المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

الطريق إلى مجتمع الفلاح

﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (۱۰۴) ﴾ سورة آل عمران

الفلاح غاية يعمل الإنسان من أجل الوصول إليها، فهي وإن تعددت الآراء حول مفهومها إلا أنها مطلب يبذل الإنسان ما بوسعه من أجل الوصول إليه على جميع المستويات وكافة الصعد. فعلى المستوى الشخصي يوظف التاجر كل ما لديه من إمكانيات مادية ومعنوية في سبيل الوصول إلى أرقى مراتب الفلاح، وكذلك الصانع والموظف، بل والطالب والطالبة أيضا. وعلى المستوى العام فالساسة والاقتصاديون ورجال الاجتماع والتربية والإعلام والأمن وغيرهم، كل في تخصصه يتوق ويعمل من أجل أن يكون فالحا. فالفلاح الذي يعني الفوز والنجاة والبقاء في الخير يمثل الأمل الحاضن لوقود الحركة والعمل والدافع نحو الاستقامة والصمود.

فما هو الطريق إلى مجتمع الفلاح أولا: طليعة مؤمنة

المجتمع المؤمن بل وكل مجتمع متحضر تلتئم قواه وتتسق قدراته في وضع مؤسسي خاضع لشكل من أشكال التنظيم الإداري المتوافق مع بيئة المجتمع والظروف المحيطة به، والأخذ بنظر الاعتبار العادات والتقاليد الأصيلة والمعتبرة فيه وعند أبنائه.

وقد عبر القرآن الكريم عن اللبنة الأولى في بناء المجتمع المؤسساتي: الأمة الداعية إلى الخير. قال تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ سورة آل عمران؛ آية ۱۰۴ وسواء أكان المعني بالأمة: الأئمة أو الجماعة، أو غير ذلك فهي تدل على ضرورة قيام فئة في المجتمع تمارس دور البناء من خلال الدعوة إلى الخير، والشريحة التي تتشكل منها هذه الأمة مسكوت عنها إلا أنها بالضرورة يجب أن تكون ملمة بالخير التي تدعوا إليه ولو إجمالا. ولعل من الواضح البين أن المصداق الجلي لذلك في مجتمعنا يتمثل في المؤسسة الدينية، لذا ينبغي على رجالاتها التحول من الحالة الفردية إلى الحالة الجمعية بحيث يمكن إطلاق لفظ المؤسسة عليهم بلا تجوز.

ثانيا: الأمر بالمعروف

يمثل الأمر بالمعروف حالة البناء في المجتمع أو الأمة، بينما يمثل النهي عن المنكر حالة الهدم لكل ما أنجز على خلفية التخطيط أو التنفيذ السيئين، وربما يمثل أيضا الهدم للبناء المتصدع نتيجة لعوامل التصدع المحيطة.

فأنت قد تبني منزلا ويكون كلا من التخطيط والتنفيذ لهذا المنزل متقنين، وهذه العملية كعملية الأمر بالمعروف، وقد تبني منزلا ويكون التخطيط أو التنفيذ غير متقنين فهو بحاجة إلى إصلاح، وتارة يكون كلا الأمرين تاما إلا أنه وبسبب تعرضه لعوامل الطبيعة كالزلازل والأمطار وما أشبه، وفي هذه الحالة بحاجة إلى إصلاح، وهاتين الصورتين والإصلاح الذي تمران به يكون كعملية النهي عن المنكر ويزيد عليها الحيلولة دون البناء من دون تخطيط وتنفيذ جيد، وكذلك الحيلولة دون التأثر بعوامل التصدع. من خلال هذا الفهم لعملية الأمر بالمعروف ينبغي أن يتعاطى أبناء المجتمع مع هذه العملية دون تحفظ، فالمعروف الذي أمرنا بالعمل من أجل تثبيته وبسطه يين الناس إنما هو مجموعة القيم التي تحمل الإنسان إلى السعادة والفلاح، وهذه القيم معروفة بلحاظ شيوعها في المجتمع المسلم، أو ربما شيوع أسسها بين الناس كافة وانسجامها مع الفطرة الصافية والضمير الحي. والقول بالتعاطي دون تحفظ واجب على الجميع من دون فرق بين الأجناس – الرجل والمرأة – أو الشرائح – العالم والتاجر والموظف والمدرس والطبيب والمهندس وغيرهم – وغيرهما. قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (۹) ﴾ سورة التوبة وقد استفاد بعض الأجلة من هذه الآية وغيرها من الآيات عينية الوجوب على كل أحد، واستفاد منها خاصة ولاية المؤمن على المؤمن فيما يرتبط بالأمر والنهي، من دون فرق بين الرجل والمرأة. وهذا يعني أن وجود الطليعة الداعية إلى الخير لا تجدي نفعا كبيرا ما لم تتحول عملية البناء إلى حالة جماهيرية عامة، علما بأن المشاركة هي عملية تربوية وتثقيفية للمشارك أولا، وإسهام في بناء مجتمع فاضل وبيئة نظيفة ومحيط صالح يوفر المناخ المناسب للعيش فيه بهناء وسعادة. وهنا ينبغي أن نلفت الأنظار إلى ضرورة تجاوز الفهم السطحي لهذا العمل المقدس، من خلال تقديم النموذج الحضاري النابع من الفهم العميق والصحيح لمفاهيم الدين الحنيف ومنها مفهوم الأمر بالمعروف، وعليه فالممارسات الخاطئة التي ربما تنتشر في هذا المجتمع أو ذاك، والتي قد يقوم بها البعض بدافع الأجرة لا الأجر، ينبغي أن نرتقي بها لمستوى أفضل و إلا فإنها ستتحول إلى معول للهدم بعد أن كان المرجو منها البناء.

ثالثا: النهي عن المنكر

يشترك النهي عن المنكر في كل ما قيل ويقال عن الأمر بالمعروف إلا أنه يمثل حالة الهدم بدلا من حالة البناء، فهو عملية هدم لكل ما يتصل بالشر أو يصطدم بالخير أو يجانبه، وهذه العملية لا تطال هدفها بعد التكون والاستقواء فحسب بل تلاحق أسباب تكونه وجميع المراحل التي يمر بها.

والمنكر خلاف المعروف، هو كل ما خالف القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة والفطرة المستقيمة، وبالتالي يكون هو كل ما أنكره الدين. ومقاومته ليست إلا عملية إصلاح وتقويم، فتعبيرنا “بالهدم” وإن كان لا يخلوا من خشونة في اللفظ، إلا أن مرادنا من ذلك ليس إلا الحيلولة دون الفساد و إصلاح ما فسد، ولعل استخدامنا ذلك من باب تقريب المعنى ليس إلا. وهذه العملية لم يبدأ بها القرآن ولا السنة النبوية وإنما جائت تالية للأمر بالمعروف، فهو أولا والنهي عن المنكر ثانيا، وفي ذلك دلالة على أن إنكار المنكر لا يكون إلا بعد شيوع المعروف بين الناس، وأن العلاقة بينهما عكسية فكلما ترسخت القيم وتجذرت في المجتمع قل المنكر وكلما ضعفت قوي المنكر واشتد عوده في المجتمع – والعياذ بالله – لذا فإن المسئولية الأولى والكبرى تكون في العمل الإيجابي –الأمر بالمعروف – لا العمل السلبي – النهي عن المنكر- وعليه فحينما نجد حالة شاذة منكرة في المجتمع علينا أن نراجع أنفسنا فيما يرتبط بالأمر بالمعروف، ومن خلال المراجعة هذه يتكشف لنا أن تقصيرنا هو السبب في بروز بعض الحالات المنكرة، فقد يكون التقصير من المؤسسة العائلية “الأب والأم” في أنهما لم يقوما بمسئوليتهما في التربية الصالحة، وقد يكون التقصير من المؤسسة التربوية “المدرسة” في أنها لم تقم بدورها الصحيح في زرع قيم الخير والفضيلة، وقد يكون التقصير ناشئا من المؤسسة الدينية في أن المسجد أو الحسينية أو المراكز المختلفة لم يتحملوا مسئوليتهم على الوجه الأكمل، وقد يكون التقصير ناشئا عن المؤسسة الإعلامية … وهكذا… المهم ينبغي الوقوف على السبب ومعالجته، وغالبا ما يكون السبب نتيجة للضعف في الجانب الإيجابي أي عملية البناء.

الكاتب: الشيخ محمد حسن الحبيب