى جذوة الرفض والمحاربة والتوعية مشتعلة إلى أن يتم إطفاء نيران الانحراف والضلال الفكري أو تحجيمه عند حد محدود على الأقل، وقبل أن يأتي على الأخضر واليابس ويكتوي الجميع بفتنة طخياء عمياء.

الكاتب: السيد جميل المصلي