المتفرقة » المقالات » الأخلاق »

الطلاب مستقبل الوطن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين . الأخوة والأخوات السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته يقول الله سبحانه في القرآن الكريم :”اقرأ باسم ربك الذي خلق” لقد كانت نعمة موفورة وفريدة في مجرى التاريخ يوم انفرجت رحمة الله عن أول كلمة ناطقة هادية إلى مسؤولية القراءة والقرآن… في تلك اللحظة المباركة، حدثت نقلة علنية باهرة استعاد خلالها الإنسان المعنى الضائع من كرامته وحريته، ليبدأ حلقة الوصل والتكامل بالأسرة الإنسانية التي أوشكت على الانفصام والانقطاع، لولا هذا الكتاب المجيد، الذي أضاء للإنسان سر الحياة ليحفظ له الذاكرة منذ أشهده الله على ربوبيته، ومنذ علّم سبحانه آدم الأسماء كلها، حتى لحظة اكتمال النضج بقراءة اللغة والكون، ليواصل سيره ونموه وتشكيل هويته بهذه القبسات الطيبة من مداد العلماء ودماء الشهداء. والبذرة الأولى في ذلك كله>اقرأ باسم ربك الذي خلق<، أي أن تشهد نورك في مرايا القراءة وأن تبدأ من أول التوحيد، لتملأ خلايا وعيك بريشة الخالق الذي سوّاك وأحسن صورتك… أن تقرأ لا أن تنسخ، فالقراءة إبداع والنسخ تقليد، ذلك أن القراءة تستحق عناء البحث والنقد والاستقصاء لبلوغ الغاية من معرفة الله، وتلك هي الحكمة: أن يكون أول التنزيل ومستفتح الفرقان: إقرأ، لأن حركة القرآن كلها لا تتم دورتها إلا بقارئ يتصفح الوجود باليقظة الواعية، فلا يغمض عينيه ولا يقفل قلبه ولا يضع يديه في أذنيه حذر الموت والخوف على متاع زائل وحياة فانية. فشرطك لقراءة الحزن أن تتوجع وسبيلك لقراءة الأمة أن لا تبيت شبعاناً وجارك جائع وبذلك تصبح قراءة القرآن هي الحوار الدائم المفتوح بين الإنسان وخالق الإنسان. وإذن… لا بد للقرآن من قارئ، ثم لا بد لهذا القارئ من مراس القراءة الواعية ليخرج من الإنصات إلى التصديق، ومن القول إلى الفعل، ومن الصمت إلى الحوار.. في ميادين الجهاد الذي ينشد تقويم الإنسان وإصلاح ما فسد من أموره، ليحد من طيشه وشطحات غروره في عالم مسكون بالقلق والخطايا والطغيان. ويجمل بنا في هذه اللمحة أن نضيف أن جذور التغيير مسبوقة دائماً بفكرة وثائر، وأن الحضارة مسبوقة بوقفة قارئ ، فهل نعي في معترك التحدي شروط القراءة لنهتدي سواء السبيل؟! لا سيما في هذه المرحلة التي يشهد فيه اللسان العربي تأتأة فوق رمال الخليج، وعجزاً عن النطق عند المعابر، وعجزاً عن الإدانة عند المقابر ، حتى ليكاد المرء من محيطنا إلى خليجنا لا يسمع من السلاطين العرب إلا لغة المقامر ، وحتى لغتنا اللبنانية لم نعد قادرين على قرائتها قراءة صحيحة فباتت لغة الكثيرين لغة صهونية وقراءة الكثيرين قراءة عبرية. إننا في هذا اليوم نعتز ونفتخر بأبنائنا وبناتنا الذين أنهوا عامهم الدراسي بنجاح ،ونعبر معهم ومع الأهل الكرام عن سعاتنا البالغة بهذا الإنجاز وبهذا النجاح وبهذه النتائج الطيبة، وبطبيعة الحال عندما يحقق الإنسان فوزاً، أو نصراً، وعندما يمن الله تعالى عليه بتوفيق، أو تسديد، سيكون ذلك مدعاة للبهجة والسعادة والفرج. أياً تكن الظروف القاسية تحيط بهذا الإنسان من حوله. اليوم في محضر الأخوة والأخوات جميعاً أود أن أركّز قليلاً على عنوان سريع هو أقرب إلى طبيعة حفلنا ومناسبتنا.

الإسلام دين العلم والمعرفة

من نافلة القول إن الإسلام، دين محمد(صلّى الله عليه وآله وسلم) الذي يتهمه كثير من المواقع اليوم في الغرب أنه نبي الإرهاب، إن هذا الدين دعا إلى العلم والمعرفة، بل هو دين العلم والمعرفة، وقد ورد في القرآن والأحاديث الشريفة كلمات علم ومعرفة وقراءة وتدبر وتفكّر وتأمّل وتعلم وتعليم والاتعاظ والسير في الآفاق وفي الأنفس وما شاكل هذه الكلمات والمصطلحات هي الأكثر حضوراً في ديننا وقرآننا وأحاديث نبينا صلّى الله عليه وأئمة أهل البيت عليهم السلام والسلف الصالح. هذا هو ديننا في الحقيقة هذا الدين الذي بدأ رسالته بكلمة إقرأ حتى قيل أنه دين إقرأ لا نحتاج اليوم إلى أن نطيل في هذا الجانب فالجميع مطّلع على ذلك ولكن أحببت أن ابدأ من هنا للتأكيد على أن العلم والمعرفة من أهم المعاني والقيم الأساسية التي يرتكز عليها ديننا : الإيمان والعلم والمعرفة والعمل الصالح والجهاد والتقوى ومكارم الأخلاق هذه هي أهم العناوين الرئيسية في رسالة رسول الإسلام محمد(صلّى الله عليه وآله وسلّم). اليوم عندما نلتقي في هذا اللقاء نشعر أننا منسجمون مع ديننا وثقافتنا وتاريخنا الذي كان يدعونا أن نطلب العلم ولو في الصين وأن نطلب العلم من المهد إلى اللحد وأن نضحي ونحن نطلب العلم واعتبر أن من أهم معايير العظمة في عالم الملكوت أن يتعلّم الإنسان لله ويعلّم لله كما قال السيّد المسيح(عليه السلام). اليوم نحن نحتاج إلى هذا التذكير في الزمن الذي يُتهم فيه ديننا ونبي هذا الدين بالإرهاب وبالتخلف والجهل والتعصّب والظلامية في الوقت الذي كان ديننا دائماً يدعو إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور ويدعو إلى بذلك النفيس من أجل الحصول على العلم واعتبر أن معيار العظمة هو أن تكون في خدمة الأمة والناس والبشرية. وعندما نتطلع اليوم إلى واقعنا في العالم العربي نجد ظاهرة غريبة وملفتة جداً، وهي ظاهرة الأمية حيث ورد في تقرير صادر عن منظمة التربية والثقافة والعلوم أن الأعداد الكبيرة للأميين في البلاد العربيه أصبحت تناهز الـ ۷۰ مليوم شخص، تصوّروا أنه في العالم العربي يوجد ۷۰ مليون أمي، أي ما نسبته ۳۵٫۶ في المائة من مجموع السكان في العالم العربي، وهي نسبة عالية جداً في الوقت الذي لا تتجاوز فيه معدّل الأميّة في العالم كلّه ما نسبته ۱۸ في المائة وينتمي إلى هذا العالم دول كالهند وباكستان وأفغانستان وبنغلادش وإندونيسيا وأميركا اللاتينية ومع ذلك تبقى النسبة ۱۸ في المائة. هذا الأمر بالتأكيد هو غريب جداً عن ثقافتنا وديننا وتعاليم نبينا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يمكن أن تنسب هذه الظاهرة إلى هذه الأمة وحضارتها. طبعاً هذه المنظمة تدق ناقوس الخطر وبالتأكيد كلنا يعرف أن العلم والمعرفة في المجالات المختلفة هي أهم وسائل تطوير المجتمع في كل المجالات المختلفة هي أهم وسائل تطوير المجتمع في كل المجالات وعلى كل الصعد بل هي أهم الوسائل التي تؤمّن البنية التحتية للأمن والاستقرار والسلم الأهلي والنمو في أي مجتمع وفي أي دولة. يا ترى.. لماذا هذه النسبة المرتفعة؟ هل لأن الناس حقيقة زاهدون في العلم؟ أو هل لأن أهالي هؤلاء الأبناء والبنات لا يرغبون في أن يتعلّم أبناؤهم وبناتهم؟ بالتأكيد المسألة ليست كذلك. إن المسؤولية الأولى في هذه الكارثة الإنسانية والثقافية والحضارية وهي كارثة حقيقة نغفل عنها أحياناً ونحن منشغلون في المسائل السياسية والأمنية وما شاكل، إن هذه المسؤولية تقع على عاتق الحكومات والأنظمة. تصوروا أن العالم العربي الذي يوجد فيه الدولة التي تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم ويوجد فيه الدولة التي تملك ثاني أكبر احتياط نفط في العالم، وهما دولتان عربيتان، ومع ذلك ۷۰ مليون أمي، لا نحتاج إلى تحليل أو تفسير لنفهم الأسباب.. تقصير الحكومات أو إهمالها وتخلّي الأنظمة والحكومات عن مسؤولياتها. تنفق مليارات الدولارات في العالم العربي على مشاريع لا طائل منها ولا فائدة ومليارات الدولارات تنفق على رغبات وشهوات حكام وملوك وأمراء وزعماء وحواشيهم وبيوتاتهم وأقاربهم في الوقت الذي يعش فيه ۷۰ مليون عربي في حالة الأمية وهذا طبعاً جزء من الكارثة والمصيبة. إنني أتوجه بالشكر إلى الآباء والأمهات، إلى الأهالي الكرام الذين تحملوا شظف العيش وصعوبة الحياة ليؤمنوا لأبنائهم وبناتهم هذه الفرصة العزيزة. إنني أتوجه بالشكر إلى إلى مدير المدرسة اللبنانية وإلى الكادر التعليمي ، وإلى كل الأعزاء الذين ساهموا في تحقيق هذا الإنجاز. نأمل إن شاء الله أن يكون أبناؤنا الأعزاء بكفاءتهم العلمية وشهاداتهم العلمية وعلمهم وفكرهم وثقافتهم عناصر أساسية في بناء هذا الوطن العزيز كما كان شهداؤنا عناصر أساسية في تحريره من الاحتلال،. شهداء المقاومة من خريجي الجامعات في لبنان هم عديدون وكثر سبقهم أخوة ويلحق بهم أخوة ونحن في إحتفال المدرسة اللبنانية اليوم كما في حفل الشهداء وكما في عيد المقاومة والتحرير الذي يصادف هذه الأيام ، نعاهد الله وأمتنا وشعبنا أننا ، سوف تبقى قراءتنا القراءة الصحيحة وسوف نبقى في الموقع الصحيح ، موقع التضحية، التضحية بكل شيء، في كل مجال، في كل ساحة وسوف نبقى في موقع المسؤولية وتحمل المسؤولية في كل مجال وفي كل ساحة، ليكون وطننا حاضراً حراً سيداً قوياً عزيزاً كريماً مصاناً إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الکاتب: الشيخ عباس أحمد شحادي